مضامين تغيير القيادة في العالم العربي: (العربية السعودية، سوريا، مصر) -1-

2005-8-1 | ترجمة: علي حسين باكير مضامين تغيير القيادة في العالم العربي: (العربية السعودية، سوريا، مصر) -1-

المصدر: فصلية العلوم السياسية، الصادرة عن أكاديمية العلوم السياسية، نيويورك، المجلد 12، رقم 1، ربيع عام 2005 .

تعتمد السياسة في الشرق الأوسط على طموحات وأهواء القيادات الفردية أكثر منها في أي مكان آخر في العالم. فالقيادات الشرق أوسطية غالبا ما تكون غير مقيّدة بالمؤسسات السياسية أو بالرأي الشعبي: فطموحاتهم وخياراتهم كما أخطائهم ونقاط ضعفهم من الممكن أن تشكل الفرق بين الحرب والسلام، الثورة والثبات. إن تغيير القيادة في الشرق الأوسط هو أمر نادر وغير روتيني على الإطلاق لدرجة أنه غالبا ما يبدو لك أنّ المنطقة مجمدة زمنيا خاصة فيما يخص بعض القيادات مثل "معمر القذافي في ليبيا، ياسر عرفات في السلطة الفلسطينية (قبل وفاته) حسني مبارك في مصر" التي تحكم منذ عقود.(1)

وعلى الرغم من أن العديد من القيادات العربية قد جاءت إلى السلطة في السبعينيات أو الثمانينيات، فإن السنوات القليلة الماضية قد شهدت تغييرات مذهلة. ففي عام 1997 فاز الرئيس محمد خاتمي في الانتخابات الإيرانية من أجل إصلاح النظام الثوري. وفي عام 1999 جاء قادة جدد إلى السلطة في كل من الجزائر، البحرين، الأردن، المغرب. وفي العام 2002 ، وفي واحدة من أكثر الدول محافظة على السلطة وقياداتها ذهبت سوريا حافظ الأسد وجاء بشار، وفي عام 2004 رحل ياسر عرفات بعد ثلاث عقود أمضاها على قمة السياسة الفلسطينية.

* رؤساء بعض الدول الشرق أوسطية:

على العموم، تحاول هذه الدراسة أن تبني أولا فكرة عامّة حول موضوع تغيير النظام، ثمّ تقوم بتقييم نتائج إمكانية تغيير النظام في كل من المملكة العربية السعودية، سوريا، ومصر.(2)وقد تمّ اختيار هذه الدول بالذات لأهميتها في المنطقة وبالنسبة للولايات المتحدة. فبالنسبة لسوريا، فهي تمثل نظاما عدائيا لمصالح الولايات المتحدة في منطقة رئيسية من الشرق الأوسط، لكن مصر والسعودية من جهة أخرى ربما هما أكثر الشركاء أهمية لواشنطن في المنطقة.(3)

هذا وتحاول هذه الدراسة أن تميز، كل حالة على حدا، ماهي السياسات التي تنشأ عن مخاوف جيوبوليتيكية وبالتالي تكون على الأرجح مشتركة بين معظم الأنظمة، وماهي السياسات التي تقود إلى أنواع معيّنة من الأنظمة ( مثال إسلامي مقابل عسكري). وبالإضافة إلى ذلك، تحاول هذه الدراسة ملاحظة نقاط القوة والضعف لدى القادة الحاليين وورثتهم المحتملين لنستنتج كيف يمكن أن يؤثر تغيير الفرد الذي يوجه دفة القيادة في بلاده على السياسات الحكومية، وإمكان تقويم القوّة النسبية لعدد من القادة البدلاء المختلفين المرشحين لخلافة القادة الحاليين.

هذا ويمكن ملاحظة أن الأنظمة الجديدة غالبا ما تكون أكثر حذرا، بينما يحاول قادتها أن يعزّزوا من سلطتهم. وعلى الرغم من ذلك، فإن القادة الجدد قد يكونوا ربما مترددين بشكل خاص ويغامرون بفقدان شعبيتهم عبر التعاون مع الولايات المتحدة كخطوة أولى. على العموم، فإن الخطوات الخاطئة لا يمكن اجتنابها، فقد يبالغ القادة الجدد أيضا في تقدير قوة قواتهم العسكرية، أو يثقون بشكل مفرط في الدعم الدولي بحيث يقومون بتخويف خصومهم، أو قد يفتقدون على العكس نفاذ البصيرة والقدرة على الفهم مما قد يؤدي إلى مشكلة. وبطبيعة الحل فإن التغييرات المحتملة ليست كلها سيئة. في السعودية، قد يستطيع ولي العهد الأمير عبد الله أن يكبح الرأي العام المعادي للنظام وأن يحدث إصلاحات صعبة.

