آخر الأخبار

مضامين تغيير القيادة في العالم العربي -2- تغيير القيادة في العربية السعودية

2005-8-4 | ترجمة: علي حسين باكير مضامين تغيير القيادة في العالم العربي -2- تغيير القيادة في العربية السعودية

إن عملية الوراثة في العربية السعودية تبدو مستقرة. فقد نجح آل سعود الذين حكموا المملكة منذ عبد العزيز (بحيازة السلطة عام 1920) في البقاء في السلطة على الرغم من المرور بمحطات تاريخية عديدة منها الامبريالية الغربية، القومية العربية، التطرف الإسلامي، الاعتداء الخارجي وتهديدات أخرى كثيرة في القرن العشرين. وخلال تلك الفترة، فقد شدوا بقوة قبضتهم على المجتمع السعودي وقاموا بنقل القيادة بطريقة سهلة وسلسة من فرد من عائلة عبد العزيز إلى آخر(6).

وعلى الرغم من ذلك، فإن مجرد التغيير أو حتى التغيير الدراماتيكي يبقى أمرا ممكنا في المملكة العربية السعودية. حيث يترتب على التراخي في المراقبة الرسمية لأعمال الملك وسلطته، والانتقال في السلطة من الملك فهد إلى ولي العهد الأمير عبد الله، والتعاقب الوشيك في الوراثة، نتائج مهمة. بالإضافة إلى ذلك فإن قوة وحكم آل سعود ليس شيئا أكيدا: فقد يبرز منافس يعكس الشعور الشعبي والرأي العام بشكل أفضل منهم، أو قد يظهر منافس نخبوي كالعديد من إسلاميي المملكة.

وعلى العموم، فإن هذا القسم من الدراسة يهدف إلى استكشاف الخطوات المحتملة للتغيير في العربية السعودية، وإلى معرفة البدائل المختلفة والمحتملة للقيادة الحالية ونتائج السياسات المتبعة. فيما يحاول هذا القسم أيضا معرفة ما هو الشيء الذي لن يتغير، وعلى كل ففي المملكة العربية السعودية كما في غيرها من البلدان، فإن السياسة لا بد وأن تكون مطبوعة بالعامل الجغرافي.

* التغيير ضمن آل سعود:

لقد باتت أيام الملك فهد الأخيرة معدودة، ووريثه ولي العهد الأمير عبد الله يندمج شيئا فشيئا في السلطة. فالملك فهد يتخلى يوما بعد يوم عن القيادة لأخيه وذلك منذ مرضه في العام 1996. لكن عبد الله على أية حال في أواخر السبعينيات من العمر، وهو أصغر من فهد بسنتين فقط مما يشير إلى إمكانية أن يأخذ قائد آخر مكانه بعد فترة وجيزة من توليه الحكم(7).

* ثوابت آل سعود:

وبغض النظر عمن سيتولى السلطة من أفراد العائلة المالكة، فإن الملك القادم لا بد أن يكون له بعض الخصائص والأهداف المشتركة مع العائلة بشكل عام. هذا فيما يتفق آل سعود غالبا على معظم القضايا فيما بينهم. وكما علق أحد الأمراء: "نحن لا نناقش أبدا في الاتجاه، نحن نناقش في هدفه وسرعته ونوعه، ألوانه وأشكاله".(8)

يمثل معظم الحكام من آل سعود مصالح العائلة في المقدمة قبل المملكة العربية السعودية، وبالتالي فإن التأكيد على استمرارية حكمهم تصبح أولوية. وكنتيجة لذلك فإن المخاوف الأمنية غالبا ما تعكس الجهود لإضعاف المعارضة الداخلية، كما أنها تعكس المحاولات لتأمين حدود البلاد من الاعتداءات الخارجية(9).

لقد كانت العائلة حساسة جدا خاصة فيما يتعلق بتحديات صدام حسين المتكررة لشرعيتها، وأيضا فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران، والتي بدأت تتحسن منذ العام 1996 بعد أن خففت إيران من حدة لهجتها الخطابية تجاه آل سعود.

وبشكل عام، فإنّ أي زعيم سيحتاج إلى أن يكون تصالحيا وساعيا لتحقيق الإجماع حوله. وعلى الرغم من أن الحكم ملكي، إلا أن لآل سعود العديد من خصائص الأوليغارشيّة: القيادة جماعية وأساسها الإجماع في غالب الأحيان، اتخاذ وتنفيذ القرارات ثابت ومستقر ولكنّه بطيء.(1). ومنذ إمساكهم بالسلطة، فإنّ آل سعود أثبتوا أنهم حذرون وأنهم يعتمدون على ردّات الفعل أكثر منه على صياغة الأحداث.

والعائلة متضاربة في سلوكها تجاه الولايات المتّحدة الأمريكية. فهد، عبد الله وقادة آخرون يدركون أهميّة الروابط الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويقدرون الدور الأمريكي في الدفاع عن المملكة ضدّ العراق. لكنهم يخشون أن يكون الالتزام الأمريكي مؤقتا وعابرا. بالإضافة إلى ذلك، فهم يدركون أن الولايات المتحدة ليست محبوبة في المملكة وقلقين من أنّ الوجود الأمريكي في المملكة قد يعطي الذريعة للمعارضين في الداخل. إن آل سعود يبحثون عن استمرار العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنهم يفضلون أن تكون خلف الكواليس عندما يكون ذلك ممكنا.(11).

إن المقترحات الحالية بتخفيض أو إزالة الوجود الدائم للقوات الأمريكية من المملكة لها أصداء واسعة عند المطالبين بذلك. هذه الازدواجيّة تظهر خاصّة فيما يتعلّق بالتعاون في الحرب على الإرهاب. إن آل سعود يدركون أن القتال ضد الإسلاميين المدعومين من قبل القاعدة يشكل خطرا عليهم، وهو الخطر الأعظم ربما لحكمهم. فالتعاون المفتوح مع الولايات المتّحدة يضيف مصداقيّة إلى تهم الإسلاميين لآل سعود بأنّهم مجرد دمية في يد واشنطن. لقد واجه آل سعود انتقادا من هذا القبيل سنة 2003 خلال الحرب ضدّ العراق, لكنّ العائلة لا تزال تشعر بقلق من أن هذا التعاون المفتوح قد يقوّض من شرعيتها.

