أنابيب النفط تشعل الصراع في آسيا الوسطى (2-2)

2005-8-7 | عبدالله صالح أنابيب النفط تشعل الصراع في آسيا الوسطى (2-2)

تصاعد الاهتمام الأمريكي بنفط آسيا الوسطى والقوقاز منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث وجدت واشنطن أن هذه المنطقة باحتياطاتها النفطية الكبيرة يمكن أن تقلل من الاعتماد الغربي على نفط الخليج، وقد حاول مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق "زبيجينو بريجنسكي"، والذي عمل خبيراً لدى شركة البترول البريطانية خلال فترة حكم الرئيس كلينتون، أن يحث الحكومة الأمريكية دائماً على تبني مشروع إنشاء خط أنابيب لنقل بترول بحر قزوين إلى البحر المتوسط ومنه إلى أسواق أوربا وأمريكا. وقد سافر برزيزنسكي أكثر من مرة إلى باكو بصفة غير رسمية، لمقابلة الرئيس الأذربيجاني السابق حيدر علييف، والتفاوض معه نيابة عن كلينتون على إنشاء خط أنابيب جديد للنفط، ولكن المشروع لم ير النور آنذاك بسبب تكاليفه الباهظة.

"بريجنسكي" تم تعيينه أيضاً كعضو في مجلس التجارة الأمريكي الأذربيجاني، وهي مؤسسة تعني أساساً بدعم التعاون التجاري بين البلدين وخاصة في مجالات النفط والغاز، ويرأس هذا المجلس في واشنطون "تيم سيجكا" رئيس شركة "إكسون موبيل اكسبلوريشن"، ومن بين أعضاء مجلس التجارة الأمريكي الأذربيجاني بعض رجال السياسة البارزين في الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم هنري كيسنجر، وجيمس بيكر، إلى جانب ديك تشيني، الذي ظل محتفظاً بعضويته في هذا المجلس إلى أن تولي منصب نائب الرئيس الأمريكي فاستقال منه.

وبالتأكيد فإن هذه الشخصيات البارزة لا تضيع دقيقة من وقتها في حضور اجتماعات هذا المجلس، إلا إذا كان هذا الحضور له مردود إستراتيجي هام وخاصة فيما يتعلق بتأمين الإمدادات النفطية للولايات المتحدة من آسيا الوسطى.

المشكلة الرئيسية التي تواجه الولايات المتحدة حالياً هي أن منطقة آسيا الوسطى والقوقاز مشحونة بالاضطرابات الداخلية، فضلاً عن كونها مطمعاً ومحل صراع من جانب العديد من القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين وروسيا، كما أن بعض دول المنطقة ترفض محاولات واشنطن للهيمنة على المنطقة، وهو ما ظهر واضحاً خلال الشهر الماضي، عندما طالبت بعض جمهوريات آسيا الوسطى بانسحاب القوات الأمريكية من أراضيها وتفكيك قواعدها العسكرية، الأمر الذي دفع وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد للقيام بجولة سريعة، من أجل إقناع هذه الجمهوريات بقبول استمرار القواعد الأمريكية على أراضيها لحين انتهاء الحرب في أفغانستان، وإعلانه استعداد الولايات المتحدة لمضاعفة ما تدفعه مقابل تواجدها العسكري في هذه البلدان.

بعض هذه الجمهوريات أعلنت قبولها للعرض الأمريكي ووافقت على استمرار القواعد الأمريكية على أراضيها، وفي مقدمتها قيرغيزستان، في حين قوبل الطلب الأمريكي بالرفض من بعض الدول، ومنها أوزبكستان، التي أبلغت الولايات المتحدة رسمياً أنها ألغت حقها في استخدام قاعدة "كارشي خان أباد" الجوية، التي تعد مركزاً للعمليات الأمريكية في أفغانستان، استناداً إلى الاتفاق المبرم بينهما، والذي يتيح لكل طرف الحق في إنهائه في أي وقت، وأمهلت أوزبكستان الولايات المتحدة 18 يوماً لسحب طائراتها وقواتها وتفكيك منشآتها في القاعدة العسكرية.

على الجانب الآخر، فإن الولايات المتحدة تنظر بقلق إلى التحركات الصينية التي تستهدف زيادة نفوذها وتواجدها في آسيا الوسطي، من خلال إقامة عدة قواعد عسكرية في قيرغيزستان، لمواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في هذه المنطقة، فضلاً عن مشاريع النفط والغاز التي تقوم بتنفيذها بالتعاون مع كازاخستان.

منذ عشر سنوات كانت الصين إحدى الدول المصدرة للنفط، ولكنها اليوم أصبحت أكبر ثاني مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، حيث تتزايد احتياجاتها النفطية بمعدل يربو على 3% سنوياً. وتحاول الصين بكافة السبل تأمين إمداداتها النفطية على المدى الطويل، وبصفة خاصة منذ احتلال الولايات المتحدة للعراق، والذي كان بمثابة رسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على احتياطيات العالم من النفط، والتي لم تعد تكفي لمواجهة الطلب العالمي المتزايد على هذا المصدر الهام والرئيسي للطاقة، بما يعني أن العالم مقبل على صراع شرس بين القوى الكبرى من أجل تأمين إمداداتها النفطية، والسؤال هنا: أي سلاح سيستخدم في هذا الصراع!

خلال الأشهر الأخيرة، قامت بكين بتوقيع العديد من الصفقات النفطية مع كل من إيران وفنزويلا، كما دخلت في منافسة حامية مع شركة "شيفرون" الأمريكية على صفقة لشراء شركة "أنوكال" النفطية الأمريكية، وتعد الصين أيضاً أحد المساهمين الرئيسيين في خط أنابيب باكو – جيهان. كما تسعى من خلال منظمة شنغهاي، والتي تضم كلا من روسيا والصين وكازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، إلى تعميق علاقاتها بجمهوريات آسيا الوسطي وإقامة العديد من المشروعات الاستثمارية معها، وخاصة في مجالات النفط والغاز. هذا فضلاً عن جهودها لتدعيم التعاون مع كل من روسيا والهند في مجال مشروعات الطاقة والاستفادة من موارد روسيا في منطقة سيبيريا، وقد أعلنت الدول الثلاث خلال اجتماعهم في فلاديفوستوك في يونيو الماضي عن إقامة عدد من مشروعات النفط والغاز الطبيعي، كما أعلنت الصين وروسيا عن تسوية النزاع الحدودي القائم بينهما، والذي ظل مصدراً لتوتر العلاقات فيما بينهما لعقود.

نظرة فاحصة على خريطة آسيا الوسطى والقوقاز تكشف لنا ما هو هام وضروري بالنسبة لكل من الصين والولايات المتحدة..الهدف ليس فقط تدعيم النفوذ السياسي والوجود العسكري والإستراتيجي في هذه المنطقة الهامة، وإنما أيضاً وقبل كل ذلك، الدخول في ترتيبات ومشاركات مع دول المنطقة الغنية باحتياطات النفط والغاز، لضمان وصول الإمدادات اللازمة للدولتين اللتين تتصدران قائمة أكبر مستوردي الطاقة في العالم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر