المشروع الجهادي في العراق بين مقاصد الشريعة ومقاصد المجاهدين

2005-8-1 | الشيخ رضا أحمد صمدي المشروع الجهادي في العراق بين مقاصد الشريعة ومقاصد المجاهدين

إن جرائم الاحتلال الأمريكي وأعوانه باتتْ ماثلة في بُؤْرَة المشهد الالمي بحيث لا يستطيع أي منصف أن يجادل أن ما اجترحت أيدي الأمريكان في حق الشعب العراقي لَيُمثِّل علامة فارقة في التاريخ الإنساني المعاصر، فمع أن هذا المحتل هو الذي صاغ وقرر لشعوب الأرض مبادئ العدل والمساواة والحرية وأنشأ لها الجمعيات والمؤسسات الدولية، إلا أن الإنسان لم تُنَل حقوقه ظلما وهَضْمَا وحَيْفا مثلما نِيْلِت من قِبَل المحتل الأمريكي.

وما فعله الجنود الأمريكان في العراق من تدمير للبنية التحتية في العراق، وتفجيرٍ للمباني والمنشآت المدنية، وقتلٍ للنساء والأطفال والعجزة والمعوقين، واغتصابٍ للنساء والأطفال والمسجونين، لَيُجَمِّعُ رصيدا انتقاميا هائلا في قلوب المظلومين لن تَمْحُوَهُ تقلبات الدهور وتصرفات الغِيَر.

وفي المقابل يبرز المشروع الجهادي في العراق ليُعَبِّر عن النهضة الإسلامية في العصر الحديث بوجه من وجوه التعبير، فالنهضة الإسلامية التي ابتدأت الصحوة الإسلامية وَضْعَ لَبِنَاتِهَا في بدايات القرن العشرين الميلادي مارست دورا فاعلا في تحرير الشعوب الإسلامية مِن وَطْأة الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، ولما انقضى عهد الاستعمار وولّى جاء المشروع الجهادي في أفغانستان ليثبت أن أَثِيْر النهضة ما زال يسري في جسد الأمة، وأن طموحاتها ما زالت ماثلة في وُجدان شبابها على مر العصور.

نعم .. إن المشروع الجهادي في كل مرحلة من مراحل النهضة الإسلامية يبدو كأنه عُضْوٌ مُؤَسِّسٌ مُهِمٌّ في كيان النهضة، بَصْمَتُه واضحة في بيانات النهضة، تأثيره واضح في اتجاهها، ولا ينكر ذلك إلا منكر أن الجهاد هو الذي ساعد ليبيا والجزائر والمغرب ومصر والسودان وغيرها من بلدان الدول العربية والإسلامية على الاستقلال من نفوذ الاستعمار الغربي.

وإذا كان المشروع الجهادي داخلا في نسيج النهضة الإسلامية، فاعلا ومتفاعلا في كيانها، فلا يمكن بحال أن ننسى أن مقاصد هذا المشروع هي عين مقاصد الشريعة الإسلامية، وأهدافه هي عين أهداف الشريعة.

والذي نحمده لفصائل الجهاد العراقي أنهم يَصْدُرُوْنَ عن مَرْجِعِيّة إسلامية واضحة لا تشوبها شائبة، بل يتنافسون في إثبات ولائهم الصارم للشريعة الإسلامية ومقاصدها، ويتباهون بتعصبهم لكل ما تفرضه الشريعه وتلزمه من أحكام وقيود.

غير أن أي مشروع في عالم الإنسان لا بد أن تعرض له آفة التقصير والخلل، خاصة إذا كان المشروع الجهادي في العراق يعاني ضغوطا غير اعتيادية أخطرُها تداعِي الأَكَلة على القصعة العراقية حتى بدا المجاهدون في العراق أفذاذا في مقاومتهم، شُذاذا في معارضتهم!

ومع مشهد الفردية والشذوذ الذي يجتهد إعلام الاحتلال على ترسيخه في وجدان المتابع للأحداث فإن أي تصرف يقوم به أولئك المجاهدون وإن كان صوابا ومُمَثِّلا للحق الإنساني المحض سيبدو كأنه سباحة ضد التيار وتغريد خارج السرب.

وتبدو النازلة أليمة، والمصيبة أعظم لو أخطأ المجاهدون أو قارفوا ما يعتبر مناقضا للشرع الإسلامي المطهر، فأما العدو فلن يَأْلُوَ جَهْدا في استغلال الخطأ وتسخير الزَّلَّة لمصلحته في تثبيت تلك الصورة التي يروج لها عن المجاهدين، وفي المقابل يقف الغيورون على المشروع الجهادي -الذي هو في نسيج النهضة الإسلامية- موقف الحائر المتربص! هل نتكلم أو لا نتكلم؟ هل ننصح المجاهدين أو لا ننصح؟ هل نبين الخطأ أو لا نبين؟ فالمؤامرة التي حاكها الاحتلال ضد المشروع الجهادي جعلت الكثير من الغيورين يتبنون السكوت، ويقعّدون للتغاضي، ويبررون لمبدأ المقايسة بين جرائم الاحتلال الأمريكي وأخطاء المجاهدين الصغيرة، ليبدو للناس أن الخطأ وارد في حق أي إنسان، وأن استغلال الخطأ الصغير لِيكون مطية في تبرير الجرم الكبير سيكون غفلة وحماقة، ومِنْ ثَمَّ ظن أولئك الغيورين أن أي مناصحة علنية للجهاد والمجاهدين ستصب في مصلحة المحتل الأمريكي وتَشُدُّ من عَضُدِه وترفع معنوياته، وفي المقابل سَتَفُتُّ من عَضُدِ المجاهدين، وتنال من حماستهم وتضحيتهم.

غير أن كاتب هذه السطور ينظر إلى القضية نظرة أخرى حَرِيَّةً أن تكون هي الميثاق في الطرح الإسلامي المتعلق بالجهاد والمجاهدين، وهو أن المشروع الجهادي بات ملكا للنهضة الإسلامية بأسرها، وأي محاولة لنزع المشروع الجهادي خارج إطار النهضة الإسلامية سيجعل المشروع الجهادي نفسه غير ذي مشروعية، كما أن نزع كيان النهضة الإسلامية عن مشروع الجهاد الإسلامي سيجعل النهضة ذاتها غير ذي موضوع، وعليه فإن القائم بالمشروع الجهادي أو المنافح عنه، سواء كان مقاتلا في ميدان الوغى، أو باحثا في ميدان القلم يتحمل مسئولية كاملة تجاه هذا المشروع، تأييداً ونصرةً وولاءً، وتبعات هذا التأييد بالنسبة للكاتب بقلمه لا تقل عن تبعات المقاتل في الميدان بسلاحه، بل إن من يكتب بقلمه معرض لكثير من المخاطر التي قد لا يتعرض لها المجاهد في الميدان، فزاوية المواجهة في ميدان الفكر والبحث بَدَت تُمَثِّلُ خطورة استراتيجية لا تقل عن خطورة أسلحة الدمار الشامل ، ولنعتبر بنفقات الدول العظمى على مراكز البحث مقارنة بنفقاتها على الأسلحة، فسنجد تقاربا بين نفقات السلاح ونفقات الأبحاث، وتهمة الإرهاب التي طالت المجاهدين والمقاتلين ستطال من يكتب نصف كلمة في تأييدهم ونصرتهم .

كل ذلك قدمناه لأننا نعرف أن بعضا ممن سيقرأ هذه المقالة قد يكون من تلك الطائفة التي ترى في المشروع الجهادي حِكرا على طائفة أو فئة معينة، أو يرى المشروع الجهادي مُنْبَتَّا عن مشروع النهضة، ومنهم من يرى في المشروع الجهادي أنه هو نفسه مشروع النهضة الإسلامية بأسرها! ومنهم من يرى أن المجاهدين كأنهم على علم ودراية بكل فنون الحرب والسياسة، وأن الخطأ في حقهم غير وارد أو قليل، بل إن منهم من يثبت لهم العصمة من طَرْفٍ خَفِيّ بناء على قوله تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).

كيف يمكن أن نقنع هؤلاء أن المشروع الجهادي ليس مشروعا فرديا، ولا يمكن أن يكون مشروعا فئويا طائفيا، بل هل مشروع متكامل يسعى كل أفراد الأمة في دعمه والقيام به باعتباره جزءا لا يتجزأ من مشروع النهضة الإسلامية الشاملة، كيف يمكن أن نقنع أولئك الغيورين أن أبحاث المفكرين غير المشاركين في ميدان القتال لها دور كبير في مساعدة المقاتلين لرسم سياسية قتالية واضحة وناجحة ، كيف نستطيع أن نقنع هؤلاء أن النصر إنما هو نتاج تفاعل وثيق بين المواجهة القتالية والبحث العلمي - سواء كان شرعيا أو متعلقا بالعلوم المادية العصرية- والدعم المالي والتأييد المعنوي والقيادة السياسية الماهرة المحنكة مع ضَمِيمَةِ كيان ضخم من المفكرين والباحثين الذين يعينون المقاتلين بالمعلومات المعقدة حول مناسبة التوقيت، ومناسبة الضربات، وصواب التحركات، إلى غير ذلك مما نراه مُقَرَّرَاً في أصول الشريعة قبل أن نراه مُطَبَّقا في سياسات الدول العظمى!