* الخلافة بعد فهد:

على الرغم من أنّ آل سعود يشتكون في أهداف كثيرة، إلا أن معرفة أي فرد من أفراد الأسرة الذي سيقود المملكة، يبقى أمرا مهما ومسألة حيوية. عبد الله يختلف عن فهد بنواحي عديدة خاصة فيما يتعلق بالتأثير على سياسات النظام المحلية الداخلية والخارجية. عبد الله أيضا أكثر تدينا وأكثر اهتماما بالحد من النفقات والتقليل من تبذير العائلة المالكة الحاكمة من فهد. عبد الله لديه علاقات قوية مع العديد من الزعماء القبليين المحافظين والتقليديين في المملكة العربية السعودية. وعلى الرغم من أنه ليس معاديا لأمريكا، إلا أنّه انتقد في مرّات عديدة واشنطن بقوّة لدعمها إسرائيل ولقيمها الغربية التي لا يتماشا معها(12).

إذا نجح عبد الله في الاستحواذ على السلطة وقدّر له أن يعيش طويلا للاستفادة منها، فإنه سيستطيع معالجة المشكلة المزعجة المتعلّقة بالإصلاح الاقتصادي، وذلك بشكل أفضل مما فعله فهد أو أي وريث آخر ممكن أن يأتي مكانه. فعبد الله يدرك بأنّ اقتصاد المملكة يحتاج إلى أن يتحرّر، واستقامته ونزاهته تمكّنانه من أن يطلب من الشعب السعودي أن يقدّم التضحيات، التي لو قام بها أحد غيره وطلبها من الشعب لاتّهمومه بالنفاق. وهو أيضا لديه الرغبة في أن يحاول منع أو قطع تدخل العائلة المالكة في الأعمال والصفقات التي تجري.(13). ثانيا، عبد الله أكثر قدرة على التحكّم بانتقادات الإسلاميين للنظام بشكل أفضل من غيره. فالإسلاميون يحترمون استقامته ونزاهته ممّا يجعل النظام تحت حكمه أقل عرضة للانتقادات والاتهامات بالفساد والتبذير والهدر، وهي غالبا ما تشكّل أسلحة جيّدة يستخدمها الإسلاميون في خطاباتهم لانتقاد النظام.(14)

هذا فيما تبدو صورة الخلافة أو الوراثة بعد عبد الله غير واضحة. و لى الرغم من أنّ آل سعود شكّلوا مجلسا عائليا سنة 2 للمساعدة على التأكّد من حل المواضيع الأساسية الشائكة وللحصول على الإجماع في القضايا الأساسية، لكنّ هذا الأمر ما قاد إلى الوضوح فيما يتعلّق بمن سيكون الشخص الذي سيحكم في المستقبل. إن الجهل بطبيعة السياسة السعودية بدأ يقل ولكنه مازال عميقا، خاصّة فيما يتعلّق بديناميكية اتّخاذ القرارات في العائلة الحاكمة. وعلى الرغم من أنّ النظام يبدو مستقرا، إلا أن هذا التصور يقوم على معلومات شحيحة، فحتى أهل البلاد لا يملكون إلا إشارات قليلة وضعيفة عن قضايا القيادة في بلادهم.(15)

وإذا أخذنا يعن الاعتبار ما تمّ توضيحه سابقا، فإنّ أسماء عديدة مرشّحة لتولي القيادة في الملكة إذا ما تمّ طرح موضوع الوراثة أو الخلافة. شقيق فهد، الأمير سلطان وزير الدفاع والطيران يعتبر على نحو كبير من أبرز المرشحين لخلافة عبد الله بعد توليه منصب الملك. فيما يعتبر جميع أخوة الملك فهد أيضا وهم (عبد الرحمن، تركي، نايف، سلمان، وأحمد) من المنافسين أيضا. كما يحظى العديد من أبناء الراحل الملك فيصل (سعود، تركي، وفيصل) باحترام كبير بصفتهم إداريين مقتدرين، وهم يعتبرون من المنافسين الجدّيين بينما أخوة فهد يشيخون في العمر.

العديد من هؤلاء القادة السياسيين، مثل عبد الله، يعتبرون من رجال الإدارة المتمرسين ويشاطرون منظور وتطلعات آل سعود بشكل عام سواء تجاه المنطقة أو تجاه العالم. لكنّهم ليسوا بنفس المهارة والحنكة وهم يختلفون بذلك فيما ببينهم. فأولاد فيصل يعتقد أنّهم يفتقرون إلى اللمسة السياسية الحذقة ما يشير إلى إمكانية أنّ النظام سيكون غير قادر على إدارة الانشقاقات والتعامل مع المعارضة بشكل حسن.(16)أما سلطان، فهو الوريث المتوقع لعبد الله ويوصف من قبل الكثيرين بأنّه من المطالبين المحتملين والدائمين بتولي العرش، وهو شعور سيؤدي إلى تزايد النقمة الشعبية على العائلة المالكة وسينمي إحساس الناس بالعزلة المتنامية لتغييبهم عن القرار.