من ناحية أخرى قد يكون مغريا للولايات المتحدة أن تحاول التدخل بالشؤون الداخلية في عملية تغيير النظام والتهديد بالقوّة.

فالولايات المتحدة تملك بعض الأدوات الفعالة لتدخل محدود، ومع ذلك وكما يقال فإن "فتح الضغط غالبا ما يرتد عليك"، بمعنى أن هذا التدخل قد يأتي بنتائج عكسية. وللحد من احتمال تغيير غير متوقع، يجب على الولايات المتحدة أن تأخذ بعين الاعتبار إجراء اتصالات متزايدة مع القادة والفئات الموجودة خارج السلطة، والتي تتمتع بدعم مقبول ومعقول. كما يجب على الولايات المتّحدة أيضا أن تركز أكثر على الرأي العام الشعبي في هذه الدول، آخذين بعين الاعتبار أن دولا عديدة غير حصينة ومعرّضة لتغييرات مفاجئة -ومعظم هذه الدول في مرحلة معيّنة مترددة في إعطاء المساحة للرأي العام الداخلي- يعدَ الحصول فيها على خيارات عديدة في مثل هذه الحالات أمرا ضروريا.(4)

* مؤشرات تغيير النظام:

إن مسألة تغيير أي نظام والنتائج المترتبة على ذلك هي مسألة صعبة الرصد من الخارج. فالمعرفة الغربية للنخبة السياسية في الشرق الأوسط غالبا ما تكون محدودة. وبالفعل فحتى المحللين الذين يتمتعون بقدر جيد من المعلومات غالبا ما يتفاجئون إزاء ما يحصل: فالقليل على سبيل المثال توقعوا أن يقوم الملك حسين في الأردن بنقل ولاية العهد، التي قضى أخوه الحسن فيها وقتا طويلا، إلى ابنه عبد الله وذلك في الأسابيع الأخيرة قبل موته. وفي بعض الأحيان تكون المفاجأة دراماتيكية أكثر من ذلك بكثير، ففي عام 1979 شهدت إيران ثورة أوقعت جميع المراقبين في مفاجأة كبرى. في دول أخرى كانت العديد من الانقلابات والاضطرابات تحصل بشكل متكرر، بينما لم يكن يتوقعها إلا القليلون.

القادة يختلفون بشكل مذهل حتى ولو كانت الأنظمة الاجتماعية لدولهم والبيئة الإستراتيجية تتسم بالثبات. فالقادة قادرون على تغيير سياسة بلادهم الخارجية وتوجهاتها بشكل دراماتيكي، أو الذهاب إلى الحرب على الرغم من الظروف العسكرية غير المناسبة، أو تصميم مؤسسات متخصصة جديدة أو إضعاف أخرى قديمة أو حتى تشكيل بنائهم السياسي أو حتى ظروفهم الدولية الخاصّة بهم(5) . الرئيس المصري أنور السادات على سبيل المثال، قاد مصر خارج المعسكر السوفيتي ملتحقا بالمعسكر الأمريكي وشنّ هجوما ناجحا ومفاجئا على إسرائيل، فاوض على اتّفاق سلام معها وحرّر الاقتصاد المصري وعير أيضا السياسة المحلية الإقليمية والدولية لمصر.

إن مسألة تغيير النظام بطريقة سريعة ودراماتيكية، هو أمر ممكن في الشرق الأوسط، حيث ظهر الديماغوجيون والمنظرون هناك بسرعة مذهلة. ففي فترة الخمسينات والستينات، شهدت كل من مصر، العراق، ليبيا، سوريا واليمن انقلابات عسكرية. وفي عام 1979 أطاحت ثورة شعبية في إيران بالنظام. إن محاولة الجزائر للانفتاح السياسي في بداية التسعينات قاد إلى انقلاب عسكري كأمر واقع وإلى حرب أهلية. وحتى الدول الديمقراطية مثل تركيا وإسرائيل كانت قد غيّرت سياساتها بشكل دراماتيكي عندما صعد قادة جدد إلى سدّة القرار السياسي.

إن التأثير الشعبي الكبير على عملية صنع القرار هو أمر ممكن أيضا بل مستحب. فالليبرالية والديمقراطية تتقدّم بثبات في المنطقة، بينما تجعل ثورة المعلومات المواطنين على اطلاع بجميع الأحداث، وبالتالي تتيح لهم التفاعل معها بسرعة. لا يعني ذلك أن هذه الوسائل تحدث تحولا كاملا في السياسة العربية، لكنها تطرح الرأي العام الشعبي كقوة متنامية يجب على صناع القرار الأمريكيين أخذها بعين الاعتبار. ولكي أكون واضحا، فإن الرأي العام الشعبي لن يمارس تأثيرا مباشرا ولكنه قد يحد مما يفعله القادة خاصة إذا كانوا ضعفاء سياسيا.

* اتجاهات تغيير النظام:

إن عمليّة التغيير في أي نظام من الممكن لها أن تسلك أو تتبع ثلاث ممرات أو اتجاهات على الأقل:

الاتجاه الأول، وهو الأكثر وضوحا ويتضمن انتقال السلطة من قائد إلى آخر من نفس الكادر أو من نفس الطبقة أو من نفس القاعدة الموجودة في السلطة، وهذا بطبيعة الحال يتضمن أيضا عملية الانتقال من الأب إلى الابن مثلا في البحرين، قطر، المغرب، الأردن وسوريا في العقد الأخير. أو قد يتضمن الانتقال من فرد إلى فرد آخر من العائلة كما حصل في السعودية (على سبيل المثال حين جاء الملك فهد خلفا لأخيه، وكما سيكون الأمير عبد الله خلفا ووريثا للملك فهد). أو قد يتم الانتقال إلى قائد يأتي من نفس النخبة والمصالح التي كان القائد السابق يمثلها، مثال: (نائب الرئيس مبارك الذي خلف الرئيس أنور السادات بعد اغتياله عام 1981). هناك أيضا طريقة أخرى يتم الانتقال بالسلطة عبرها وليس من الضروري أن تكون رسمية أو حتى سلمية: مثال، انقلاب يستبدل قائدا عسكريا بآخر (حافظ الأسد على صلاح جديد)، أو انقلابات في العائلة الحاكمة (استيلاء السلطان قابوس في عمان سلميا على الحكم، انتزعه من أبيه) وهذا النوع يدخل أيضا ضمن هذه الفئة من التغيير التي نتكلم عنها.

الاتجاه الثاني في التغيير، ويتضمن انتقالا من مجموعة واحدة من النخب إلى أخرى. إن نطاق البدائل في هذه الحالة كبير جدا من الناحية النظرية. فالنخب يمكن أن تأتي من مجموعة عرقية مختلفة، أو من فئة اجتماعية مختلفة، أو من منطقة مختلفة في الدولة وهكذا. ومع ذلك فإن القادة الدينيين هم في الغالب المجموعة الأكثر تنظيما في النخب الثورية. و على الأغلب، فإن الأنظمة الشرق الأوسطية استطاعت أن توظف أو تكبح الاتحادات التجارية، المفكرين، الاختصاصيين والتجار بينما كانت تواجه مشاكل في قمعها المجموعات الدينية وذلك لأنها استطاعت رسم وترسيخ مؤسسات دينية وشبكات اجتماعية قوية. ولأن الدين متجذّر في نفوس الكثير من المواطنين، فإن عددا قليلا من الأنظمة كان مستعدا لأن يقمع الممارسات الدينية بشكل مفتوح ومستمر. وأكثر من ذلك، فإن هناك عددا من الأنظمة في الشرق الأوسط تعتمد على الدين من أجل أن تؤمن شرعيتها. وهكذا فإنه من غير المفاجئ رؤية أن الإسلاميين استطاعوا أن يبرهنوا في السنوات الأخيرة عن قدرتهم على تحدي الأنظمة. لقد سبق واستولى الإسلاميون على الحكم في إيران والسودان، وشكلوا تحديا كبيرا بالنسبة للدولة وللأنظمة في أماكن أخرى مثل سوريا، مصر، السعودية، البحرين، الأردن، الجزائر، ليبيا والسلطة الفلسطينية.