إن المشروع الجهادي في العراق يمر بمرحلة حاسمة من مراحل النصر، تبدّت إرهاصاته في البيانات المتعاقبة التي يصدرها المحتل بين كل حين وآخر، تثبت فشله في إدارة الصراع، وعدم قدرته على تحقيق وعوده بل أكاذيبه، وفي نفس الوقت فإن المراحل الأخيرة تقتضي حَشد كل الجهود المادية والمعنوية لدَعم الجهاد العراقي، لأن خِذلان الجهاد في هذه المرحلة الدقيقة كفيل أن يعيد المجاهدين لنقطة البداية، فمن الأهمية بمكان إذاً أن نقول إن الدعم الشعبي في هذه المرحلة يجب أن يكون كاسحا، والتأييد الإسلامي العام يجب أن يكون واضحا، والحشد الإعلامي وراء عمليات المجاهدين يجب أن يكون قويا ومؤثرا، وبناء على ما سبق فإن أي خطأ أو انحراف في المشروع الجهادي سيكون أثره خطيرا على هذا الدعم الشعبي والتأييد الإعلامي.

والأحداث التي شهدتها الساحة العراقية في الأسابيع الماضية تَبُثُّ مخاوف متعاظمة تجاه الآمال في مستقبل النصر المنشود، فعمليات قتل السفراء، وبعض التفجيرات التي تَطَال أبرياء بالتَّبَع لا علاقة لهم بالمحتل وأعوانه، تضع المشروع الجهادي في مَحَكٍّ عسير ومُفْتَرَقٍ وَعْر، وقد يكون صعبا على الأمة بأسرها أن تتجاوز هذا المرتقى بدون خسائر أو إخفاقات.

ليس من العسير أن نثبت أن المحتل الأمريكي يخاف من العمليات الاستشهادية التي تطال بعض الأبرياء، وليس من الصعب أن نبين بالأدلة أن قتل السفراء سَيَبُثُّ الرعب في قلب كل من يريد تثبيت الاحتلال بأي ممارسة أو مساهمة أو معاونة، وليس جَلَلا أن يُبَرْهِنَ قائلٌ إن تفجير مساجد الشيعة سيجعلهم يتراجعون عن تأييد المحتل؛ ولكن: هل يستطيع أي إنسان أن يثبت أن هذه العمليات تزيد من التأييد الشعبي وترفع معنويات الأمة الإسلامية وتزيد من طموحاتها في تأييد المشروع الجهادي؟ هذا الذي دونه خَرْطُ القَتَاد.

بل المُدَّعى أعظم من ذلك وأنكى .. وهو أن تلك العمليات المشار إليها تُوْهِنُ موقف المجاهدين، وتُضْعِفُ مركزهم القتالي، وتصيب ميثاق شرفهم النضالي في مقتل، إذْ صار سهلا يسيرا على إعلام المحتل أن يتهم المجاهدين بكل التهم الزائفة، كالإرهاب والإجرام وانعدام الضمير، وغدا من غير الضروري أن يقدم أي أدلة للمجتمع العالمي، ولم يعد المحتل محتاجا أن يمارس الأكاذيب ليشوه صورة المجاهدين ما دام التشويه يمارسه المجاهدون أنفهسم عبر بياناتهم!

إن مناقشة مشروعية تلك العمليات (قتل السفراء والعمليات الاستشهادية التي تطال أبرياء أو تفجير مساجد الشيعة) فرعٌ عن أصل قناعتنا أن المشروع الجهادي في العراق ملك للأمة بأسرها، وأن استقلال طائفة أو فئة برسم سياسات هذا المشروع النهضوي الإسلامي لهو افتئات على الأعضاء المشاركين في تأسيس مشروع النهضة الإسلامية.

إن قتل السفراء لم يستند عند الإخوة المجاهدين في العراق إلى أي سند شرعي مقبول، وما ذكر في البيانات الصادرة عن بعض فصائل الجهاد حول مقتل السفراء ليَشِيْ بحجم الأزمة الفكرية التي يعانيها بعض الأفراد المنتمين لتلك الفصائل، إذْ ليس من العسير مثلا أن نلاحظ أن الحجج التي سيقت في قتل السفراء أقرب ما تكون إلى التماس المخارج منها إلا العلم الصحيح القراح.

وبعض التقريرات الشرعية التي سيقت لتبرير العمليات الاستشهادية التي تطال أبرياء بَدَتْ كأنها بَيَانٌ لمقاصد المجاهدين ورؤاهم واجتهادهم مغلفا ومبررا بغطاء من النصوص التي تتحدث عن المقاصد الشرعية وضرورات وحاجيات الشريعة المراعاة في أحكامها.

إن غالب البيانات التي تصدر في تبرير تلك العمليات تؤكد على دور الاجتهاد وتقدير الظرف في اتخاذ القرار، وأن المجاهدين أحق بغيرهم في ذلك، وعليه؛ تكون عملياتهم وإن رآها الناس خاطئة فهي على وفق اجتهادهم وتقديرهم صائبة تنادي على الحق وتجاوره!

ونحن إن سلمنا بحق المجاهدين في اتخاذ القرارات المصيرية الميدانية المتعلقة بالجهاد والقتال، إلا أننا لا نسلم أن لهم الحق في البت في الأمور الشرعية ومن ثم تقريرها كأنها سياسة قتالية مقرَّرة في شريعة الله الغراء، ولا نستطيع أن نقبل أن يجتهد بعض الباحثين من المجاهدين الميدانيين في تقرير وجهة نظره الشرعية المقتصرة على المصالح الخاصة للمجاهدين أو الشأن الجهادي العراقي ضاربا بعرض الحائط المصالح العامة للأمة، بل متغافلا عن مسئولية المشروع الجهادي، وجلالة الدور الذي يمارسه المجاهدون في تدعيم الصورة الصحيحة للنهضة الإسلامية الحضارية.

إن انحسار التأييد الشعبي، وتضاؤل الدعم المادي للمجاهدين جَرَّاء تلك العمليات التي تثير البلبلة بين صفوف المؤيدين للمشروع الجهادي العراقي لَيُمثِّل جزءا من الخسارة التي ستلحق بهذا المشروع، والحُسْبَانُ قَاصِرٌ أن يحدد حجم الخسارة الحقيقية في ذلك الدعم الشعبي الكاسح الذي كان يلقاه المجاهدون من العامة والبسطاء، وهؤلاء وإن كان تأثيرهم المباشر ضعيفا، إلا أن دعمهم غير المباشر والمتطاول للجهاد في كل مكان لا ينكر أثرَه مُنصف وعاقل .

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلّم أصحابه في كل غزوة يغزوها أو سرية يبعثها مقاصد الشريعة من الجهاد، ويختصرها في كلمات قليلة، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه ‏عَنْ ‏سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏‏عَنْ ‏‏أَبِيهِ ‏قَالَ :‏كَانَ رَسُولُاللَّهِ‏ ‏صَلَّىاللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَىجَيْشٍ أَوْ ‏ ‏سَرِيَّةٍ ‏ ‏أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَىاللَّهِوَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ ‏‏اغْزُوابِاسْمِاللَّهِفِيسَبِيلِاللَّهِقَاتِلُوامَنْكَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلا‏تَغُلُّوا ‏ ‏وَلا‏تَغْدِرُوا ‏ ‏وَلَا ‏‏تَمْثُلُوا ‏ ‏وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا .

والوصية بتقوى الله والأمر بالغزوة باسم الله دليل ناصع واضح أن الجهاد ليس مجرد مواجهة قتالية، بل هو مشروع إصلاحي يستحضر طهارة المقصد، ونزاهة الوسيلة، ويستلهم جلالة النسبة، فالغازي والمجاهد إنما يغزو ويجاهد باسم الله، أنه مُنْتَمٍ لله منتسب لشريعته مُظَاهِرٌ لمبادئها وأحكامها، فلا غَدْر ولاغِيلة ولا تمثيل ولا ظلمَ للضعفاء ولا تجاوز للحدود، فالجهاد في ذاته مَرْحَمَة، والقتال في نفسه رسالة ومبدأ، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود من رواية ابن مسعود مرفوعا: (أَعَفُّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الإِيْمَان)، يقول بعض الشراح: لِمَا جَعَلَ اللَّه فِي قُلُوب أهل الإيمان مِنْ الرَّحْمَة وَالشَّفَقَة لِجَمِيعِ خَلْقهبِخِلَافِأَهْلالْكُفْر .

و‏روى البخاري عَنْ ‏ ‏عِكْرِمَةَ‏ ‏قَالَ ‏‏أُتِيَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏‏بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَقَالَ لَوْكُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَقَتَلْتُهُمْلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَنْ بَدَّلَدِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ‏.

و‏عَنْ ‏شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ‏ ‏قَالَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْفَأَحْسِنُواالْقِتْلَةَوَإِذَاذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُواالذَّبْحَة رواه مسلم .