وفي إطار التساؤل عمّن سيستلم السلطة، وعن ظروف انتقال هذه السلطة، تبرز مشكلتان: الأولى هي أن آل سعود هم أقل تماسكا ووحدة ربّما عمّا كانوا عليه في الماضي، فالغموض حول وجود منافس واضح بعد الأمير عبد الله ربما سيؤدي إلى انشقاقات في العائلة المالكة. ثانيا، من المحتمل أن يظهر قائد فقير ولا يلهث وراء السلطة ولا يطمح للحكم مثل الملك سعود (1953-1964) والملك خالد (1975-1982) على التوالي. هذا وقد شهدت المملكة في السابق مشاكل عديدة ومماثلة تمّ تذليلها عبر القيادة الجماعية التي ضمّت عددا كبيرا من المنافسين مثل الملك فهد الحالي الذي دعم الملك خالد، ولكن يبقى مثل هذا الطرح والحل غير مؤكّد إذا ما ظهرت مثل هذه المشاكل مستقبلا.(17)

بالرغم من أن آل سعود يبدون محصّنين بشكل محكم، فإنّ معرفتنا المحدودة بديناميّة السياسة السعوديّة تتطلّب تقييما لبدائل القيادة المحتملة. الإسلاميون السعوديون يشكّلون المصدر الأكثر تنظيما وشعبية للمعارضة للنظام على الأرجح. وهم يختلفون بشكل دراماتيكي عن آل سعود ولا يتفقون مع الولايات المتحدة على مواضيع مثل الوجود الأمريكي في المملكة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ قائدا يعكس الخيارات الشعبية بشكل أفضل من غيره، قد يظهر. وهذا الاحتمال الأخير، سوف يدشّن عهدا جديدا وحقبة جديدة للعلاقات السعوديّة – الأمريكية، علاقات سيكون التعاون فيها صعبا جدّا.

* الثوابت في المجتمع السعودي:

بالنسبة لمعظم السعوديين فإنّ الاهتمامات الداخلية تبدو ذات أولوية على حساب السياسات الخارجية. ففي الخمسينيات والستينيات كان انشغال النخبة السعودية يدور حول التوجّه المناسب تجاه القوميّة العربية، لكنّ معظم السعوديين اليوم يركزون على مسائل الفساد والازدهار والأخلاق. السياسة الخارجية غالبا ما تأتي بعد هذه الأولويات أو يتم طرحها مع هذه المواضيع المتعلّقة ولكن كل مع ذاته.

هذا ويعارض كثير من السعوديين العلاقات الحميمة مع الولايات المتحدة وينظرون إليها كعدو أكثر منها كصديق. ويقول جورج جوز إن: "العديد من السعوديين مازالوا يعتقدون أن أفضل وقت للمملكة العربية السعودية كان عام 1973 عندما حظرت المملكة النفط عن أمريكا".(18). إن السعوديين يقبلون الكثير من نظريات المؤامرة تجاه النوايا الأمريكية في المنطقة، وحتى الليبراليين المثقفين على الطريقة الغربية لازالوا يعتقدون أن أمريكا تبحث عن حماية آل سعود وليس المملكة العربية السعودية.(19). كما أن معظم السعوديين لا يشاركون نظرة النظام التي تحاول أن توازن بين القلق الأمريكي والقلق العربي تجاه الموضوع الفلسطيني. وقد حصلت تظاهرات قليلة وكانت غير مرخّصة في السعودية ضدّ إسرائيل وذلك دعما لانتفاضة الأقصى.(2). وعلى الرغم أن عددا كبيرا من السعوديين لا يدعم الإرهاب ضدّ الولايات المتّحدة، لكن بعض شرائح المملكة على الأٌقل أيّدت هجمات 11 أيلول، وهي بشكل عام تعتقد أن العنف مبرر ضدّ الأمريكيين خاصّة الجنود الأمريكيين الذين يحاربون في العراق أو في أي مكان آخر في الشرق الأوسط. وعدد آخر من السعوديين تبنى نظرية المؤامرة حول من هو المسئول عن هذه الهجمات، بينما ذهب آخرون إلى القول إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط هي السبب الأساسي والرئيسي وراء الهجمات.

السعوديون بشكل عام لديهم تعاطف قليل مع العراقيين وأقل مع الإيرانيين. وعلى الرغم من ذلك فإنّ معاناة الشعب العراقي تحت العقوبات الأمريكية لاقى صدى واسعا عند الدوائر المعارضة. ويعتبر الكثير من السعوديين لاسيما الإسلاميين معاديين للشيعة بشكل كبير..، وكنتيجة لذلك فالسعوديين لديهم شكوك دائمة تجاه النظام الإيراني، وكذلك حول مستقبل العراق ذي الغالبية الشيعية، وسينظر الإسلاميون السعوديون إلى عراق علماني أو يسيطر عليه الشيعة بقلق كبير. على أية حال، فإن نظاما عراقيا أكثر ديمقراطية ولديه حكومة محاسبة ومسئولة سيظهر أيضا كنموذج محتمل للمملكة مما يزيد الضغط على آل سعود نحو التحرر و الليبرالية.

* الإسلاميون السعوديون:

يعتبر الإسلاميون في السعودية من أكثر الجماعات المعارضة للنظام تنظيما، وإذا ما أصبح آل سعود مشلولين عبر نزاعاتهم أو إذا غرق الاقتصاد السعودي في فترة ركود طويلة، فقد يجد الإسلاميون ثغرة ليزيدوا من تأثيرهم. وقد استطاع الإسلاميون الحصول على وسائل تنظيم لأنفسهم وإيصال رسالتهم وذلك عبر شبكة من المساجد، المدارس، والمؤسسات الدينية التي يتم دعم العديد منها من قبل الدولة. هذا ويرى حوالي 20% من السعوديين أنفسهم محافظين جدا خاصة في المسائل التي تتعلق بالدين، وأكثر منهم يشارك الإسلاميين العديد من أهدافهم.(21).

إن تصرّفات الإسلاميين تجاه آل سعود متناقضة. منهم من ينتقد النظام معتبرا أن الإسلام يتعرّض لحصار وأن آل سعود ساهموا في ذلك أكثر ممّا عالجوا المشكلة. تيار أكبر من الإسلاميين يسوؤهم تبذير العديد من أمراء آل سعود والفساد الذي يعيشون فيه، لدرجة أنّهم يعتبرون ذلك انعكاسا لانحلال أو انحطاط أخلاقية السعودي. وعلى الرغم من ذلك فإن ولي العهد الأمير عبد الله يحظى باحترام لنزاهته وشفافيته.(22).

