المقاومة العراقية بين ردات العنف وخصوصيات المرحلة

2005-7-29 | يوسف شلي المقاومة العراقية بين ردات العنف وخصوصيات المرحلة

هذه المرة الأولى منذ سنوات التي تتعرض فيها الدولة الجزائرية لامتحان صعب وهزة دبلوماسية شديدة، بعد اختطاف الدبلوماسيين الجزائريين في بغداد وإعدامهما من طرف تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، فلم كان ذلك؟ وما هي الخلفيات السياسية التي ستنجر عن الحادثة بعدما أعدم الدبلوماسيين الجزائريين بشكل رهيب ؟ وما طبيعة العلاقة التي ستكون بعد ذلك بين الحكومة العراقية المؤقتة والدولة الجزائرية مقارنة بما حدث من توتر في العلاقات المصرية العراقية بعد تصريحات حكومة الجعفري من أن السفير إيهاب شريف كانت له اتصالات مع مجموعات مسلحة وأنه راح ضحية التداخلات السياسية بين المجموعات المسلحة المختلفة؟

ويأتي اختطاف وإعدام الدبلوماسيين الجزائريين بعد اختطاف وقتل السفير المصري في العراق إيهاب الشريف في وقت سابق من الشهر الجاري. وقد أعلن بيان منسوب إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي يقوده الأردني أبو مصعب الزرقاوي، عن مسؤوليته عن العملية.

وقبل أن نخوض في تفاصيل المقاومة المسلحة -التي يتباين خطابها السياسي والإيديولوجي- والتي تعمل على مسرح العمليات في العراق منذ سقوط بغداد في 2 مارس 2003، فمن الضروري أن نحدد المفهوم السياسي والعسكري لمعني مصطلح المقاومة عموما. ذلك أن التجارب التاريخية العالمية لمثل هذا النوع من الأعمال العسكرية أو ما يسميه البعض في الغرب "العنف" أو "الإرهاب" ويسميه البعض الآخر في الشرق الجهاد" ويسميه آخرون في الوسط بين هؤلاء" المقاومة"، يفيد بدرس أولي يتمثل في أنه لا يمكن أن ينجح مثل هذا النوع من "المقاومة" أو "العنف"، دون أن تتوافر له بيئة اجتماعية وثقافية وسياسية تجسد بالنسبة له"الحضانة" الشعبية والمعنوية.

وعلى الرغم من توافق تنظيمات المقاومة المشاركة في مقارعة الاحتلال الأجنبي، فقد لا تكون منسجمة إيديولوجيا ومتفقة استراتيجيا على توزيع الأدوار، أو أنها متقاطعة وليست متكاملة، فإن الحاصل أن نتائج عملها قد لا تصب في اتجاه واحد وهو إخراج قوات الاحتلال وحلفائها من العراق فقط، بل هناك من هذه التنظيمات، من له أجندته في العراق من حيث توسيع العمل المسلح وتجاوز المحظور من قتل للمدنيين الشيعة "العوام" وخطف للصحفيين وأخيرا استهداف للدبلوماسيين العرب، وصد كل عائق يقف في طريقه مهما كانت قوته أو جبروته ، فمادام أنه يعيق العمل المسلح أو العنف فيستحق الإزاحة من وجه البسيطة.

العمليات العسكرية للمقاومة تمتاز في تكتيكاتها ووسائلها وأهدافها باستهداف المحتل وأعوان الحكومة من قوات الأمن والحرس الوطني، مقارنة بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي وسع عملياته العسكرية ليصيب الجميع من ناره ولهيبه، ولا ندري حتى اليوم مدى وجود تنسيق أو توزيع أدوار بينهما أم لا؟ ونستشف من البيانات العسكرية لعمليات المقاومة وضوابطها وحدودها، أن هناك نوعنن من العمليات هما:

الأول: عمليات عسكرية احترافية موجهة ضد القوات العراقية والأمريكية والبريطانية والحليفة، وتتم عبر نصب الكمائن وبث الألغام واستخدام العبوات الناسفة، وإطلاق الصواريخ والكاتيوشا، ومستهدفة قوافل الإمداد والتموين والدوريات العسكرية للعدو ومراكز القيادة والسيطرة وكمائن للطائرات الهليوكوبتر لحرمان العدو من السيطرة الجوية في مسرح عمليات حرب عصابات المدن.