أما بالنسبة للاتجاه الثالث في التغيير، فإنه يتضمن انتقالا من حكم قاعدة نخبوية إلى نظام أكثر شعبية بشكل عام. ويمكن حدوث ذلك من خلال ثورة شعبية تأتي بنظام يعتمد على قطاعات واسعة من الشعب، أو من خلال نقلة باتجاه "الدمقرطة" التي تسمح لأناس عاديين بتواجد أكبر في القطاع السياسي وبحرية أكبر في اختيار القادة. وعلى أية حال، فإن هذا النمط من التغيير قد لا ينطوي على تغيير شخص القيادة بالضرورة بقدر ما ينطوي على تغيير المصالح التي يمثلها القادة. فالقادة الحاليين قد يكرسوا شعبية الالتزام الأصيل بالديمقراطية وذلك من أجل الحصول على تأييد للتغييرات المكروهة أو لتدعيم سلطتهم في وجه النخب المنافسة.

وبشكل عام، فإن كل اتجاه أو فئة من الاتجاهات التي شرحناها أعلاه تحاج إلى مستوى مختلف من التحليل.

المستوى الأوّل فردي: ما هي نقاط القوّة، الضعف، الخصائص وأهداف بعض الأفراد المعيّنين؟

المستوى الثاني يستند إلى قاعدة النخبة التي تحكم ويركز على خصائص معينة للعائلة أو للقاعدة التي تحكم.

أما المستوى الثالث، فهو يقوم على المجموعات المنافسة المحتملة وجداول أعمالها وأهدافها. كيف تختلف هذه النخب عن النخب الحاكمة؟ هل لديها أهداف مختلفة أو تعتمد على مجموعات اجتماعية مختلفة لكسب الدعم؟

إن التعرف على أجوبة هذه الأسئلة يتطلب فهم مصادر الاستقرار والثبات، ومعرفة الحقائق والحدود الجيوسياسية التي قد تمنع التغييرات.

وتنطبق وتنسحب العينة الدراسية التالية التي تشمل ثلاث بلدان (السعودية، سوريا ومصر) على كافة مستويات التحليل المختلفة التي سبق وذكرناها. بحيث يطرأ التحليل في كل بلد إلى الأفراد الذين يشكلون المفاتيح السياسية المختلفة في النخب الحالية، جدول المجموعات المنافسة، ومشاعر وموقف عامة الناس بشكل عام.

* دانييل بايمن: بروفسور مساعد في برنامج الدراسات الأمنيّة في مدرسة ادموند والاش للسلك الأجنبي في جامعة جورج تاون. زميل في مركز "سابان" لسياسات الشرق الأوسط في معهد "بروكينجز". وهذه الدراسة له هي جزء من تقرير ضخم أعدّته "راند" لصالح القوات الجوية، كدراسة مستقبلية عن المنطقة وهي بعنوان: "مستقبل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط: النزاع، الاستقرار والتغيير السياسي".


(1)Glenn E.Robinson,“Palestine After Arafat,”The Washington Quarterly23 (Autumn 2):77.

(2) This article examines regime change that occurs for natural causes (through the death of a leader)

or through some process of internal political change(through a coup or assassination,for example).

It does not examine cases of regime change that occur through external coercive military force,as was

the case in Iraq in 23.

(3) Examining leadership change elsewhere in the Middle East would also be valuable.Iran,Libya

and the Palestinian Authority would also be important to examine,given the potential for dramatic

change in these countries.

(4) At times,a regime’s leadership may prove so dangerous that military intervention is required to

topple a regime.The U.S.-led campaign against Iraq in 23 is one example.This article,however,

focuses on leadership change in ways that exclude direct efforts to topple a regime.Many of the im-plications are immediately relevant to considerations of whether a regime should or should not be

removed.

(5) Daniel Byman and Kenneth Pollack,“Let Us Now Praise Great Men:Bringing the Statesman

Back In,”International Security 25(Spring 21):17–146.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

ذكى متغابى

لايروق للغربى ان يعلق على اى حالة الا بما يعشعش بفكرة اعنى اى محاولات تقرب الى وصف حالة راهنة تاخذ بشق معناها من تباعد قائم وهى حالة متجددة ولاعتقد ان يدلف ذلك المفكر الى عقلنا ليفكر بدلن عنا وانى لم اجد شئ يستحق الكلام عنة الا ان وضعنا السياسى مشين واتى عسير الدمقراطية ليفحص ادواتنا السياسية علة يشارك