الأجندة الإسلامية تبتعد شيئا فشيئا عن السياسة السعودية بطرق عديدة. فأجندة الإسلاميين الرئيسية داخلية: مقاومة التغريب والعلمانية، وحفظ نظام العربية السعودية التقليدي. الإسلاميون يعارضون أيضا الفساد والتبذير الاستهلاكي المسرف الذي طبع كثيرا حكم آل سعود.(23). خططهم الاقتصادية تبدو مشوّشة، وهم ينادون بالفضيلة والعدالة ووضع حد للفساد ولكنّهم لا يقدّمون إلا القليل من التفاصيل. على العموم، فللإسلاميين أيضا أجندة خارجية طموحة، فهم ينادون بمساعدة المحتاجين من المسلمين في كل مكان في العالم ومعارضة الأنظمة العربية المعادية للدين كسوريا، وحتى الولايات المتّحدة لدعمها إسرائيل.(24).

تظهر الولايات المتحدة في عيون الكثير من الإسلاميين كخطر مزدوج. فالإسلاميون لا يتّفقون مع العديد من مظاهر السياسة الخارجية الأمريكية والتي يرون أنها عدائية ومعادية للإسلام. هذا وينظر الإسلاميون أيضا إلى أمريكا على أنها خطر اجتماعي: فالوجود الأمريكي للقوات الأمريكية يجلب بنظرهم الاختلاط الغربي و الرذيلة و الفساد الاجتماعي إليهم ممّا يهدّد فضائل المجتمع الذي يتواجدون فيه. ويعتقد كثير منهم أن وجود القوات الأمريكية يشجّع النساء وغيرهم على تحدّي قواعدهم التقليدية.(25). إن الانسحاب الأمريكي من المملكة سوف يقلل من بعض الانتقادات، لكنّ المخاوف المتعلّقة بالثقافة الأمريكية والعداء للإسلام سوف يبقي الشكاوى والانتقادات حول هذا الموضوع حادّة جدا.

* ثوابت جغرافية سياسية:

إن العربية السعوديّة غير محصّنة على الإطلاق ويمكن أن تتعرض لأي هجوم. فهي ينقصها الكثافة السكانية والقوة المقاتلة للدفاع عن نفسها ضد الجيوش الكبرى لجيرانها, ما أنها ستكون عرضة للتهديد وربما بعمل عدواني إذا ما قامت الولايات المتّحدة بسحي قوّاتها من المنطقة. على العموم فإن نظام أي نظام آخر من الممكن له أن يأتي مكان آلا سعود، سيكون عليه الاعتماد على التقنية الغربية لزيادة استخراج النفط وزيادة الإنتاج وعملية خطوط الإمداد والنقل. وحتى لو جاءت قيادة أخرى إلى السلطة فإنها ستواجه مشاكل فيما يتعلّق بالشق الأمني وستضطر حينها إلى النظر خارج المملكة للحصول على المساعدة. لقد أعطى سقوط صدّام حسين مساحة للنظام السعودي لتنفّس الصعداء لعدّة سنوات قادة. لكن تبقى تشكّل كل من إيران والعراق دائما قلقا كبيرا على المدى لبعيد للسعودية نظرا للعدد السكّاني والمنظور التاريخي لقيادة المنطقة.

على العموم فانّ أي نظام يأتي بعد آل سعود سيجد نفسه يواجه نفس المعضلة التي أرّقت آل سعود. تحت قيادة آل سعود, كانت المملكة "بكل بساطة غنيّة جدا و ذات تأثير حتى و لو شكليا، ليتم تجاهلها من قبل الآخرين، و هي ضعيفة جدا و حذرة لتتجاهل الآخرين".(26). فالقيادة البديلة على الأرجح ستشارك في هذه المعادلة من الغنى و الضعف. و لكن هذا النظام الجديد قد لا يشعر أنّه يواجه مشكلّة إلا عندما يواجه خطرا قويا و مفاجئا, عندها سيدرك ذلك.

* مضامين:

من يحكم الرياض؟ سؤال حيوي بالنسبة للولايات المتّحدة الأمريكية. وعلى الرغم من أن البدائل المرتقبة قد تخدم مصالح الولايات المتّحدة، إلا أن التغيير الدراماتيكي في السعوديّة يبقى ممكنا وإن كان ضئيلا. لكن في حال حدوثه، فهذا يعني أن السعودية انتقلت من حليف مخلص إلى عدو محتمل. فالسعوديون عدائيون بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، وعلى الرغم من أنهم قد لا يتحالفون مع إيران أو العراق، إلا أنهم سيختصرون التعاون مع الولايات المتّحدة وسيقطعونه على الصعيد العسكري. الجغرافيا السياسية قد تدفعهم في النهاية للاستعانة بقوة خارجية للتوازن مع العراق, لكن قد يلزم تنفيذ الأمر سنوات عديدة أو قد يستلزم الأمر أزمة سريعة وكبيرة حتى يدرك النظام الجديد مدى ضعفه.

على الصعيد الداخلي، قد تتجه السعودية لتصبح محافظة أكثر وليس أقل، كما أن التحرر السياسي ونمو المجتمع المدني قد يشجّع الإسلاميين، على اعتبار أنهم القوة المعارضة الأكثر تنظيما والتي تتمتع برسالة لها وقعها على الشارع السعودي. هذا وقد يواجه النظام أيضا ضغطا كبيرا لتجنب الإصلاحات الاقتصادية المعقدة منها خصوصا.

وكخلاصة، فحتى لو حافظت المملكة العربية السعودية على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، فإنه من المتوقع أن تواجه صعوبات في العمل بشكل حاسم. إن تعزيز السلطة ودمجها سيتطلّب وقتا، وعمر عبد الله قد يجعل مسألة الوراثة والخلافة الشغل الشاغل لبعض الوقت في ذلك الحين. وكنتيجة، فإنّ أي قائد سيتوجب عليه أن يحصل على إجماع العائلة المالكة، وهي عملية في أحسن الأحول تستغرق وقتا، وفي أسوئها تشله.

وحتى لو لم يكن هناك انتقال صريح من آل سعود إلى فئة أخرى من المجتمع السعودي، فإن القادة المستقبليين قد يكونون أقل رغبّة بأن يضحّوا بشعبيتهم في بلادهم داخليا من أن يحافظوا على علاقاتهم القويّة بالولايات المتّحدة الأمريكية. وعلى الرغم من أن آل سعود يعرفون أهميّة الروابط الأمنية مع واشنطن بشكل عام، فإنّ قائدا قصير النظر أو يواجه ضغوطا داخلية من الممكن أن يقلّص أو يقطع الروابط مع الولايات المتّحدة لصالح وخدمة الإسلاميين.

