رحل ولد الطايع: وماذا بعد؟

2005-8-15 | محمد سعدن ولد الطالب رحل ولد الطايع: وماذا بعد؟

مر أسبوعان تقريبا على تسلم (المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية) زمام الأمور في موريتانيا بعد الإطاحة بنظام العقيد ولد الطايع في انقلاب أبيض جاء بعدما كادت سفينة الوطن تغرق بالجميع بفعل تراكمات عشرين سنة من التجديف المتهور والعبثي من قبل ولد الطايع وثلة الفاسدين التي كانت تمسك الأمور.

الأسبوعان الماضيان ظهرا وكأنهما يمثلان حقبة طويلة من الزمن بفعل الأحداث المتلاحقة التي حصلت خلالهما فما كاد الموريتانيون يفيقون من نشوة الفرح بما حصل حتى تطلعت أنظارهم إلى الحكام الجدد تفتش عن بصيص أمل فالشعب الموريتاني لا يهمه كثيرا تغير الأشخاص بقدر ما يبحث عن تغيير السياسات، لا يعنيه كثيرا أن يبدل فلان بعلان بقدر ما يهمه أن يشعر أن وطنه عاد إلى سكة الانطلاق من جديد في فضاءات البناء بعد عقدين من الشلل، إن لم نقل التآكل والتراجع إلى الخلف.

المظاهرات التي خرجت في كافة المدن الموريتانية -وإن كانت مظهرا روتينيا تعودنا عليه- إلا أنه ومن خلال قراءتي للملامح كانت تعني فرحا عارما وصادقا بزوال الحكم البائد، كما تعني أيضا استبشارا يخالطه أمل بأن يكون الحكام الجدد قد قاموا بما قاموا به انتصارا لكرامة الشعب وحبا في تخليص موريتانيا من الواقع العفن الذي كانت غارقة في أوحاله وطينه.

ليس من شأننا قراءة النيات ومحاكمتها، وإنما علينا الحكم بالظواهر والملموس من الأقوال والأفعال، وانطلاقا من ذلك فقد جاءت خطوة إطلاق قادة التيار الإسلامي وعلى رئسهم زينة موريتانيا وفخرها العلامة محمد الحسن الددو ليكون مؤشرا إيجابيا على صدق التوجه، وأول سطر في سفر إعادة الحريات ورفع المظالم وهو سفر نرجو أن لا يطوى حتى يرفع الظلم عن كل المظلومين بل وحتى يقتص للشاة الجلحاء من القرناء.

لم ننتظر كثيرا حتى تتالت خطوات أخرى كانت عزفا على وتر حساس بالنسبة للموريتانيين بل وللعالم أجمع، فقد أوجس الكثيرون ريبة أن يكون رواد التغيير قد جاءوا ليبقوا، فكان الإعلان عن أن أيا من أعضاء المجلس العسكري أو الحكومة الانتقالية لن يسابق في مضمار الاستحقاقات الانتخابية المأمولة وأن مهمة المجلس هي الانتقال بالبلاد من مرحلة العسكريتاريا والأحذية الخشنة إلى عهد الديمقراطية والحبر اللاصق وبطاقة الانتخاب.

هذا الإعلان أثلج صدور الموريتانيين، بل وجعل العالم كله يغير من مواقفه ويعيد رسم ملامح توجه تجاه حكام انواكشوط الجدد. ولئن ظهرت بعض الأصوات والأقلام التي شككت في إمكانية ذلك، فإن ثمة بعض التجارب التي أثبتت أن عروس الديمقراطية قد تزف على ظهر دبابة وأن فستان العرس قد يكون أحيانا مزركشا مثل ملابس العسكر، ففي الفضاء العربي ثمة تجربة عبد الرحمن سوار الذهب في السودان وفي المحيط الإفريقي تشكل مالي المجاورة أسطع الأمثلة.