إن مثل هذه النصوص التي تثبت مبدأ الرحمة وأصل الشفقة حتى في القتل والقتال قال عنها النووي إنها تمثل قواعد الإسلام، أي أن مبادئ الإسلام ومقاصده تدور حولها، ومِن ثَم وجب على المجاهدين أن يراعوا تلك المقاصد الشرعية في نواياهم وأفعالهم ، ولزم الممارسين لمشروع النهضة الإسلامية أن يتمثلوا هذه المقاصد الشرعية المعصومة لتكتنف مقاصدهم الإنسانية وأفكارهم وخططهم التي قد يعتريها ما يعتري البشر من النقص والقصور ، لترقى مقاصدهم فتشابه مقاصد الشرع فلا يتصرفون إلا بما يوافق الشريعة ، ولا تقع أفعالهم إلا على وجه يطابق أحكام الشريعة .

ليس نصر الإسلام والمسلمين في عَدّاد القتلى الذي يحصده المجاهدون من العلوج المحتلين، ولكن نصر الإسلام والمسلمين في انتصار مبادئهم، وظهور مناهجهم، وعلو شعارهم، وتطبيق أحكام دينهم الحنيف، وإذا كان الجهاد الذي هو ذِروة سنام الإسلام يمارَس بما ليس من الإسلام، أو بما يَثْلِم الإسلام وينال منه، فماذا سيبقى للإسلام من نصر وفضيلة، وقد جعله الرافعون لرايته مثالَ نَقْدٍ وتجريح وطعن وتشويه؟ بل ليت شعري كيف سننتصر أصلا في ميدان القتال وقد انهزمنا في عرصات الفضيلة والمُثُل والمبادئ؟

إن تلك الكلمات قد تبدو شديدة في حق تلك الثُّلَّة من الشباب المسلم الطاهر الأَبِيّ الذي انتفض وهب للذب عن حياض الدين وشرف المسلمين، قد يكون بعض النقد المباشر الصريح مريرا عسيرا، بل إن بعض الضعاف والمتربصين قد يجتزئ بعض عبارات نقدنا للمجاهدين ويطير بها كل مَطار، ولَرُبَّمَا استغلها في التشنيع على المجاهدين والنيل من عملهم وجهادهم، ومثل هؤلاء أنا بريء منهم ومما يَمْكُرُون، وإنني أدعو المجاهدين أن ينظروا في كلماتي وعباراتي نظرة واثق أنها ما خرجت إلى غَيرة على الدين، فهو أحب إلينا من الجهاد والمجاهدين، وأن يطمئنوا إلى أن كاتب هذه السطور قد عقد في قلبه من من مواثيق الولاء والتأييد والنصرة للجهاد والمجاهدين في سبيل الله ما لن يستطيع أحد أن يَفُلَّه إلا أن يشاء الله، كما أدعوهم أن تَرْكَنَ نفوسهم إلى اليقين أننا ما سطرنا سطرا ولا كلمة إلا ونرجو منها أن يتكامل جهدهم ويكون مقبولا عند الله ليكون لهم الأجر الجزيل، وأننا ما أحببنا لأنفسنا ولذوينا من خير ونصر وهناءة إلا وأحببنا أضعافه للمجاهدين في سبيل الله ، فهم نِقَاوَة الأمة وغيرهم بَقَلها، وهم صفوة الصحوة وغيرهم زَبَدها، فلله درهم وعلى الله نصرهم، والحمد لله رب العالمين.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عبدالله التميمي

أيه الأحبة أحب أن أطرح عدداً من الأسئلة :
ما المصادر التي نستقي منها أخبار المجاهدين ؟
يتعرض العدو للعديد من العمليات يومياً( وصلت لثمانين عملية يوميا) و لا يسلط الإعلام الضوء إلا على بعضها ، فأين الباقي ؟
ما السبب و راء اختزال العمل الجهادي في فئة بل و اختزال الفئة في رجل ؟
ماالأمور التي يستطيع أهل الرأي نصرة المجاهدين بها و تصحيح مسيرتهم ؟


ابو كوثر

اطلعت على المقال اعلاه ووجدت فيه نباهة الكاتب وعلمه لكن هل ما يحصل من اخطاء مهما كان جرمها من هؤلاء الشباب بدفعنا لنسيان ما قاموا به وما دفعوه من اغلى ما يملكون الا وهي ارواحهم ليرفعوا راية الشريعة عالية ننسى ذلك كله بخطأ هنا وخطأ هناك ولهذا ادعو السادة قراء هذا المقال ان يفهموا الكاتب وانه لا يدعو لوقف الجهاد بسبب تلك الاخطاء وعلى الجميع التكاتف خلف المجاهدين فالعالم يصوبهم بعلمه والطبيب يداويهم بعلمه وهكذا حتى لا نسمح لمن هب ودب ان يتطاول على اؤلئك الشباب الذين ازالوا عن هذه الامة ذلتها وبارك الله فيكم