* دانييل بايمن: بروفسور مساعد في برنامج الدراسات الأمنيّة في مدرسة ادموند والاش للسلك الأجنبي في جامعة جورج تاون. زميل في مركز "سابان" لسياسات الشرق الأوسط في معهد "بروكينجز". وهذه الدراسة له هي جزء من تقرير ضخم أعدّته "راند" لصالح القوات الجوية، كدراسة مستقبلية عن المنطقة وهي بعنوان: "مستقبل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط: النزاع، الاستقرار والتغيير السياسي".


(6)Indeed,in many ways,the problems the Kingdom encountered withsuch inept rulers as Saud bin

Abd al-Aziz demonstrate the vitality of the Al Saud.In whatwas in essence afamily coup,Saud’s

powers were curtailed in the early 196s because of his economic mismanagementand bungled at–tempts to resist Nasser’s threatened pan-Arab revolution;hisbrother,the highly competent Faysal,was given additional power and eventuallymade king.

(7) The Kingdom does not have a British-style succession in which themonarchy passes from father

to son.Succession has passed among the sons of Abd al-Azizbut will soon haveto go to the next gen-eration.


(8)See Susan Sachs,“Saudi Prince Urges Reform,and a Move fromShadow,”New York Times,

4December2.

(9)F.Gregory Gause III,Oil Monarchies:Domestic and SecurityChallenges in the Arab Gulf States

(New York:Council on Foreign Relations,1994),12.

(1)Nadav Safran,Saudi Arabia:The Ceaseless Quest forSecurity(Ithaca,NY:Cornell University

Press 1988. 451-456.

(11)Gause,Oil Monarchies,122;Simon Henderson,AfterKing Fahd:Succession in Saudi Arabia

(Washington,DC:The Washington Institute for Near East Policy,1994),47.

(12) See Sachs,“Saudi Prince”;Henderson,After KingFahd,42.In May 21,Abdullah turned down

an invitation to visit Washington because of U.S.support for Israel in the AlAqsa intifada.Abdullah

also appears more willing than Fahd to cut government spending and open SaudiArabia up economi-cally.To the surprise of many observers,he has pushed forSaudimembership in the World Trade

Organization.He has also tried to push aside military leaders,includingfamily members,known for

their graft.

(13)“Can Crown Prince Abdullah Lead His Desert Kingdom into the21stCentury?”Business Week,

21 May 21,accessed at http://www.businessweek.com:/2/_3/b36918.htm,19 May21;Yous-sef M.Ibrahim,“The Saudi Who Can Speak OurLanguage,”WashingtonPost,24 February 22(elec-tronicversion),accessedathttp://www.library.cornell.edu/colldev/mideast/abdl hsa.htm,22 December24.

(14)M.Ehsan Ahrari,“Political Succession in SaudiArabia:Systemic Stability and Security Implica-tions,”ComparativeStrategy(January–March 1999):25.

(15)Ahrari,“Political Succession,”13.On 1 March 1992,King Fahdspelled out the procedures for

succession.The throne isto remain in the hands of the children of AbdelAziz,the founder of Saudi

Arabia.The king will choose which among them will take the crown.This goesagainst tradition,how-ever,according to which the royal family collectivelydecides who among themis most worthy.In addi-tion,the king’s decree excludedseveral collateral family branches,making it particularly controversial.

Ahrari,“Political Succession,”17;Henderson,After King Fahd,21.

()Henderson,After King Fahd,21–28.

(17)Saud almost drove Saudi Arabia into bankruptcy and led tothe Al Saud’s overthrow.Ahrari,

“Political Succession,”.

(18)Gause,Oil Monarchies,122.

(19)Ibid.,141.

(2)See Sachs,“Saudi Prince.”

(21)Mamoun Fandy,Saudi Arabiaand the Politics ofDissent(New York:St.Martin’s Press,1999),

4,33.

(22)Ibid.,3,36.

(23)Ibid.,56.

(24)See Sachs,“Saudi Prince”;Fandy,Saudi Arabiaandthe Politics of Dissent,59.

(25)Gause,Oil Monarchies,142;Fandy,SaudiArabiaand the Politics of Dissent,49.For example,

the protest of Saudi women drivers during Operation Desert Shield is believedby Islamists to have

been encouraged by the U.S.military presence.

(26)Safran,Saudi Arabia,The Ceaseless Quest,499.