الثاني: عمليات عسكرية أخري يغلب عليها الطابع الانتحاري "حسب البعض" والاستشهادي "أحيانا" المعروف في التنظيمات الإسلامية الجهادية عموما وتلك المرتبطة بتنظيم القاعدة خصوصا، وأسلوبها هو استخدام السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة والطرود المتفجرة وعمليات الاغتيال الفردية والجماعية وضرب ومهاجمة مقار قيادة بعض القوات الأجنبية، ومقار المنظمات الدولية "مقر الأمم المتحدة مثلا"، ويؤدي هذا الأسلوب في أحيان كثيرة إلى سقوط المئات من الضحايا من المدنيين العراقيين وغير العراقيين مما يؤدي في المحصلة النهائية إلي الإضرار بسمعة المقاومة العراقية المسلحة ككل، وتلويث عملها، مما يسهل على أجهزة الإعلام المعادية استخدامها بهدف تقليص التعاطف الشعبي المحلي أو العربي أو العالمي مع المقاومة العراقية النبيلة، لمصلحة بقاء الاحتلال أو ترويع بعض القوي الوطنية في العراق وإبعادها عن التعاون أو التعاطف مع المقاومة العراقية باعتبارها إرهابا، وخاصة في منطقة تواجد السنة بالوسط والوسط الغربي من العراق المحضن الرئيس للمقاومة المسلحة. علما بأن هذه المقاومة أصبحت الحاضر الأكبر في تفاصيل حياة العراقيين والكابوس الضاغط على قوات الاحتلال والمرتبطين بها والمروجين لخططها عبر المواقف والفتاوى، وليس باستطاعة أحدٍ أن يشطبها بعد الآن من معادلة الوضع السياسي وتأثيرها على اتجاهاته العامة.

* العراق يفرز جيلا جديداً من جماعات العنف:

هل نحن بصدد تشكيل خريطة جديدة لجماعات العنف المسلحة في العالم العربي عموما والعراقي خصوصا؟ وهل أصبحت الساحة الأوروبية والعربية معقلا من معاقلها؟ سؤال بديهي يطرح نفسه بقوة بعد جملة من الأحداث الأمنية والمسلحة التي شاهدتها بعض عواصم الدول العربية والغربية " تفجيرات لندن، تفجيرات طابا وشرم الشيخ، خطف وقتل الدبلوماسيين العرب في بغداد..."، وهو من أهم الأسئلة المطروحة حاليا في دوائر الأمن والاستخبارات العالمية التي وقفت عاجزة عن تفسير مؤشرات صعودها على السطح وبهذه الكثافة والدموية الرهيبة، كما أن عملية البحث والتحقيق ما زالت جارية على قدم وساق، وكل الاحتمالات مفتوحة أمامها، وليس معروفاً على وجه الدقة الجهة التي تقف ورائها وتمولها وتسهل تنقلها بين هذا البلد وذاك، باعتبارها أصبحت فوق الحدود والحواجز وتشريعات المرور والتنقل والرادارات الكاشفة.

إن ثمة جيلاً جديداً من جماعات العنف، لا علاقة له بتنظيم القاعدة –من حيث النشأة- أفرزته تطورات المنطقة خصوصاً في العراق. إذ كما أن احتلال أفغانستان كان البيئة السوية التي تشكل فيها تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبي حفص المصري، فالاحتمال قائم وقوي في أن يكون احتلال العراق وفر مناخاً مواتياً لميلاد تشكيل عسكري أو جهادي جديد من جنس القاعدة ، قد يفوقه في درجة إيقاع الإيلام بالعدو.