م.أبو القاسم

مقال جدير بالحفاوة ولاريب..فجزى الله الشيخ رضا وقد لمست في طيات كلامه الصدق..وفي لب موضوعه الحق..
غير أني أرجو أن تكون ثمة مساحة -ولو يسيرة-..للالتماس المعاذير,,لا على أساس تبرير الخطأ..بل على مبدأ تفسيره..

والله يرعاكم


محب الخير

السلام عليكم
الشيخ رضا هل أنت الذي في بانكوك، أريدك ضروري إذا كانت الإجابة بالإيجاب


رضا أحمد صمدي

الفاضل الكريم متولي .. وفقه الله .
والله ما غاب عني وأنا أكتب المقال الخلاف بين العلماء في مثل تلك المسائل ، وقد تم نقاشها في غير هذا الموطن ، ولكن الذي أثبته هو ما أشار إليه النووي أنه من قواعد الإسلام ، وما أشرت إليه أنت فمن المسائل الفرعية الجزئية التي لا يمكن أن تكون أصلا أو قاعدة ، فلا يمكنك أن تعتبر جواز قتل النساء أو الأبرياء قاعدة من قواعد الملة الإسلامية ولكن المرحمة في الحرب مبدأ وأساس من المبادئ والأسس التي لا يختلف عليها أحد .
والتذكير بتلك المبادئ والمثل حتى تكون هي الحاكمة وليست المحكومة ، فكيف يكون موضوع التترس أصلا تبنى عليه عمليات المجاهدين مع أن التترس من المسائل التي أجيزت على خلاف الأصل يعني من الرخص وليست من العزائم ، إلا أن الشيخ الزرقاوي ارتآها ضرورية لتبقى جذوة الجهاد ، فهل هذا هو الفقه الذي تقصده ؟
والحوادث الجزئية التي أوردتها نعتذر بها للمجاهدين لو كانوا يفعلون مثل تلك العمليات اضطرارا وعلى وجه الاستثناء ، ولكن الملاحظ أن تقرير هذه المسائل لأجل أن تكون وسيلة جهاد ووسيلة مواجهة .. وهو المخوف في حالتنا ...
جزاكم الله خيرا .


Metwalli Abdelslaam

الشيخ الفاضل؟ المسألة ليست إنتصاراً للرأي... وإنما في استشعار عظم المسوًلية وأن العلماء هم "الموقعون عن رب العالمين"

في ما يتعلّق بقتل المدنيين في هذه العمليّات

لا حجّة لمن يُنكر العمليّات الاستشهاديّة بدعوى أنّها تستهدف ( أو يقع من ضحاياها بعض ) المدنيين ، و النساء و الأطفال و الشيوخ غير المحاربين ، فقد روى الشيخان و أبو داوود و الترمذي و ابن ماجة و أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ -‏ رضى الله عنهم -‏ قال : مَرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم بِالأَبْوَاءِ -‏ أَوْ بِوَدَّانَ -‏ وَ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ،‏ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَ ذَرَارِيِّهِمْ قَالَ : «‏ هُمْ مِنْهُمْ »‏ .‏ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : «‏ لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه و سلم »‏ .‏
و من هذا الحديث الشريف أخذ العلماء جواز التبييت في الحرب . قال الإمام أحمد : لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات ، و قال : لا نعلم أحداً كره البيات . [ انظر : المغني مع الشرح الكبير : 10 / 503 ].
هذا مع ما في التبييت من مخاطرة بغير المحاربين نساءً و أطفالاً و شيوخاً ، فالنص يقطع دابر الخلاف في المسألة ، و يجعلهم سواء .
و روى الترمذي عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ .‏ و معلوم أن الرمي بالمنجنيق يقع على كلّ من في الحصن ، و بثبوته يبطل التفريق بين المحاربين و بين ذويهم ، و الله أعلم .
بل يزاد على ذلك أن العبرة في التعامل مع العدو ليست بتقسيمهم إلى فسطاطين لا ثالث لهما ، بل يُلحق بالمحاربِ المساندُ بالرأي و المال ، لِفعل النبيّ صلى الله عليه و سلّم مع بني قريظة ، حيث قَتَل مقاتِلَتهم ( و هم القادرون على حمل السلاح من الرجال ) و لم يكن يسأل القُرَظيّ : أحاربتَ أم لا ؟
ثمّ إن دماء الكافرين لا يحصنها إلا عقد الذمّة أو الأمان ، فهل لدى اليهود في فلسطين شيء من ذلك ؟