تم غلق التعليقات على هذا الخبر

السيد سيد السيد

الحكم الجبري أو الجبري العضوض

تتعدد أنماط الحكم في ظل الإسلام , فمنذ أن عرف الناس الإسلام فهموا أن الإسلام دين وشريعة فمهما كانت صفة الحكم في تاريخ الإسلام فقد اعتنى ولو صوريا بإقامة الدين وبتنفيذ الشرائع أو بعضها , وليس يخفى بأن الحكم سيكون أقرب إلى الكمال كلما توافرت شروط الحكم الرشيد أو بعضها في تاريخ الإسلام .
ومن أنماط الحكم في الإسلام التي أود الوقوف عندها ما يسمى بالحكم الملكي ( وما في حكمه ) وهو أن يتسلسل الحكم بالتوارث في الأسرة أو القبيلة الواحدة . في هذا المقال أود التفكر في هذا النمط من الحكم من حيث توافر شروط الحكم الرشيد فيه ومن حيث صلاحه للمسلمين دولة وشعبا وأفرادا ومن حيث تأثيره على بعض أصول الإسلام وأخلاقياته .
يعتبر هذا النمط من الحكم طارئ على الإسلام وليس من أصوله فقد كان المسلمون منذ نبيهم عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والتسليم وإلى عهد خلفائه الراشدين ومنهم الحسن بن علي لا يحكمون إلا بالاختيار والتراضي , ثم لما نازع معاوية رضي الله عنه الحسن على الخلافة تصالح معه وبايعه ؛ فتهيأت بعد ذلك بوادر الحكم الجبري خاصة بعد استشهاد الحسن بن علي وتأثر المسلمين بثقافة الملك من الروم والفرس . أصبح الحكم بعد الحسن بن علي ملكا وملكا جبريا وملكا جبريا عضوضا ودكتاتوريا ، وباتفاق العقلاء وأهل الأخبار فإن الإسلام لم يعد بعد الملك كما كان قبله ولم يأت ملكا متأخرا أحسن حالا من سابقه بل تسوء الأمور وينقض الإسلام عروة عروة ؛ إلا أنه وبسبب خصائص الإسلام وليس بسبب شيء آخر فإن الإسلام لا يموت ولا ينحسر ، فإذا كان ذلك أصل وهذا طارئ فإن الأصل مقدم على الطارئ , وبداهة وضرورة فإنه لا يصح للمسلمين الاستمرار في الطارئ حتى وإن أمروا بالتعامل معه في حدود ما ليس فيه معصية لله تعالى بل يجب عليهم كمسلمين السعي لتحقيق الحكم الرشيد الذي يعز الله به المسلمين ويذل الله به الكافرين .
في الحكم المتسلسل في الأسرة الواحدة لا يمكن أن تتوافر شروط الحكم الرشيد مجتمعة في ملك على وجه صحيح ، فإن اختيار الحاكم غير ممكن البتة وفي هذه الحالة لا معنى لرضا المسلمين عن حاكمهم أو لعدم رضاهم وقد تحكم الشريعة وقد لا تحكم ومن أهم مظاهر الشريعة العدل والمساواة والعدل والمساواة يفتقدان بشكل أكيد وأوضح في الحكم الملكي أكثر من فقدانهما في غيره من أنماط الحكم .
لقد فطر الله الناس على جبلات كثيرة كالخوف والتملق وحب المال والجاه ... الخ ومن الطبيعي أن يكون امتحان الله للناس وتمحيصه لهم بقدر انسياقهم لجبلاتهم ومقاومتهم لها وتقويمها , وفي ظرف الحكم الملكي تتعاظم هذه الجبلات ويتعاظم خطرها على مستقيل الحياة لأنه لا سلطان فوق سلطان الحاكم ، فمن كان خوافا قدم التنازلات وأقر التجاوزات وداهن كما يداهن المتملقون وجامعوا الأموال ومحبوا الجاه وصدور المجالس . كما أنه في ظرف الحكم الملكي تنتشر عدة أمراض في العقل المسلم بعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام من ذلك انكفاء الناس عن ملامسة إرادة التغيير , وتفضيلهم للراهن بسوءاته على المستقبل الحر القوي العادل المتقدم ، لأن المستقبل الذي هذه صفته لا يأتي إلا بالتضحيات . من هذا المنطلق فإن حكما يقود المسلم إلى خسران دينه وإلى الامتحان الصعب وقد كان قادرا على الحفاظ على دينه ويقوده كذلك إلى الذلة وإلى السوء والذي أسوأ منه ويقوده كذلك إلى تنازله عن حقه في الحكم والريادة والقيادة فهو حكم لا يجب الرضوخ له ولا الصبر عليه ،لأن قطار سوءاته لن يتوقف بل سيستمر في تقليص الحقوق العامة على حساب الحقوق الخاصة للحاكم ولأسرته وللمنتفعين .
في الحكم الملكي ينتقل الحكم من ملك إلى ملك بطرق شتى ليس للمسلمين ولا للشعب اختيار لطريق واحد فيها ، فبأي عقل يقيد أمر المسلمين بيد أسرة واحدة يوجد أمثالها ملايين الأسر , ما الذي يميز هذه الأسرة عن مثيلاتها , ولماذا يستساغ طلب الحكم من هذه الأسرة ولا يستساغ من غيرها , وإذا كان قد تمكن فرد من الحكم فلماذا يختص أبناؤه بالحكم هل هو تنزيل واختيار إلهي يستحقه هؤلاء الأبناء ولا يستحقه بقية الشعب القادرين على الحكم . إن الملك ظاهرة انحطاط تاريخي قيدت المجتمعات المسلمة وسخرتهم لخدمة الملك وأهل بيته وقادتهم إلى الجبن وإلى التخلف العقلي وإلى التمييز والعنصرية ، وليس هذا هو الإسلام الذي جاء ليرفع الإنسان عن كل ما يقيده أو يذله أو يخزيه ، ومن يتأمل الإسلام يجد أنه يحظ القادرين والطامحين لشيء ما إلى نواله والعمل من أجله قال يوسف عليه السلام لما أحس في نفسه الأهلية ( اجعلني على خزائن الأرض ) ويقول المؤمن التقي القادر ( واجعلني للمتقين إماما ) وتسابق الصحابة القادرين أيهم يكون الخليفة بعد الرسول وتفاوضوا وتحاوروا حتى استقر رأيهم على أفضلهم أبي بكر الصديق ، ثم تأمر عمر وهو لها غير كاره ؛ فكان مكمن توافقهم واجتماعهم , ثم اختار المسلمون من بعده عثمان وهو على الحكم قادر وقدموه على الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب ، ثم قدموا عليا ورشحوه بعد عثمان بن عفان ذي النورين فتولى في المسلمين وليس فيهم من هو أجدر منه عقلا وقرابة ودينا وخرج عليه معاوية رضي الله عنه ونازعه وكان يطلب دم عثمان من قتلته ، وما كان لمعاوية ولا لغيره أن ينقض بيعة رضيها واختارها من قنع المسلمون برضاهم واختاريهم وهم صحابة رسول الله ولم يكن لعلي أن يحارب الباغين عليه لو لم يكن هو الحاكم الشرعي الذي اختاره ورضيه المسلمون وقدموه عليهم .