إزاء ذلك فإن السيناريو الذي نتحدث عنه يرى في الأفق ملابسات تؤيد احتمال تشكيل ذلك الجيل الجديد من جماعات العنف، الذي تغذيه ظروف أخرى مواتية في العالم العربي، وإذا صح ذلك فمعناه أن ما جرى في لندن وشرم الشيخ وكل يوم في العراق يمكن أن يتكرر في أي بقعة أخرى لها علاقة بالولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل. وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين هو العامل الأساسي في هذه الخريطة والعنصر الحيوي فيها، لاستباحته كل شيء في العراق، البلاد والعباد، لا فرق عندهم بين آمن أو محارب، كافر أو مؤمن، فالكل سواء وفي جعبة واحدة.

ويبدو أيضا أنه لم يعد مشهدا عابرا في مجرى الأحداث العالمية والشرق أوسطية في ظل عصر العولمة الراهن المحكوم بسطوة الصورة والإعلام الفضائي العابر للقارات والإنترنت، مما يزيد في خطورة هذه الظاهرة لأنه يريد فرض نفسه على الساحة الإسلامية الواسعة، من طنجة إلى جاكرتا، باعتباره صوت "الإسلام الوحيد الشرعي"، ثم طرح منهجه العنفي المسلح باعتباره البديل الأوحد في مقارعة "الأعداء" وكسر شوكتهم بسبب اختلال موازين القوة العسكرية، وخاصة الإمبراطورية الأمريكية ومن يدور ويحوم في فلكها.

ويراهن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وعلى نحو ما بينت التفجيرات الدموية التي هزت وتهز يوميا شوارع بغداد والمدن العراقية الأخرى، يراهن على تحويل معاركه ومنازلاته الكبرى إلى مشاهد استعراضية "هوليودية" للقتل الجماعي بغاية إلحاق أكثر ما يمكن من الأذى والضرر بالخصم، بغض النظر عن نوعية الضحية وموقعه من المسؤولية في سياسات وخيارات الدولة التي ينتسب إليها، وهي الدولة المرتدة في أدبياتهم، فكلما وجد هذا التنظيم المسلح فرصة للتسلل إلا وضرب عشوائيا وبشراسة ودموية بالغتين على نحو ما جرى في مدينة المسيب والحلة وبغداد الجديدة وغيرها من المدن، لتتجه جماعة الزرقاوي في إستراتيجيتها إلى تغييب الخطوط الفاصلة بين عالم السياسة وعالم الجريمة المنظمة، بحيث لا تنفصل عندها الأهداف والمطالب السياسية عن "أساليب إجرامية" تتوخى القتل وإرهاق الدماء.

ورغم أن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يؤسس شرعيته الفكرية والإيديولوجية على مسوغات دينية تأخذ بمبدأ القتل بالشبهة والبعث في الآخرة على حسب النية والقصد والتترس، ويتكلم قادته لغة عامرة بالرموز والإحالات الدينية والشرعية، إلا أنها في حقيقة الأمر وعلى نحو ما بين الباحث الانجليزي جون جراي في كتابه "القاعدة، وما معنى أن يكون المرء حديثا"، تبدو "أقرب ما يكون إلى الجماعات الرومانسية والفوضوية الثورية ANARCHISME التي نشأت على تخوم الحداثة الغربية، ويتضح ذلك من جهة تعلقها بفكر ذرائعي لا يتردد في استخدام ما هو متاح من الوسائل، حتى ولو كانت بشعة، ثم نزعتها الجذرية المراهنة على تغيير العالم بفعل إرادي عنيف لا يقبل التردد أو المساومة".

* الدبلوماسية في مواجهة تردي الأوضاع الأمنية:

يلاحظ المراقب بأن الأوضاع الأمنية تزداد سوءا وتفاقما بدلا من التحسن التدريجي، باعتبار أن الحكومة العراقية المؤقتة هي المسئولة مباشرة بالملف الأمني ومنه أمن السفارات والقنصليات. وهنا النقطة التي يبدأ المراقب والمحلل فيها بنوع من الشك وإعادة النظر؟! لماذا تزداد الحالة الأمنية تراجعا في الوقت الذي يجري فيه وعلى مدى العامين المنصرمين بناء قوات جيش وشرطة جديدة؟ إذ إن المتوقع تحسن الأوضاع الأمنية وبالتدريج كلما تم تخريج دفعات جديدة من الشرطة والجيش الجديدين, فالعلاقة بينهما مباشرة وطردية ؟! هذا ما تؤكده الدراسات الإستراتيجية العسكرية على الأقل في الأوراق (التقرير الأخير الصادر عن البنتاغون يشكك في قدرة قوات الأمن والجيش في السيطرة على الأوضاع والتحكم فيها في حالة الانسحاب الكلي أو الجزئي للقوات الأمريكية).. فبالرغم من الحديث المتكرر من جانب الحكومة العراقية أو القوات الأمريكية حول السيطرة على الأوضاع في العراق عموما ومنطقة بغداد والمثلث السني خصوصا، إلا أن المؤشرات في الميدان تفند بشكل كبير هذه المقولة، بعد أن فتح تنظيم القاعدة جبهة أخرى لاستهداف الدبلوماسية والدبلوماسيين في بغداد وخاصة العرب منهم.

كما أن عملية اختطاف وإعدام السفير المصري والدبلوماسيين الجزائريين وجرح القائم بالأعمال البحريني الذي نجا من عملية اغتيال، قد أثارت عدة تساؤلات، منها: من المستفيد من عمليه خطف وإعدام الرهائن الدبلوماسيين؟ ومن يقف ورائها حقيقة؟ وهل عملية الاختطاف ثم الإعدام جاءت لإبعاد مصر والجزائر والبحرين من المشاركة والتمثيل الدبلوماسي حتى لا يكون لها دور في العراق، وعدم تشجيع الدول العربية الأخرى في فتح سفاراتها في بغداد، ليبقى العراق في معزل عن الدول العربية وبالتالي يفقد انتماءه العربي مع مرور الزمن لصالح انتماءات إقليمية أخرى نرى تداعياتها في حيثيات مسودة دستور العراق الجديد؟ علما، بأن الإدارة الأمريكية كانت قد ألحت على الدول العربية إرسال بعثات دبلوماسية إلى العراق، وعدم الانجرار إلى التهديدات التي أطلقتها مجموعات مسلحة وعلى رأسها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين على الممثليات الدبلوماسية، "دعما للاستقرار وتلبية لحاجات العراق الجديد الديمقراطي".. الذي حدث أن العديد من البعثات العربية قد سحبت كليا أو جزئيا أو قلصت وجودها في العراق أو نقلت ممثلياتها الدبلوماسية من بغداد إلى عمان نتيجة الانهيار الأمني هناك.

* هل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين حجرة عثرة لطرد المحتل؟؟

المقاومة في العراق بعناوينها الإسلامية والوطنية وببعديها السياسي والعسكري أخذت بعداً شعبياً شاملاً، بحيث انخرطت فيها وبأشكال مختلفة كل الشرائع الاجتماعية، سنية وبشكل أقل شيعية وكردية، وهذه تعتبر الركيزة الأساسية لانتصار أي مقاومة ضد محتل أجنبي، فما بالك إذا كان هذا المحتل هو القطب الأوحد في العالم؟. هذا في التركيب البنيوي الشعبي، أما في أبعاده الوطنية، فإن المهم في حضور المقاومة المشدودة إلى حلقتها الوطنية هو طبيعة خطابها السياسي.

- فالمقاومة الوطنية، وإن كانت تواجه بعض المعوقات في بعض المناطق –خاصة الشيعية في الجنوب- بما يحول دون وقوف المقاومين على أرضية جغرافية ملائمة، إلا أن وقوفها على أرضية موقف سياسي وطني لعموم العراق بكل أطيافه وفئاته، يعوض ما يترتب على المعوقات، ويساهم في إعادة تكوين القناعات السياسية على قاعدة أن لا سبيل لإعادة توحيد العراق على أسس وطنية إلا بموقف وطني موحد معارض ومقاوم للاحتلال بكل تعبيراته وتشخيصاته وواجهاته.

