ملفات 'ساخنة' تنتظر سفر!

2005-8-2 | خالد حسن ملفات 'ساخنة' تنتظر سفر!

من فضله الله على هذه الأمة ورحمته بها أن يسر لفضيلة الشيخ الدكتور سفر الحوالي التعافي التدريجي، خاصة وأن قضاياها المعقدة وأحداثها المتلاحقة لا يواجهها بالتحليل والنظر والترشيد والتوعية إلا من فتح الله عليه بالبصيرة والرسوخ في العلم. وقد غادر بعد عصر أول أمس الأحد الموافق 25 / 6 / 1426 هـ المستشفى وصحته في حاله جيدة، وفي تحسن مستمر.

ومع بروز حالة من التوحد في الموقف الثقافي والفكري، وظهر هذا بوضوح أكبر في أعقاب هجمات أيلول، ضعف التأثير الغربي في عموم الأمة. وفي مقابل الانشغال غير المسبوق بالعالم الإسلامي من قبل الغرب، هناك عودة للذات قوية ووعي متنامي بما نحوزه من قيم وقوة الحجة وإصرار على التحدي ورفض الخضوع لمنطق الهيمنة والسيطرة الأمريكي.

والشيخ سفر من أكثر المبشرين بالعودة القوية لأمتنا، وبأفول الفكر الغربي واحتضاره، وأنه ما عاد عنده ما يسوقه لعالمنا الإسلامي إلا بقايا الفساد الخلقي من عري وتحرر، بعدما أوصلت بضاعته المزجاة "العلمانية" و"القومية" الأمة إلى انسدا أفق. وسفر حر الإرادة والرأي، يفكر بمنطق الأمة المنصورة المباركة.

وغيبه المرض فترة من الزمن، وعاد والحمد لله إلى بيته يتماثل الشفاء، وفي انتظاره ملفات "ساخنة" قد لا يقوى حاليا على البت فيها لاعتلال صحته، لكنها ستفرض نفسها على تفكيره وستكون حاضرة في مجالسه وتواصله عند استئنافه لحياته الطبيعية.

ولعلنا نذكر أهم ملفين يشغلان الأمة في اللحظة التاريخية الراهنة: المشروع الجهادي في العراق، بشموله واتساعه وحالات التشويه والانحراف التي ارتبطت ببعض المجموعات الجهادية في العراقية، ومستقبل الأوضاع السياسية في البلاد العربية في ظل الحديث عن الإصلاح، خاصة وأن خروجه من المستشفى تزامن مع موت الملك فهد، وترقب الشارع السعودي لبعض التعديلات والتغييرات، بغض النظر عن طبيعتها حتى وإن كانت أقرب إلى اللمسات الخفيفة، التي ترتبط دائما بانتقال الحكم من قائد إلى آخر، وإن كان من نفس العائلة المالكة.

وما يواجهه الشيخ سفر في وضع كالسعودية يواجهه أكثر مصلحي البلاد العربية والإسلامية، أن السياسات المصيرية والتوجهات الكبرى للبلد، ترتكز على طموحات وأهواء القيادات الفردية أكثر من استنادها على الرأي العام الشعبي والوعي العام المشترك، إذ إن القيادات العربية غير مقيدة بالوعي الجماهيري إلا في حالات نادرة وقاهرة، مع الإقرار بأن قضية السلطة من أكثر القضايا التي يختلف عليها الناس أو يوالون.

لكن هذا مرتبط أكثر بالبيئة المحلية والظروف المحيطة، وقدرة الشيخ وإخوانه على صياغة مشروع إصلاحي في حدود الإمكان والتحرك على أكثر من مستوى لمحاولة رفع سقف الحريات المشروعة، وهو ما أولاه عناية بعد خروجه من السجن، لكنه لم يحقق ذاك التجاوب المأمول من بعض دوائر الحكم، ولكن التحدي الأبرز حاليا في ظل حكم الملك الجديد، الذي لا يتوقع منه الكثير في مجال الإصلاحات الجادة والفعلية، هو صناعة رأي عام ضاغط وإنضاج الوعي العام للمشاركة في التأثير على توجهات البلد المستقبلية بما يخدم قوة الأمة وكرامتها. ويبقى العراق الملف الأكثر استقطابا وجاذبية، خاصة في ظل بروز المشروع الجهادي العراقي رقما مهما في صناعة مستقبل العراق، ومحاولة اختزاله في مجموعة بعينها أو ما يتعرض من بعض المكونات الداخلية من ضربات موجعة، تشويها وتحريفا.

