الإسلاميون.. وتغيير النظام في موريتانيا

2005-8-19 | الإسلاميون.. وتغيير النظام في موريتانيا

بعد الترحيب الذي أبداه زعماء الحركة الإسلامية الموريتانية، بالانقلاب العسكري الذي أزاح حكم الرئيس المخلوع معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، حيث قال 18 من قياديي الحركة في بيان لهم : إن "الإسلاميين الموريتانيين يرحبون بالتغيير في البلاد ويؤكدون مجدداً ضرورة التشاور مع مجمل الأطراف السياسية" من أجل "قلب صفحة الماضي المؤلمة".

وهو ما جاءت على إثره الاستجابة السريعة التي أبداها قادة الانقلاب بهذا الترحيب، والتي تمثلت في الإفراج عن المعتقلين الإسلاميين من سجون الرئيس المخلوع. ومن ثم انطلقت المسيرات تضم الآلاف من أنصار التيار الإسلامي من أمام السجن المركزي بالبلاد ابتهاجاً بإطلاق سراح المعتقلين وعلى رأسهم الداعية الإسلامي المعروف الشيخ "محمد الحسن ولد الددو".

وقالت وكالة "الأخبار" الموريتانية في حينها: إن الشيخ ولد الددو خرج من السجن المركزي وسط تدافع شديد من قبل أنصار التيار الإسلامي الذين توافدوا. وشكر الشيخ الددو في كلمة موجزة ألقاها أمام الحشود، الموريتانيين وتمنى كل التوفيق للمجلس العسكري، كما تمنى أيضاً أن يفي هذا المجلس بالوعود التي قطعها على نفسه من أجل إخراج البلاد من الوضعية التي كانت تعيشها.

وفي تعليقٍ رسمي صدر عن جماعة "الإخوان المسلمون" في مصر على إطلاق سراح المعتقلين من التيار الإسلامي وعلى رأسهم الشيخ الحسن ولد الددو أعرب المهندس محمد خيرت الشاطر -النائب الثاني للمرشد العام للجماعة- عن ترحيبه بقرار الإفراج، وقال الشاطر: "نحن نرحب بأي خطوةٍ في اتجاه تدعيم الحريات".

بعد هذه الرسائل الإيجابية المتبادلة بين الجانبين، صار التساؤل يطرح نفسه: ما الدور الحقيقي للحركة الإسلامية في الانقلاب الذي حدث ضد حكم ولد الطايع؟؟ وهل سيكون للإسلاميين كلمة في حكم البلاد في ظل النظام الجديد؟؟. ، وهل سيتنفس التيار الإسلامي في موريتانيا الصعداء كأي قوة سياسية من حقها الدعوة بحرية إلى ما تتبناه؟؟.

أم أن السر في تلك الإجراءات الجزئية من قبل العسكريين، يكمن وراء رغبتهم في توصيل رسالة من شأنها أن تضفى عليهم شرعية مستمدة من الشعب هم بحاجة إليها.

تشير الدلائل إلى الطابع العلماني المهيمن على الطيف الذي نال عضوية "المجلس العسكري" الحاكم في نواكشوط، حيث يضم مجموعة من الشخصيات ذات التوجهات المعروفة في الأوساط السياسية الموريتانية بأنها ليبرالية أو علمانية التوجه وموالية بشكل تقليدي لفرنسا بجانب شخصيات ذات توجه قبلي. وتعكس تشكيلة المجلس المؤلف من 17 عسكرياً غياب أي تمثيل للتيار الإسلامي أو أي حضور فعال للشخصيات ذات التوجه القومي أو العروبى.

ويعد رئيس المجلس العقيد "إعلي ولد محمد فال" والعقيد "عبد الرحمن ولد بوبكر" نائبه والعقيد "محمد ولد عبد العزيز" القادة الفعليين للانقلاب الذين قاموا بدور أساسي في التخطيط له وتنفيذه.

كما يضم المجلس أعضاء ذوي توجه قبلي ... ورأى مراقبون أن هؤلاء الأعضاء تم إقناعهم من قادة المجلس الفعليين للانضمام إليه لأجل استمالة القبائل الكبرى في البلاد إلى المجلس ولطمأنة الأقليات الزنجية دون أن يكون لهؤلاء الأعضاء دور أساسي في الانقلاب.