ونحن في صدد بعثرة المسكوت عنه في الحكم الجبري الملكي فلنا أن نتساءل عن المال العام الذي هو ملك المسلمين وليس ملكا لأحد , ففي هذا النمط من الحكم يكاد يكون السؤال عن الأموال العامة عن حجمها ومصادرها ومخزونها الناقص والفائض كل ذلك يعتبر في الحكم الملكي من قبيل السؤال الطفولي الساذج ، ويكاد يكون الجواب على هذا التساؤل المعتبر والمبرر ( من تدخل فيما لا يعنيه لقي مالا يرضيه ) . ما يتناقله الناس في الأحاديث الخاصة أن القادة في الأسر الحاكمة يخصص لهم من الدخل القومي مقدارا يكون لهم ولعيالهم من دون عامة الناس يتمثل ذلك في بئر نفطي أو في نسب معينة من مبيعات البترول .. الخ وفي الإسلام فإن ما في باطن الأرض يعد ركازا لعامة المسلمين وليس لفئة دون أخرى ، ولكل حر مسلم لا يرضى بالدنية أن يتساءل كيف لهم أكل أموال المسلمين بغير حق كيف يقبل الله منهم ونقبل منهم أن يعيشوا حياة الأغنياء بينما يعيش الشعب في درجة أقل من درجتهم إن لم نقل أنه يعيش حياة الفقراء هل هذا هو الإسلام هل هذا هو الحكم الشرعي الذي أمرنا الله بالسمع والطاعة له .
الحاكم الجبري لا يستطيع أن يوقف ظلم الحكام الجبريين لشعوبهم لا يستطيع التفوه بما يخفف من حدة الحكام الجبريين تجاه الحريات والشورى والتعدد السياسي لأنه بكل بساطة سيتخذ نفس الإجراءات مع شعبه إذا طالبوا بالشورى والحريات والتعدد السياسي ، فأي ظلم كهذا .
الحاكم العضوض يحب سلامة نظامه فقط وليس عليه أن تسقط الأنظمة من حوله واحدا تلو الآخر إذا ضمن له المستعمر أو المحتل أو المعتدي سلامة نظامه وحكمه وقد رأينا كيف سقط النظام العراقي أمام أعينهم دون أن يفعلوا شيئا يدل على نصرتهم للرئيس الجبري العضوض الذي يتفق معهم في كل ما من شأنه قمع الشعوب وتفصيل أحكام الإسلام ؛ رغم معرفتهم بالمثل الذي تعلمناه في المناهج الدراسية أكلت يوم أكل الثور الأبيض وما ذاك إلا لأنها أنظمة غير شرعية وغير ممتزجة بشعوبها ، هذه الأنظمة التي تحكم العالم العربي على وجه الخصوص أنظمة لا ينتظر منها أن تحق حقا ولا أن ترفع ضيما وتنصف مظلوما ولا أن تفك حصارا أو تردع عاديا وإن حاولت أن تفعل شيئا من ذلك فإن الله يسلب منه البركة ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الحكم الجبري يساهم مساهمة كبيرة في تقسيم البلاد العربية والإسلامية وبناء الجدران الفولاذية والخرسانية بين حدودها لكي تتمزق الروابط الدينية والثقافية ولكي يصبح كل بلد مشغول بقوميته وبشعبه وببورصته ولا عليه إذا احترق أو حوصر البلد المسلم الذي إلى جواره لأن هذا ليس شأنا من شؤونه ، نحن لسنا ضد تحديد الحدود التي تسهم في التنظيم والتعاون لكن الشعوب المسلمة لا يمكن أن تقبل ببناء الجدران بين شعوبها ولا يمكن أن تقبل بتخلي المسلمين عن مسؤولياتهم تجاه إخوانهم المؤمنين ؛ وهذا ما لا تعيه الأنظمة الجبرية الدكتاتورية .
العقل السليم والروح الصاعدة القوية لا ترضى بالحكم الملكي الذي يعتبر التهديد الخطير لاستقرار المجتمع ، ذلك أنه تصولح على أن الحاكم الملك يحكم إلى آخر قطرة من روحه حتى ولو أصاب جسده المرض ونهش عقله الكبر حتى ولو كان عييا أو جاهلا أو شرها أو أحمقا أو جبانا أو طاغيا جبروتا . إن المجتمع الذي لا يعي أهمية استقرار الحكم فيه ، يحاول أن يغض بصره على مسائل عظام يرضى لنفسه أن يكون هامشيا تجاه معالجتها ؛ وأمثلة ذلك أن المجتمع ينأى بنفسه ويبقى في حالة المتفرج إذا أختلف اثنان في الأسرة الحاكمة أيهم يكون الملك بعد الملك المريض بل قد ينقسم المجتمع إلى قسمين أو ثلاثة أقسام حسب عدد المنقسمين في الأسرة الحاكمة حول الحكم وهنا يتشظى المجتمع إلى مجتمعات ، كما سيكون هامشيا في أخذ القرار في بقاء الحاكم أو زواله عندما يكون الحاكم عييا أو جاهلا أو أحمقا أو جبانا أو طاغيا جبروتا ، كما سيكون هامشيا وأعزلا في رسم سياسات دولته ووضع الإستراتيجيات والخطوط الخضر والحمر , ولعله يلحظ الحصيف الذي يريد دليلا على أن الشعب المسلم يغيب في تكوين شخصيته ورسم ثقافته في نموذج الحكم الملكي أنه يطير فرحا بأي تغيير يطرأ في القوانين أو في الحريات أو في المشاركة السياسية كلما كان ذلك التغيير إيجابيا وتراه حينها يثني تكرارا ومرارا على الإنسان الحاكم أو الإنسان شقيق الحاكم الذي يتخذ القرارات دون الرجوع للمحكومين أو الذي بصحيح العبارة يتخذ ما يريد في الوقت الذي يريد في المكان الذي يريد على الشعب الذي لا يملك إلا القبول وتبرير كل ما يريد .