وأخيراً:
ألا يسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة؟.
سمع الصحابة "مشافهةً" أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم "لهم" ومع ذلك اختلفوا في التطبيق لا في الفهم لأنهم، اختلفوا في ما كان "يقصده" الرسول صلى الله عليه وسلم....
أرجو أن يُفهَم المقصود....
والسلام عليكم


mahamd

جزاك الله خيرا وثبتك على الحق


عبدالعزيز ( الطواري )

.. جزاك الله خيرا يا شيخ رضا ..
وبارك بجهدك وعلمك ..


Metwalli Abdelsalam

السلام عليكم

فأما عن ضرب المدنيين الأبرياء من ناحية الحكم الشرعي ما يفيد الحكم بالتحريم أصلا مع وقوع الخلاف الفقهي في بعض الفروع الطارئة: الأمر الذي يوجب عدم التسرع بإصدار الأحكام ، مما يجعل الترجيح في نهاية الأمر لتقدير المصلحة وفقا لمبادئ السياسة الشرعية

فنعم : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في وصاياه لبعض جيوشه : ( اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، وقاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغُلّوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ) رواه مسلم بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه .

وفي رواية لأبي داود في سننه بسنده عن أنس بن مالك يأتي قوله صلى الله عليه وسلم : ( انطلقوا باسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ، ولا تقتلوا شيخا فانيا ، ولا طفلا ، ولا صغيرا ، ولا امرأة ، ولا تغُلّوا ، وضعوا غنائمكم ، وأصلحوا ، وأحسنوا ، فإن الله يحب المحسنين ).

وهنا نجد للمسألة ثلاثة جوانب للبحث عند الفقهاء:

1. جانب المعاملة بالمثل من حيث أداة القتل والقتال كالرصاص أوالسيف أو الخنجر أو الخنق أو التحريق أو التغريق أو التقطيع والمثلة

2. وجانب المعاملة بالمثل من حيث الموضوع الذي يقع عليه الدمار أوالقتل أو القتال كالجندي أو الرجل أو المرأة أو الشيخ أو الطفل أو الصناع ، أو الفلاحين ، أو الشجرة أو الدار أو المصنع أو السد أو الجسر أو المتحف ، أوالمستشفى إلخ

3. وجانب سلطة التنفيذ أو الأمر به كولي الدم أو ولي الأمر .

والفقهاء قد تعرضوا للجوانب الثلاثة بضرب الأمثلة ، كما في كتاب " روح المعاني في تفسير القرآن للألوسي " في تفسير قوله تعالى " والحرمات قصاص " وفي فتح القدير للشوكاني و ما جاء في الدر المنثور للسيوطي ، وفي كتاب المبسوط في الفقه الحنفي للإمام السرخسي

ولأئمة المذاهب الأخرى خلاف واجتهادات واسعة في ذلك أي فيما يمس الأبرياء ، وقد أشبعها كبار الأئمة – على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم – بحثا ، ولخصها بعضهم : مثل ابن رشد في بداية المجتهد ، والصنعاني الأمير في سبل السلام ، وابن حزم في المحلى

والسبب في اختلافهم : - والكلام للإمام ابن رشد - معارضة بعض الآثثار بخصوصها لعموم الكتاب ، وذلك في قوله تعالى: { فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثابت: «أُمَرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله » الحديث، يقتضي قتل كل مشرك راهباً كان أو غيره ).

وأما الآثار التي وردت باستبقاء هذه الأصناف ، فيذكر ابن رشد منها ما منع من قتل أصحاب الصوامع ، و ما منع من قتل الشيخ الفاني والطفل الصغير ، والمرأة .

ثم يرجع سبب الاختلاف إلى معارضة قوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله الَّذينَ يُقَاتِلُونَكُم وَلاَ تَعْتَدُوا، إنَّ الله لا يُحِبُّ المعْتَدِينَ } حيث تفيد هذه الآية اقتصار القتل على المقاتلين دون غيرهم ، …..معارضته لقوله تعالى : { فَإذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المشرِكينَ حَيْثُ وجدتموهم } الآية ، وهي لا تستثني قتلا من قتل ) .