مصادر سياسية مطلعة في موريتانيا تعتبر العقيد ولد محمد فال من "رجال فرنسا"، وأحد المتحمسين لنشر اللغة والثقافة الفرنسيين على حساب اللغة العربية التي يجهلها تقريبا. كما أنه ينتمي إلى مدرسة تدعو إلى ارتباط موريتانيا بالثقافة الفرنسية وبالفضاء الفرانكفوني بدلا من المحيط العربي، ومعروف عنه توجهه العلماني الليبرالي.

أما تكوينه الأكاديمي فهو محدود؛ حيث إنه دخل الجيش في الستينيات بعد إكمال تعليمه الثانوي ولم يحصل على أي شهادات أكاديمية. وينتمي ولد محمد فال إلى جيل الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع وكان يشغل منذ وصول الأخير إلى السلطة عام 1984 منصب المدير العام للأمن حتى يوم الانقلاب. وهو من أبناء عرب جنوب البلاد ويتحدر من قبيلة "أولاد بوالسباع".

ويقول بعض من عرفه عن قرب قبل قيادته الانقلاب إن الرجل يرى أن الأمن في موريتانيا لا يتحقق بالوسائل العسكرية، وأن نجاح بلاده في التصدي للموجة العنصرية خلال حرب 1989 لم يتم بسبب قوتها العسكرية، وإنما عبر التفاف قوى أساسية حولها في الداخل والخارج.. عاش "ولد محمد فال" عشرين عاما في الظل، وعرف عنه كرهه مظاهر السلطة ويفضل قضاء أوقات الفراغ مع أسرته وأقاربه مستخدما إلى حد الإفراط إتقانه لروح الدعابة.

أما الرجل الثاني في تلك القيادة فهو العقيد "عبد الرحمن ولد بوبكر"، والذي اشتهر في أوساط الجيش الموريتاني بأنه من "الضباط الشرفاء"، حيث لا تحوم حوله شبهات الفساد أو التورط في اختلاس المال العام عكس بعض زملائه في المجلس الذين ترددت حولهم بعض الشبهات.

كما تميز العقيد ولد بوبكر بأنه لم يكن يوما من المقربين لولد الطايع وظل يمارس عمله كعسكري في الميدان إلى أن كلفه ولد الطايع بعد انقلاب الثامن من يونيو 3 الفاشل بمنصب مساعد قائد القوات المسلحة في مسعى لإصلاح المؤسسة العسكرية واحتواء التذمر داخل الجيش، غير أنه سرعان ما اختلف مع قائد القوات المسلحة العقيد العربي ولد سيدي علي -المعتقل حاليا من طرف الانقلابيين-، ووصلت الخلافات بينهما مؤخرا لحد الشجار العلني في اجتماع للضباط. ويتصف العقيد ولد بوبكر بالتدين دون أن يكون مصنفا من الإسلاميين أو متعاطفا معهم.

أما العقيد محمد ولد عبد العزيز، فهو ضابط شاب وينحدر من نفس قبيلة ولد محمد فال وبرز اسمه إلى الواجهة بعد انقلاب يونيو 3 الفاشل حيث ساهم في إحباط التمرد العسكري؛ وهو ما كافأه عليه ولد الطايع بتعيينه قائدا للحرس الرئاسي وهي القوة التي كانت تتولى أمن الرئيس وحمايته.

ومما يحسب للعقيد ولد عبد العزيز ما صرح به فى مقابلة مع إذاعة "صوت أميركا" الناطقة بالفرنسية، حيث قال تعليقاً على قرار إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين: إن المجلس أطلق سراح الإسلاميين لأنهم "معروفون في الداخل والخارج، باعتدالهم وبمواقفهم الرافضة للعنف، وبعضهم معروفون في بروكسل على المستوى الأوربي، بأنهم أناس معتدلون جدا، وبأنهم لم يتبنوا العنف أبدا"، مضيفا أن "اعتقال أناس معتدلين يعتبر استفزازا للشعب الموريتاني. وإننا نعتقد أن ذلك هو أقرب طريق لدفع الناس المسالمين لليأس فيصبحوا إرهابيين".

ويعتبر بعض المراقبين أن هذا التصريح يعكس الاختلاف الواضح في الطريقة التي يدير بها المجلس العسكري العلاقة مع الإسلاميين، عن الطريقة التي كان النظام السابق يدير بها العلاقة مع الإسلاميين، الذين يعتبرون من أبرز القوى السياسية التي عارضت النظام السابق. يذكر أن العقيد محمد ولد عبد العزيز هو قائد الحرس الرئاسي الذي كان له دور محوري في نجاح الانقلاب.

ولعل الخطوة التي قامت بها الحكومة الموريتانية مؤخراً تعكس شيئا من الرغبة في التعامل بإيجابية مع التيار الإسلامي في البلاد، حيث منحت وزارة الداخلية الترخيص لحزب "الملتقى الديمقراطي" بزعامة الشيخ المختار ولد حرمة بعد أن قدم ملفه للاعتماد رسمياً. وكان النظام السابق يرفض الاعتراف بالحزب، بحجة أنه يضم قيادات في الحركة الإسلامية الموريتانية، بل كانت وزارة الداخلية ترفض حتى استقبال ممثليه وتسلم ملفه، لأنه كان سيترتب عنه تسليم الحركة وصلاً بذلك، وبالتالي السماح لها بممارسة نشاطها لمدة الشهرين التي تستغرقها دراسة الطلب، كما ينص عليه القانون الموريتاني.

وقال رئيس مجلس الحزب الشيخ "المختار": إن النظام السابق كان يخشى الحزب لأن له قاعدة شعبية واسعة في موريتانيا لا تقتصر على الإسلاميين والزنوج، بل تمتد حتى إلى المستقلين. ويضم "الملتقى الديمقراطي" مجموعات سياسية من أبرزها الإسلاميون وبعض المجموعات القومية الزنجية التي كانت تدعم المرشح "محمد خونا ولد هيداله" خلال الانتخابات الرئاسية التي جرت 3 .

واعتبرت مصادر مقربة من الحزب أن الخطوة "إيجابية جداً ودليلا على أن النظام الجديد يسير بالفعل على طريق القطيعة مع النظام السابق"، متمنياً أن تتبع هذه الخطوة خطوات أخرى من أهما إطلاق سراح بقية السجناء في أقرب وقت ممكن. جدير بالذكر أن المكتب التنفيذي يضم شخصيات إسلامية ووطنية من أبرزها:

- الرئيس الدكتور الشيخ ولد حرمه ولد بابانه

- نائب الرئيس الأستاذ محمد جميل ولد منصور

- الأمين العام النائب البرلماني الأستاذ جاورا كنيى

- رئيس المجلس الوطني السفير المختار ولد محمد موسى

- الأمين الوطني للسياسة الأستاذ السالك ولد سيدى محمود

- الأمين الوطني للعلاقات الخارجية السفير كن الله

- الأمين الوطني للإعلام الدكتور عبدوتى ولد عالى

- الأمين الوطني للحريات وحقوق الإنسان الأستاذ كان إسماعيل.

واعتبر قادة الحزب اعتراف السلطات الجديدة بهم بادرة خير وخطوة مشجعة نحو بناء دولة ديمقراطية وفتح المجال أمام مختلف مكونات الشعب الموريتاني للمساهمة في المرحلة القادمة.

وأكد الحزب خلال بيان وزع له على ضرورة الإسراع بإعلان عفو عام عن سجناء الرأي والمنفيين من مدنيين وعسكريين وإطلاق سراح كافة المعتقلين. كما طالب بفتح قنوات التشاور مع الفاعلين السياسيين البارزين لسد الطريق أمام أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد.

إلا أنه، ورغم كل تلك الرسائل الإيجابية، ومما يشير إلى شيء غير قليل من الشكوك التي تختلج في نفوس قادة الحركة الإسلامية الموريتانية بشأن حقيقة نوايا هؤلاء العسكريين من الدور الذي ينبغي أن يقوم به الإسلاميون في نظام الحكم الجديد ..، أن الشيخ "محمد الحسن ولد الددو" سئل عن تقويمه بشأن مجموعة القرارات التي أصدرها المجلس العسكري والإجراءات التي اتخذها، فكان جوابه: إلى الآن البيانات والقرارات التي أصدرها المجلس العسكري، تسير في غالبها في الطريق الصحيح، ويشكل بعضها معقد آمال الشعب الموريتاني، وليست لها معارضة فكل الشعب موافق عليها.

وهي كمبادئ نظرية عامة تحتاج التطبيق، ويبقى التطبيق في المستقبل هو المحك الحقيقي، فإن ساروا على نفس النهج استحقوا التشجيع والتأييد، وكانوا رموزا للإصلاح والإنقاذ مثل ما كان "سوار الذهب" في السودان و"تومانى تورى" في مالي، وإن كانت الأخرى- ونسأل الله ألا تكون- فلن يسلموا من معارضة غيرهم، وسنكون نحن أول المنكرين لمنكرهم مثل ما كنا.

ثم سئل ... ما هي الكلمة التي توجهونها للقادة الجدد؟ فقال: هي الكلمة التي وجهتها لهم يوم أمس في المسيرة (يوم خروجه من المعتقل)؛ وهي نصيحة لهم: أن يفوا بالتزاماتهم، وأن يكونوا صادقين وافين بما عقدوه على أنفسهم، وما أبرموه من عهود أمام الله ثم أمام هذا الشعب المسلم الأبي، فبذلك سيكونون بحق رموزا للإصلاح والتغيير الجدي، انطلاقا من ثوابت هذه البلاد، ومرجعيتها الإسلامية الأصيلة.

وهناك خطوات قام بها المجلس العسكري والحكومة التي شكلها، رأى فيها المراقبون مبعث قلق كبير بشأن حقيقة الرغبة في الإصلاح، حيث تعهد رئيس وزراء موريتانيا الجديد، سيدي محمد ولد بوبكر، بأن تظل بلاده حليفة للولايات المتحدة في ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب. وقال ولد بوبكر رئيس الوزراء المدني المعين من قبل المجلس العسكري في حديث لوكالة رويترز: إن العلاقات مع الولايات المتحدة مهمة للغاية وإن الحكومة الجديدة واثقة من قوة تلك العلاقات. وأضاف أن موريتانيا تجدد بكل وضوح رغبتها في احترام إسهاماتها الدولية بما في ذلك الدور الذي تلعبه في الحرب على الإرهاب.

وقد صرحت واشنطن في أعقاب الانقلاب على ولد الطايع، أنها ستتعامل مع المجلس العسكري إذا أظهر إنه سيفي بوعوده. وقال ولد بو بكر: إن الحكومة الجديدة لن تتدخل في القضايا القانونية الجارية حالياً، لكنه قال: إن إسلاميين آخرين سيطلق سراحهم إذا لم تثبت ضدهم أدلة.

ورداً على سؤال بخصوص إسرائيل قال ولد بوبكر: إن سياسة موريتانيا الخارجية ستكون سياسة تتسم بالاستمرار وأشار إلى أن زعماء الانقلاب التقوا بجميع السفراء الأجانب في نواكشوط بمن فيهم السفير الإسرائيلي.

من جهة أخرى قالت مصادر إسرائيلية: إن مسئولين موريتانيين جدد من بين من قادوا الانقلاب العسكري، زاروا إسرائيل سراً وطلبوا تعزيز العلاقات بين نواكشوط وتل أبيب. وطمئن الوفد الموريتاني المسئولين في إسرائيل بأن العلاقات بين البلدين لن تتأثر بعد إقصاء ولد طايع عن الحكم وإنما سيتم تعزيزها. وقالت صحيفة "المنار" الفلسطينيةإنها علمت أن الحكام الجدد في نواكشوط أوفدوا مبعوثاً بشكل سرى إلى إسرائيل، لطمأنة قادة تل أبيب والتأكيد على حرص الانقلابيين على تعزيز العلاقات بين موريتانيا وإسرائيل..

وذكرت مصادر مطلعة أن الموفد الموريتاني الذي وصل إلى مطار تل أبيب، طلب من المسئولين الإسرائيليين بحكم علاقاتهم الجيدة مع الرئيس المخلوع ولد طايع إقناعه بالصمت والعيش في منفاه أو العودة بعد عام إلى موريتانيا للعيش كمواطن عادي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عبدالله

كما تعودنا دائما

انتهت مهمة ولد الطايع ووطد العلاقات مع اسرائيل و أصبح أمرا واقعا لا تراجع فيه

وكسب غضب الشعب طبعا

ولكن هذه هي لعبة السياسة لابد من تقليل الاحتقان في البلد لإقد أديت واجبك و من غير المصلحة الان أن تبقى حتى لا يزيد الاحتقان و تصبح لدينا ايران أخرى بعد انقلاب مفاجئ

لذلك الرجل الثاني ملفه نظيف و جاهز و غير اسلامي و معد سلفا وليس هو من طبع مع اسرائيل.

اذهب الى التقاعد و عش في قصر و أموال ودع الامر لعميلنا الثاني...
انتهت الاوامر من البيت الابيض