وتتطلب المواجهة الجريئة والصريحة والمشفقة لمثل هذه الأوضاع عقلية أصولية مقاصدية راسخة وسعة اطلاع معرفي وإلمام بالظروف والملابسات والمخططات وما يحاك، حيث إن الغالب على التأصيلات الجهادية الصادرة من بعض "المراجع" العلمية لأهل الثغور، التطبيق الآلي للحكم التجريدي دون اعتبار للعوارض المستجدة والظروف المهيمنة، وفي هذا مخالفة صريحة للشريعة نفسها لما تقرر من الترابط العضوي بين أحكامها الجزئية وغاياتها العامة، ولن يتحقق هذا الترابط بمجرد التنفيذ الآلي للأحكام والتكاليف، وليعذرني بعض إخواننا من طلبة العلم من أهل الثغور في العراق، فإن سياسة التشريع في الجهاد وفي غيره لا ينهض بتوصيفها وتحقيقها إلا المجتهدون الذين يولون أهمية ورعاية للخصوصيات والملابسات المؤثرة في نوعية التطبيق الذي يتغيى تحقيق العدل المراد من تشريع كل حكم على الخصوص. لماذا القول بهذا؟ لأن الاجتهاد الذي يهمل ملاحظة المقاصد والغايات، ولا يعتبر مآلات التصرفات باعتباره قاعدة من قواعد سياسات التشريع الإجرائية والوقائية وحتى العلاجية، هو في الحقيقة جهد غير مكتمل، وقد يقع صاحبه في مناقضة مقاصد الشرع.

ونستند في هذا إلى أدلة الكتاب والسنة التي توجب اليقين بأن أحكام الشرع منوطة بحكم وعلل مآلها إصلاح الأمم والأفراد، وفي هذا الصدد يقول الشاطبي عليه رحمة الله: "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مر أنها موضوعة لصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري ذلك على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما فصد الشارع"، وفي هذا بيان بأن الأحكام ما هي إلا وسائل شرعت لمقاصد أعظم.

ولا نعني بالمقاصد هنا ما يتستر به البعض للتحرر من النصوص أبدا، ولا بالمرونة، التي تعد مصدر قوة للعالم، التسيب والتحلل، إطلاقا، وإنما الأمر على وفق المعادلة التالية:

"إذا سلمنا أن ظروف الناس والملابسات العارضة لهم في صيرورة مطردة وتجدد، لا حد لديمومتها واضطرادها"، كما يقول بعض الأصوليين، "لزم من هذا أن نسلم بضرورة تجدد الاجتهاد في تلك القضايا مادام الاجتهاد الأول متعلقا بأحوال ومناطات زالت بزوال أعراضها، وإلا وقعنا في التناقض واتهام الشرع بالتعسف والظلم، ونكون قد أفرغنا الأحكام من محتواها، وألبسناها مسوح الظرفية التي تقتضي اعتباره تشريعا مؤقتا جاء لإصلاح فئة بعينها تقطن بيئة معينة في زمن معين، لا تشريعا خالدا".

وهذه المعادلة تتماشى وسياسة التشريع القائمة على أساس "الموازنة والتنسيق بين المآلات المتعارضة والتوفيق بين مقتضى النص ومتعلقاته الواقعية".

ثم إن النظر المقاصدي واعتبار المآل ونتائج التصرفات والأفعال، لا تقتصر على ما هو متحقق وواقع فقط، بل يمتد نظرها إلى ملاحظة ما يتوقع حصوله، وهنا تبرز أهمية المسلك الوقائي والاجتهاد التطبيقي أو المآلي.

وأحسب أن الشيخ سفر من أبرز من انشغل بهذه الحقائق الشرعية منذ هجمات أيلول واسترعته أبعادها ومقاصدها، وظهر هذا بوضوح في بياناته ورسائله التي أعقبت هذه الأحداث. ثم الشيخ معروف عنه اهتمامه بالساحات القتالية وبالمشروع الجهادي وبالمقاومة بأنواعها، ولعل محاولة إبراز جوانب مهمة وخفية من أشكال المقاومة السلمية ورد الاعتبار وإحياء هذا النوع من المقاومة، من خلال تأسيس الحملة العالمية لمقاومة العدوان، يعد إضافة نوعية وجديدة للثراء والتنوع الذي تتميز به العقلية الاجتهادية الإسلامية، ويعكس قدرة الشيخ على صياغة موقف معاصر بعقلية مقاصدية وخلفية شرعية راسخة. وهو ما نرجوه منه في مواجهة محاولات "اختطاف" المشروع الجهادي العراق، أو "تقزيمه"، أو "اختزاله"، أو "تحريفه" عن غاياته ومقاصده بما يناقض سياسة التشريع الإسلامي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

ماجد عبدالعزيز

لعل هذا من أجمل المقالات ولقد كنت من قراء العصر ثم انقطعت عن قراءتها واعود لأقرأ هذا المقال الجيد. واتفق مع كاتبه اننا امام ملفات ساخنة ننتظر فئة معينة من العلماء أمثال الشيخ سفر والشيخ سلمان والشيخ ناصر العمر والشيخ عائض وغيرهم مما لا نعرف من العلماء الذين لهم اطلاع قوي بالواقع وعلم شرعي قوي لإننا فعلا في فتنة والتباس من حيث القضايا المصيرية وأهمها الجهاد في العراق نسأل الله ان يشفي الشيخ سفرا شفاءاً تاماً وأن يبارك له في علمه وعمله


عبد الرحمن العماري

وأقول أن العلماء هم من أولي الأمر الذين أمرنا الله بالرجوع إليهم في قوله تعالى ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) وأمرنا بطاعتهم ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وهذا أمر لعموم المسلمين ولخصوصهم ولجميع فئاتهم وخاصةً في هذا الزمن الشديد الظلمة والتشابك وخاصةً للفئات التي تضطلع بدور مهم لحاضر الأمة ومستقبلها .