المجلس العسكري قام بتشكيل حكومة غلب عليها طابع التكنوقراطية وحفلت بإشارات إيجابية مثل تعيين ولد بتاح وزيرا لعدل وفي نفس الوقت كان وجود بعض الأسماء مثار تساءل إن لم نقل امتعاضا من قبل الكثيرين مثل ولد سيد أحمد الموقع على اتفاقية السلام مع إسرائيل،ورغم أن المحللين فهموا في الخطوة مغازلة من مجلس ما زال يبحث عن الاعتراف الدولي لأطراف قوية فإن أطراف أخرى استهجنتها وقرئت فيها تنازلا ربما لا حاجة إليه.

ربما يكون البعض واهما إذا اعتقد أننا سنشهد تحولات دراماتيكية في السياسة الخارجية الموريتانية أو تحسنا للوضع الداخلي يحول موريتانيا إلى (الدورادو) جديدة، فطبيعة المجلس العسكري كما أعلن قادته في مقابلات عديدة هي الانتقالية ودوره مرحلي يقتصر على الإشراف المباشر والحيادي على إعادة المنافسة السياسية إلى أطرها الصحيحة عبر خلق فرص متكافئة أمام الجميع. وأظن أن المجلس العسكري إذا نجح في أداء هذه المهمة سيدخل التاريخ من بابه الواسع فشعب موريتانيا بإرثه الشنقيطي وبمثقفيه وخبرائه المنتشرين في مشارق الأرض ومغاربها لا يحتاج إلى وصاية أحد، فعندما يختار حكامه برضاه سيكون هؤلاء الحكام قادرون حينها على قراءة نبض الشعب واتخاذ القرارات المناسبة في الزمان المناسب.

ومع ذلك فإن هناك أمورا تتعلق بتفاصيل الحياة اليومية للمواطن الموريتاني لا تحتمل التأجيل، بل لابد من اتخاذ إجراءات حازمة وسريعة بشأنها ، ولعل أبرزها هو إعادة المصداقية للمؤسسات والإدارات الحكومية وجعلها تتعامل مع المواطن على أساس من (موريتانيته) دون اعتبارات القبيلة والجهة والمحسوبية، كما أن إصلاح بعض الإمبراطوريات الإقطاعية الفاسدة مثل اتحاديات النقل والمخابز والتجارة هي أمور في غاية الاستعجال، فلم تعد في جسد المواطن قطرة دم بعد عشرين سنة من الشفط والرشف والمص.

إن التركة ثقيلة إلى حد الإرهاق والمتطلبات كثيرة وآمال الشعب الموريتاني عريضة بحجم خيباته وانكساراته خلال العقود الماضية، ويجب أن يدرك حكام موريتانيا الجدد أن موريتانيا فوق كل الاعتبارات، وأن مصلحة الشعب ينبغي أن تكون المحرك وراء كل الخطوات وأن وعودهم ستظل عرسا من الشمع فإذا ما طبقوها تحولت إلى واقع جميل.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عبدالمجيد حسن (سودانى)

لا ادرى لماذا غمرنى الفرح وانا اتابع خبر التحول فى موريتانيا ربما لعلاقة ولد الطايع بالعدو الصهيونى او ربما ام ارى الصدق يوما فى وجه الرجل وانا اشاهده على الفضائيات ربما الحكام الجدد لن يبقوا فى السلطةلانهم مع ولد الطايع مله واحدة وادركوا ان البلاد اصبحت جنازة فى ايديهم فكيف يسلمون الجنازه لذويها؟؟هكذا تم اخراج مسرحية الانقلاب المزعوم لكن الشعب المريتانى قادر على خلق دولة موريتانية تغيظ الاعداء و تفرح الاصدقاء و العافية درجات


عبدالمجيد حسن (سودانى)

لا ادرى لماذا غمرنى الفرح وانا اتابع خبر التحول فى موريتانيا ربما لعلاقة ولد الطايع بالعدو الصهيونى او ربما ام ارى الصدق يوما فى وجه الرجل وانا اشاهده على الفضائيات ربما الحكام الجدد لن يبقوا فى السلطةلانهم مع ولد الطايع مله واحدة وادركوا ان البلاد اصبحت جنازة فى ايديهم فكيف يسلمون الجنازه لذويها؟؟هكذا تم اخراج مسرحية الانقلاب المزعوم لكن الشعب المريتانى قادر على خلق دولة موريتانية تغيظ الاعداء و تفرح الاصدقاء و العافية درجات


