آخر الأخبار

لماذا لا يعامل 'بات روبرتسون' كإرهابي؟

2005-8-26 | عبدالله صالح لماذا لا يعامل 'بات روبرتسون' كإرهابي؟

تمتلئ الساحة الأصولية في الولايات المتحدة بالعديد من المشاهد والسلوكيات المثيرة للدهشة، من خطباء يبكون ويصرخون، ويتوعدون بالقتل أو الطرد لقطاع عريض من البشر، يعتبرونهم أشراراً.. ودعاة سلام ومحبة يلجأون إلى الحيلة والمكر من أجل النصب على بعض الأفراد والجماعات، للحصول على أموالهم، بدعوى إقامة مشاريع خيرية..هناك أيضاً من يدافعون عن الشذوذ، ومن أدينوا بجرائم تحرش جنسي بالأطفال، ومن يطالبون باستخدام أسلحة الدمار الشامل لإبادة جماعات بعينها لمجرد أن أعضاءها يختلفون معهم في العقيدة.

القس الأمريكي "بات روبرتسون" هو أحد عناصر هذا المشهد الأصولي، حيث يعد من أبرز الشخصيات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة، وهو من أشد المؤيدين لإسرائيل ولسياساتها العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، وقد سبق لروبرتسون أن حذر الرئيس الأمريكي بوش خلال حملته الانتخابية من أنه سيفقد أصوات المسيحيين الإنجيليين، إذا ما أصر على الحديث عن دولة للفلسطينيين، كما أعلن أكثر من مرة تأييده للحرب الأمريكية في العراق، باعتبارها خطوة على طريق المعركة الكبرى التي تحقق حلم المحافظين الجدد بعودة السيد المسيح.

كان روبرتسون قد أسس عام 1960 أول شبكة تلفزيون تبشيرية أمريكية وهي وكالة "سي بي إن"، التي تنتج برامج تبشيرية بأكثر من سبعين لغة، منها العربية والروسية والفرنسية والصينية، ويعد برنامج "نادي السبعمائة" الذي يقدمه روبرتسون نفسه من خلال هذه الشبكة أحد أكثر البرامج الدينية مشاهدة في الولايات المتحدة. كما قام روبرتسون بتأسيس منظمة سياسية باسم "التحالف المسيحي"، من أجل توحيد أصوات المسيحيين الأصوليين في الانتخابات الأمريكية، وتمكن من ضم نحو مليوني شخص لهذه المنظمة، التي لعبت دورا كبيرا في منتصف التسعينات في جذب أصوات الناخبين لصالح المرشحين ذوي الاتجاهات الأصولية المتشددة.

وقد شن روبرتسون من خلال برنامجه التليفزيوني الشهير هجوماً عنيفاً على المسلمين خلال السنوات الأخيرة، ووصفهم بالجنون تارة، وبأنهم عدوانيون تارة أخرى. كما زعم أن القرآن يطالب المسلمين بقتل المخالفين لهم في العقيدة أينما وجدوهم، وعدم التعايش السلمي أو إقامة أية صداقات معهم، وانتقد روبرتسون أيضا سياسات الهجرة في أوربا وأمريكا، والتي تسببت على حد زعمه، في تشكيل خلايا "إرهابية" لضرب اقتصاديات الدول غير الإسلامية، كما زعم أن المسلمين في أوربا وأمريكا يحلمون بالهيمنة على هذه المجتمعات وتحويلها إلى مجتمعات إسلامية.

في أعقاب الإعصار الأخير الذي ضرب ولاية كاليفورنيا وأسفر عن مقتل العشرات من الشيوخ والأطفال والنساء، أعلن روبرتسون أن الضحايا يتحملون جانباً كبيراً من المسئولية عن هذه الكارثة، التي تعد بمثابة انتقام إلهي من الشعب الأمريكي بسبب ابتعاده عن الأخلاق المسيحية، الأمر الذي أدى إلى إثارة مشاعر العديد من أسر الضحايا، الذين استنكروا تصريحات روبرتسون، وقالوا إنه كان الأجدر به أن يواسيهم في مصابهم ويشاطرهم أحزانهم، بدلاً من أن يتهمهم بسوء الأخلاق.