إذا كنا سنخاطب ضمير الملك فإننا سنقول له أنت تعلم أن الإسلام الصحيح لا يقبل الملك وأن الملك موضة كسروية وقيصرية وأن الفرس والروم قد استبدلوا هذه الموضة بالديمقراطية ، وأننا ما زلنا في محاربة للإسلام ما دام فينا ملك أو رئيس لا يختاره الشعب ولا يرضاه وأننا سنستمر في الهوان والتخلف ما لم تتحقق الشورى بين المسلمين ، وأن هؤلاء العلماء والمنتفعين الذين من حولك لن يزيدوك إلا خبالا إذا حاولوا إقناعك أن الشورى ليست ملزمة للحاكم العادل .
لا يستطيع الحاكم الجبري أخذ التأييد الصادق الحر من الشعب الذي يحكمه ما لم يمارس عليه أنواعا وصنوفا من التأديب وسلب الحريات وسياسة العصا والجزرة وتخدير العقول والقيادات ؛ لأجله فإن الحاكم الجبري إنما يستمد تأييده وتأييد حكم أسرته من الخارج سواء كان شرقيا أو غربيا وليس يهمه أو يعنيه إذا رضي شعبه أو لم يرضى ، وهذا من فساد الحكم ومن أدلة بعده عن جوهر الإسلام وتعاليمه ؛ لذلك فإن الحكومات الغربية والشرقية تناقض مثلها وقيمها في سبيل تأييد الحكام الملكيين الجبريين والعضوضيين إذا كان ذلك يحقق لها الهيمنة على الشعوب المسلمة والعربية ويجني لها الأموال والاتفاقيات المزجية ويقود إلى تخلف المسلمين عن ركب الحضارات وسباق القوة وهذا بلا شك يعد من أهم مطالب الأعداء فالمسلم الحر القوي المبادر يعتبر تهديدا حقيقيا لكل العواصم الغربية والشرقية التي تأيد الظلم والقهر والدكتاتورية بغية مسك الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بيدها الفاجرة .
لقد كانت شعوب الأرض ترضخ للاستبداد وللجبر وللملك وقد واجهت من الاستبداد والقمع والقتل ما لا يوصف ولم تذق هذه الشعوب طعم الحرية وطعم الإمساك بقرار تعيين الحاكم وعزله إلا بالمررات والتضحيات ؛ مُورس عليها الجلد والسجن والتعذيب فصبرت ، قُتل منها الآلاف فقدمت الألوف المؤلفة ، طُلب منها أن تصمت بالقوة فتحدت الجلادين ، أُمرت بالقعود فخرجت تملأ الشوارع ضجيجا ، حُمل عليها بالسلاح وبالبنادق فقابلت البنادق بالصدور العارية وبالأيادي وقد سلب منها السلاح . تلك أمم أرادت أن يكون القرار بيدها فضحت بالغالي والنفيس . لقد علم الحاكم الجبري في قرارة نفسه أن شعوبنا تريد حريتها وأنها تتوق لليوم الذي تملك فيه قرارها ولقد علم يقينا أن تحقيق ذلك من صميم الإسلام فهل سيرضى أن يكون ثمن تحقيق رغبات الشعوب المسلمة هو مرارات السجون والتعذيب والقتل وانتزاع الحقوق والخروج للشوارع ومجابهة الجند والتصدي للتركيع ، وهل سيرضى أن يكون في دور فرعون وتكون الشعوب المسلمة في دور موسى وهارون .
ليت بعض الذين يتسمون بالعلماء يخرسون ليت المنتفعين بقمع الشعوب يهلكون ؛ فبوجودهم لو أراد الحاكم الجبري أن يعود لشعبه وأن يقبل بالتعددية وبالشورى لحرفوا له النصوص الشرعية ولتباكوا بين يديه يندبون له عدله وإخلاصه . ليتهم ينأون لأنهم ليسوا علماء وليسوا مخلصين إذ لو لم يكونوا بجانب الحاكم الجبري لفكر مليون مرة في أمره ولعلم ولو بعد حين بأن العلماء والمخلصين لم يعضدوه لأنه على الباطل فيتدبر ويتفكر ولعله يرجع للحق . ليعلم علماء السلاطين أنهم حين يبررون للسلطان كل ما يريد فإنهم آثمون آثمون وأنهم يتحملون عذابات المقموعين وانحطاط المجتمع المسلم الذي يزيده الحكم الملكي انحطاطا . ليس الإسلام حكما جبريا لكي يبرروه وليس الإسلام قمعيا لكي يبرروا سلب الحقوق وانتهاك الحريات . إن الإسلام هو الحكم الرشيد المبني على خيار الشعب ورضاه هو دين احترام الحقوق وتشجيع الحريات ؛ فلا يأتين متحذلق فيتزلف ويداهن ويرائي ثم يريد منا أن نقول له يا عالم الشريعة ويا فقيه الملة .
حين كان المسلمون يختارون حاكمهم كانت هناك خلافة راشدة وحين قنع المسلمون ورضخوا لحكم يزيد وللظلم وللدكتاتورية وللفسق الذي جاء به ، صار أمرهم إلى قاهر يفرض سيطرته عليهم أو وريث ينتظر مبايعتهم وانصياعهم .
رجائي ورجاء المسلمين الأحرار ورجاء المسلمين المستضعفين أن نصير إلى الشورى الحقيقية المستمدة من صوت الشعب المسلم أن نعود إلى الإسلام الصحيح الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، لا الإسلام الذي يكون فيه المسلمون كسرويين وقيصريين .
كاتب من الإخوان المسلمين .


عبد الرحمن بن صديق

إن أمريكا يهمها بالدرجة الأولى من يحكم مكة لا الرياض. صحيح أن النفط عصي الحياة في الغرب ولكن الأهم عند الصهيوإنجيليين هو من يحمي مكة والمدينة. إنهم ينتظرون نزول المسيح الدجال ليقيم لهم مملكتهم الأبدية وهم يعلمون أن الملائكة تحرس هاتين المدينتين لذا سيجتهدون جهدهم ويمكرون كل مكرهم لتغيير النبوءة. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفق آل سعود الذين ما كانوا ليعرفوا لولا قيام جدهم الأكبر بدعوة التوحيد الأصولية أن يصبحوا حماة للحرمين فيصبح الملك حاميا للحرمين لا خادما لهما فقط. اللهم جنبنا الفتن واجعل الدائرة تدور على من يريد بدينك وعبادك شرا.