الانقلاب في موريتانيا: الخلفيات والأبعاد

2005-8-6 | الانقلاب في موريتانيا: الخلفيات والأبعاد

لم يكن من المستغرب أن يحدث انقلاب عسكري في موريتانيا على الرئيس معاوية ولد الطايع نظرا لما تميزت به فترته من استبداد وفساد وانتشار الظلم وطغيان المحاباة، لكن أن يقود هذا الانقلاب أحد أساطين النظام الذين يشاركون معوية في استفادة من الفساد والظلم فهو أمر غريب، لكن المتتبع للصراعات الداخلية بين رجال الأعمال الموريتانيين على الامتيازات والريع والمصالح لا يستبعد أن تقوم قبيلة "أبناء أبي السباع" التي ينحدر منها الرئيس الحالي والتي تعد من أكبر وأغنى قبائل الشمال، التي هي عمدة الرئيس السابق بانقلاب عسكري، لأن قبيلة "أبناء أبي السباع" بحكم تاريخها -أشراف أدارسة- وبحكم مكانتها الاجتماعية تنتمي إلى طبقة "العرب أهل الشوكة والبأس"، وفي ظل تنامي العداء لمعاوية ولد الطايع لم يكن مستبعدا أن تنجح إحدى المحاولات الانقلابية السابقة التي قادها ضباط من الشرق الموريتاني من قبائل فقيرة ومهمشة، ولو نجحوا لتضررت قبائل الشمال عموما وخاصة قبيلة معاوية السماسيد وقبيلة اعلي ولد محد فال أبناء أبي السباع، لأنهما القبيلتان الأكثر ثراء في موريتانيا عموما وفي منطقة الشمال على وجه التحديد.

وهذا ما فرضعلى قبيلة أبناء أبي السباع أن تقوم بالانقلاب تأمينا لمصالحها الاقتصادية، ثم إن اكتشاف البترول في موريتانيا أحدث تنافسا حادا بين رجال الأعمال الذين هم أساسا من هاتين القبيلتين، إذ يجمع العارفون بخبايا ما يحدث وراء الكواليس أن رئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين محمد ولد بوعماتو، الذي تحول من شاب فقير إلى واحد من أكبر رجال الأعمال في موريتانيا والذي هو مجرد مدير لأعمال اعلي ولد محمد فال الرئيس الجديد، لا يخفي خشيته من التهميش والمضايقة من رجال أعمال السماسيد.

والمتمعن في البيان رقم واحد وفي أداء الانقلابيين لحد الساعة، يدرك أن القادة الجدد لا يحملون أي جديد حتى إنهم خائفون من مواجهة الشعب الذي مازال متحمسا لزوال نظام معاوية، ولكن المشكلة أكبر مما يتوقع المواطن العادي، فالرئيس الحالي أمي لا يستطيع أن يتهجى كلمة باللغة العربية تهجيا صحيحا، وسيخيب أمل من يتوقع أن يتوجه بخطاب إلى الرأي العام الوطني والدولي يشرح فيه أسباب الانقلاب ودوافع، ويقدم حصيلة شاملة لما ارتكبه معاوية ضد الوطن والمواطن والاقتصاد والدين والتاريخ. لأن الرئيس الجديد لا يعرف إلا العمل في الظلام بعيدا عن الأضواء وعدسات الكاميرا، وهو لا يحمل أي مؤهل علمي ولم يدخل معهدا أو جامعة.

ولا غرو أن يكون البيان رقم واحد خال من أي إشارة إلى الوضع الاقتصادي المتردي أو وعد للشباب بطمأنتهم على مستقبلهم أو للمواطن بأن تكون الدولة في خدمته خلال المرحلة الانتقالية، وحتى إن إطلاق سراح المساجين الذين ذاقوا مرارة استبداد الحكم البائد وتضرروا منه كثيرا يحتاج إلى مساومتهم مثلهم في ذلك مثل المطاردين والمشردين خارج الوطن، لأن النظام الجديد هو استمرار للنظام القديم في التفكير والممارسة، والضباط الجدد هم من الأغنياء المترفين لا يعرفون الشعب ولا يشعرون بمعاناته.

وسوف تمر الأيام القادمة على الموريتانيين كالسنوات ثم يستفيقون على الحقيقة المرة "وهي أن الانقلاب الذي حدث هو مجرد تحويل موظفين"، ولكن عندما تزول الصدمة ويهدأ الحماس سيتحرك معاوية وقبيلته ليحركوا شبكة العلاقات العنكبوتية التي بنوها على امتداد عشرين سنة، وسينجحون في شراء ضمائر ضباط جدد وستنزلق موريتانيا في أتون الفوضى والعنف، لكنه ليس من المستبعد أن يقوم إعلي ولد محمد فال بتسريح كثير من ضباط الجيش وحتى بتصفيتهم الجسدية. كما أنه من غير المستبعد أن تكون موريتانيا مسرحا لصراع فرنسي أمريكي قد يجبر أمريكا على تحريك انقلاب جديد ما دامت مشغولة عن اجتياح موريتانيا بحجة إعادة الشرعية كما فعلت في عدة دول من أمريكا الجنوبية من قبل، وهو أمر قد يكون واردا نظرا لأهمية الاكتشافات النفطية، وقد يصدر من مجلس الأمن قرارا بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على موريتانيا، وهو أمر إن وقع فسيكون أكبر كارثة على البلد.

إن القيادة الجديدة لا تحمل أي مشروع للإصلاح ولا برنامج للتنمية، وتظن أن إزاحة معاوية هدف في حد ذاته، وستظل هذه القيادة مختفية مثل قيادات الحركات السرية تصدر منشورات عبر وسائل الإعلام، وربما يكون هذا أحسن لأن الرئيس الحالي لو تحدث علنا لكان خطابه مصدرا للنكت عبر الصحف والفضائيات العالمية.

والخلاصة أن رجال أعمال قبيلة أبناء أبي السباع قادوا انقلابا ضد رجال أعمال قبيلة السماسيد، وأن الموريتانيين بدأوا يعلنون المساندة لقادة مجهولة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

إدريس السباعي

الأخ سيدي محمد بن راشد بالرغم من دقة معلوماتك عن الأشخاص والوقائع والتي بنيت عليها الموضوع إلا أنني لا أشاطرك نفس التحليل، فأعتقد أن هؤلاء الضباط عازمون على التغيير الإيجابي والخروج بالبلاد من النفق المظلم. أرجو أن تكتب لي على العنوان التالي لتبادل المعلومات لأنني لمست أن لديك معلومات تخصني وربما مراجع:
moulayidriss_sbai@yahoo.fr


سيدي محمد ولد راشد

الأخوة الكرام إن الحق إذا لم يجد من ينطق به استأسد الباطل وإن الرجولة في جوهرها مواقف والتاريخ يحكم والمستقبل يصدق أحكام الحاضر .
أنا لن أطبل لأحد لأنني لا أعرف التطبيل وخلقي يأبى لي ذلك.
أكد للأخ الكريم الذي يقول بأن الأيام ستبدي لي ما كنت به جاهلا أنني ابن منطقة اعلي وعارف به وبتاريخه وتاريخ آبائه وأجداده من عهد إدرييس الصغر إلى أبي اسباع الذي خرج من تلمسان متجها إلى واد سوف وأن القرابة والرحم تصلني بالرجل لكن الحق أحق أن يتبع


ouhannour

الانقلابيون انس غالبامجهولو التصرف إما أنهم
عملاء للغرب وإما متعطشون للوصول إلى الكم
قصد الانتتقام وتلبية بعضالرغبات الفنية .
لقد قام الكثير منهم بانقلاب ماذا جنى الشعب من ورائه إلا المحن إنلم أقل سفك الدم البرئ
والسجن والاضطهاد وأستثني الانقلابي السوداني المعروف :ســـــــــــــــوار الذهب .


أبو الحارث العولقي

ستبدي لك الأيام ماكنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
(أليس الصبح بقريب)فأظن أن الوقت لايزال مبكراَ للحكم على المحاولة الانقلابيةفي موريتانيا , ولعلها خطوة تصحيحية كيف وقد علمنا أنهم قد أطلقوا سراح نابغة المغرب الشيخ ولد الددو المحبوس ظلماَ ؟؟


الأمسمي

أخي إن الذي توقعته قد يكون متوقعا بل قد ذهب غيرك إلى أن معاوية قد يكون نسق مع هؤلاء الذين خرجوا من أحشائه ليستريح ويطير بريشه سالما ولكن كن متفائلا كإخوانك من الموريتانيين الذين يفضلون التفاؤل على الحقائق الجلية ودس رأسك كغيرك وبارك وطبل ولاتكن شاذا متشائما