ويرتبط روبرتسون بعلاقات وثيقة مع الرئيس بوش، الذي يهتم، بصورة لم يسبق لها مثيل من رئيس أمريكي، بدعم المؤسسات الكنسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يطلق عليها اسم "جيوش الرحمة"، ويعتبر دورها أهم وأجدى بكثير من مؤسسات وجمعيات الضمان الاجتماعي الحكومية. وفي أحد الاحتفالات التي أقيمت داخل البيت الأبيض قدم روبرتسون للرئيس الأمريكي قائمة بالمشروعات "الخيرية" التي تستحق دعماً من الحكومة، على الرغم الكنائس الأمريكية تعتبر أغنى من الحكومة الفيدرالية، التي تعاني من الديون الضخمة، في حين تملك هذه الكنائس موازنات بمئات الآلاف من الملايين، في صورة استثمارات صناعية وإعانات ضخمة من قبل رجال الأعمال ذوي الاتجاهات اليمينية، الذين لا يترددون في دعمها بآلاف الملايين من الدولارات سنويا، وبالفعل حصل روبرتسون من الرئيس الأمريكي على شيك بمبلغ عشرة ملايين دولار كدفعة أولى.

روبرتسون دعا مؤخراً إلى اغتيال الرئيس الفنزويلي "هوجو شافيز" وذلك خلال مشاركته في برنامج ديني بث على محطة "سي.بي.إن"، وقال القس الأمريكي: "إن علينا مهمة مقدسة للتخلص من شافيز وتصفيته جسدياً، بدلاً من أن نضطر إلى شن حرب أخرى تكلفنا مئات المليارات من الدولارات للتخلص من هذا الديكتاتور، الذي يريد أن يجعل من بلاده معبراً للشيوعية والتطرف الإسلامي إلى القارة الأمريكية بأكملها". وقد أذيع هذا البرنامج في أعقاب تقرير أخباري بثته المحطة عن علاقات شافيز بالرئيس الكوبي فيدل كاسترو وبعدد من الدول العربية والإسلامية.

لماذا إذن لا يعامل روبرتسون كإرهابي و صنف محطة "سي بي إس"التليفزيونية ضمن المنظمات الداعمة للأنشطة "الإرهابية"، على غرار العديد من المنظمات الشرعية حول العالم، التي اعتبرتها الحكومة الأمريكية خارجة على القانون، لمجرد الاشتباه في علاقتها بالإرهاب، أو أن إدانتها للأحداث لم تكن على المستوى المطلوب !.

إن السبب الذي يمنع معاملة روبرتسون كإرهابي هو نفس السبب الذي جعل أحد مسئولي الإدارة الأمريكية يعلن مؤخراً أن المسلمين أوفر حظاً، لأنهم لم يعاملوا بنفس الطريقة التي عوملت بها اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ذات السبب الذي دفع الرئيس الأمريكي إلى غزو العراق وتحويل حياة الأبرياء من شعبه إلى جحيم، وحماية الجنود الأمريكان من الملاحقة الجنائية بسبب ما ارتكبوه من جرائم حرب..إنه ذات السبب أيضاً الذي رفض من أجله بوش مقابلة الأم الثكلى التي فقدت وليدها في العراق وتصر على المبيت في الخلاء على باب مزرعته في تكساس منذ أكثر من أسبوعين حتى يقابلها..إنها عقيدة الاستعلاء، والشعور بالتفوق، والرغبة في الهيمنة على الآخرين وإنكار حقوقهم المشروعة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

أويس الشمري

أشكر للكاتب العزيز موازنته ولو اننا كقراء نحتاج الى التعـريف أكثر بالكاتب ...
وهذا لا يُـنقص أبداً من أهمية المقال ،
البعـد الفكري والزمني بين ما نحن عليه وبين ما يجب ان نكون عليه لا بد ان يمرّ بمرحلة
نتجاهلها ونتجاوزها ونتغافل عنها في كل أطروحاتنا وهي انه لابد لنا من ان نتواجه معهم وجهاً لوجه ...
اعلم ان هذايفتح باباً من أنهر الدم ...
ولكن هذا هو ما يتحتّـم علينا نحن وبإستقراء كل الصفحات التاريخية منذ قابيل وهابيل نعلم ان الشرّ لم ينحني ابداً للخير وفيه أقل قوّة ، فما بالنا نستنطق الحجر ونكلم الشجر ونحلم احلام المجانين ؟ ...
وهم ينتهجون برنامجاً محدداً ونشطاً وواضح الوسائل والأهداف ...

شكراً للجميع ...