احمد ولد محمد

نحن السلاميون دعاة حرية و ديمقراطية و يجب أن نستفيد من حسن الترابي الذي ندم على ااخدام القوة إبان ثورة الإنقاذ و عاد الله و الشعب السوداني على أن لايستخدم القوة ثانيا لأنه أدرك أن المرء مقتول بما قتل.
فالقوة ليست اسلوبا حضاريا كي نتبناه وندافع عنه فلقد آن الأوان أنها لاتمت بصلة لبرنامجنا السياسي الذي يجب أن يرتكز إلى التحاكم إلى صناديق الإقتراع و التناوب السلمي على السلطة دون الإحتكام إلى القوة و العنف.
لقد إشمأو قلبي حينما رأيت رموزا من التيار الإسلامي في موريتانيا و هم يباركون الخطوة الإنقلابية الأخيرة و معهم العديد من الأحواب السياسية في هذا البلد وهم -للأسف-يحكمون على أنفسهم بأنفسهم و يبرهنون أن ممارستهم للعبة الديمقراطية لاتبع من قناعات و لاعن مبادئ وقيم و إنما هي وسيلة من ضمن الوسائل المتاحة للوصول إلى الحكم و التي من ضمنها أسلوب النقلاب بالقوة.
قد نكون غير راضين عن بعض ممارسات نظام ولد الطائع و لكنه على علاته و عاهاته وفر مناخا لحرية التعبير و التجمع و ممارسة حق الإنتخاب وأقام ممؤسسات الدولة الحيثة و التي كان بالإمكان دعمها و تطويرها بدل الإنقلاب عليها ز خلق فراغ دستوري و الرجوع بالبلد عقودا إلى الوراء تذكرنا بعهد ظننا أننا طلقناه إلى الأبد دون رجعة، عهد الإقتتال الداخلي و الصراعات بين قيادات الجيش اسفر أوسل البلد إلى حافة الهاوية.
إن اقناع الجيش بالتخلي عن فواؤد الحكم و الرجوع إلى ثكناته يكاد يكون من درب المستحيل فلا بد من خلق المعجزات من أجل اقناع الجيش بتخلي عن مكاسبه والعودة بالبلد إلى الحياة المدنية و التداول السلمي للسلطة.
و أنا أربأ بمجلات كالعصر أن تكون منبرا لهؤلاء المروجون لفكر النقلابات فهي مجلة كل المسلمين المتنورين المدافعين عن حقهم في العيش بسلام و ممارسة عقيدتهم ونشر قيم الإنسانية الفاضلة في ربوع هذا الكون الفسيح.
فنحن كإسلاميين يجب أن لاننظر إلى الجزء الفارغ من الكأس فهناك حكام لهم سلبيات لكن أيضا لهم ايابيات فأذا كان ولد الطائع أقام علاقات مع إسرائيل -و كان ذلك بفعل معارضة غير مسؤولة و متعطشة للوصول للحكم بأي وسيلة إلى حد كبير- فلا يجب أن ننسي جوانب مضيئة في حياة الرجل فهو يعتبر باني موريتانيا الحديثة التي نقلها من التخلف و البداوة و الظلام المدمس إلى حياة المدية و التقدم و النماءفقد ابحت موريتانيا في ظل حكمه من ضمن البلدان الإفرقية التي قطعت اشواطا مهمة على طريق بنا الأرض و الإنسان و يجب أن أن نعرف أو نتذكر أنه قدم خلال حكمه ماعجو عنه كل من سبقه و هو بذلك يكون باني مورتانيا الحديثةو لن يضيره كلام المتحاملين و أصحاب الرؤى القاصرة و ستظل تركره الأجيال القادمة بوصفه أول من وضع موريتانيا على طريق البناء و التقدم.