والإمام الصنعاني الأمير في (سبل السلام ) بعد أن يذكر جواز قتل النساء والأطفال في رواية متفق عليها : ) عن الصَّعْبِ بن جَثَّامةَ رضي الله عَنْهُ قال: سُئِلَ رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يُبَيّتُون فيُصيبُون منْ نسائهمْ وذراريهمْ ؟ فقالَ: «هُمْ منهُمْ» مُتّفقٌ عليه ) . يذكر ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من النهي عن ذلك فيما بعد في غزوة حنين فيما أخرجه ابن حبان من حديث الصعب وزاد فيه : «ثم نهى عنهم يوم حنين» وهي مدرجة في حديث الصعب ، وفيما أخرجه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم لأحدهم: «الحق خالداً فقل له: لا تقتل ذرّية ولا عسيفاً» وما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمر قال: لمّا دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة أتى بامرأة مقتولة فقال: «ما كانت هذه تقاتل» ونهى عن قتل النساء.

ومع ذلك قتلت عصماء بنت مروان في سرية عمير بن عدي لقولها الشعر في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم و قتل شيخ عجوز للسبب نفسه : في : سرية سالم بن عمير: راجع ( المنتظم في التاريخ لابن الجوزي )

ومع ذلك يجب أن نذكر انهما كانا " مدنيين " ولكن " غير أبرياء " لا ينتطح فيهما عنزان كل منهما يصدق عليه أنه " ما كان ليقاتل " ، وأنه ينطوي تحت مصطلح " المدنيين " لكن أحدا منهما لم يكن ليصدق عليه أنه بريء ، وإنما هو من " المدنيين " الذين يعملون في تعبئة الجيش، بقول الشعر في هجاء الرسول والمسلمين ، وما أدراك ما الهجاء بقول الشعر في البيئة الثقافية إذ ذاك ، فهو من ثم ينبغي أن يعامل كفرد من الجيش بل كهيئة من هيئاته التي تعمل في نطاق الحرب النفسية أوالتوجيه المعنوي – أو ينبغي أن يعامل كمؤسسة من مؤسسات المجتمع إذ كان أشبه بقناة فضائية تعبيء الرأي العام ضد المسلمين اليوم . – وربما استحق القتل تبعا لمقاييس المصلحة وقرار القيادة .

وفي القرآن الكريم قوله تعالى ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) وهي الآية التي نزلت يوم بدر عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم في أخذ الفداء من الأسرى بدلا من القتل :

وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان هذا يوم بدر ، والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى " فإما منا بعد وإما فداء " على ما جاء بيانه في سورة القتال .

وقد قيل : إنما عوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك ، وذلك كله عظيم الموقع ، فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه والله أعلم

وهذا يبين أن كلا من قتل الأسير أوالاسترقاق والمن والفداء فإنه يجوز أو لا يجوز تبعا لموضعه في باب المعاملة بالمثل وموضعه من تحقيق المصلحة .

ولا بد من القول بأن من شرط معاملتهم بالمثل : أن يكون في حدود الضرورة القصوى وأن تكون البداية من جهة العدو ، مع عدم التزيد .

وأخيرا فلا شك أن الباحث في المسألة يجد فيها خلافا واسعا بين الفقهاء ، ومصدر الخلاف بينهم كما يرجع إلى تقدير المصلحة فإنه يرجع كذلك إما إلى تضعيف كثير من الأحاديث المعارضة كما هو الحال عند ابن حزم ، أو إلى ما بين هذه الأدلة من عموم وخصوص ومجمل ومقيد : أيهما يرجع للآخر ؟ ، وهو خلاف لا يصح التغطية عليه أو على بواعثه بانتقاء ما يعتقد البعض أنه الأقرب إلى "روح العصر" ، غافلين عن أن " روح العصر" – على العكس مما يتوهمون قد تخونهم في مقصدهم إذ أصبحت تتمثل في تطور حضاري لم يعد يحفل في أعماقه بضرب المدنيين في حروبه وواقعه ، برغم ما يصدر من تصريحات نفاقية لأغراض معروفة وإنما الأمر على العكس من ذلك أصبحت الحرب شديدة التقدم – كمنتج حتمي من منتجات هذه الحضارة – هي تلك التي تبدأ أو تتطور سريعا إلى ضرب المدنيين ، مع قليل من تجمل العجوز ، من أجل عيون – أو رغم أنف – ما يسمى عندهم حقوق الإنسان واتقاقيات جنيف وما أشبه.

الأمر الذي يجعل تنفيذ أخلاقيات الحرب في الإسلام أملا غاليا مرتبطا بقدرة المسلمين على السيطرة على مسار الحرب والإمساك بزمامها بأيديهم بدءا وانتهاء.
والسلام عليكم