- المقاومة الوطنية أصبحت حقيقة واقعاً في حياة الشعب العراقي وإن اختلفت أشكال التعبير والمشاركة فيها. وهذه المقاومة أصبحت الطرف الأكثر شرعية في تمثيلها السياسي مقارنة بغيرها من الهيئات والتنظيمات السياسية الموجودة في الساحة العراقية التي جاء أغلبها على ظهر الدبابات الأمريكية ومع المحتل الغاشم، وهذا رغم المواقف السلبية في الكثير من الأحيان لجماعة الزرقاوي التي ساهمت من حيث تعلم أو لا تعلم في تشويه صورة المقاومة العراقية الحقيقية في مواجهة المحتل.

- أميركا التي صورت مسيرة حربها إلى العراق بأنها من أجل محاربة الإرهاب العالمي ونشر قيم الديمقراطية والحرية، ظنت خطأ بأن مسيرتها العسكرية المغامرة ستكون نزهة وأنها ستكون محدودة الخسائر، فلم يطل الوقت كثيراً -أياما معدودات-، لتستفيق على صعوبات تواجهها في المستنقع العراقي وأهواله، وأن هذه الصعوبات التي تراكمت عناصرها يوما بعد يوم، تحولت إلى مأزق يؤرق الإدارة الأمريكية بحمائمها وصقورها..

- إن هناك أسباب مغذية ودافعة لبعض عمليات العنف و"الإرهاب" في العراق أو خارجه، قد يصلح لتفسير الظاهرة. ولكنه، في كل الأحوال، لا يبررها ولا يلتمس لها أي وجه من وجوه الشرعية، وهذا ما يفرض على القيادات العلمية والفكرية والفعاليات السياسية والإسلامية مواجهة هذه الظاهرة بقدر كبير من الصرامة والحزم لما تمثله من مخاطر على واقع الاجتماع العربي الإسلامي قبل خطرها على الخارج، وذلك بالقيام بالتالي:

أولا: نزع الغطاء الشرعي عن الأعمال "الإرهابية" وما يبررها، والتي يرتكبها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين حتى يتحرر الإسلام والمسلمون من تبعات بعض الأعمال الطائشة لهذه المجموعة، التي شوهت إلى حد ما المشروع الجهادي العراقي، وبذلك تكاد تتطابق اليوم صورة المسلم والعربي، مع مفجر القنابل وممزق الأجسام بدافع الدين والعقيدة!!.

ثانيا: رفض المنهج التكفيري القائم على الغلو والتساهل في فتاوى القتل مع ما يستتبع ذلك من إرهاق الدماء وإزهاق الأرواح البريئة التي حرم الله قتلها إلا بحقها، كشطب جزء من الجسم العراقي تحت عنوان "الروافض" (الشيعة)، ومن ثم الانتقال للمساس بدائرة "أهل السنة والجماعة" بحجة أن هذا أشعري العقيدة، وذاك معتزلي، وهذا من مذهب الرأي والفلسفة، وذاك من أهل التصوف، وهذا منحرف العقيدة وذاك متهم في دينه وولائه... فهم من هذه الناحية مشروع حروب طائفية ومذهبية وتناحرات سياسية لا حد لها. .

ثالثا: تحرير القضايا العربية والإسلامية العادلة من قبضة الاختطاف والإعدام والتصفية التي يقوم بها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، بالزعم بأنهم المدافعون الجادون لعاصمة الرشيد ودار الخلافة العباسية من جحافل المستعمرين الجدد أحفاد التتار المتوحشين، في حين أن واقع الحال يشهد أن منهجهم العنفي أضحى عبئا ثقيلا ومكلفا للمسلمين قبل غيرهم، وللمقاومة العراقية، وذلك بسبب ما يحدثونه من تشويش وخلط بين المقاومة المشروعة للاحتلال وبين العنف الأعمى والقتل العشوائي الأهوج.

هذا التوصيف لا ينفي في حقيقة الأمر أن الولايات المتحدة ساهمت بشكل أساسي في إجابات خاطئة على قضايا الإسلام المشروعة والحقيقية تخص علاقة الغرب المسيحي بعالم الإسلام وجغرافيته الواسعة.

ومن الواضح أن ثمة خللا بائنا في علاقة القوة الأمريكية بالعالم الإسلامي الواسع وبالمنطقة العربية على وجه الخصوص، فهناك إرث استعماري ثقيل ولد جراحات غائرة في أعماق النفوس وبنيان المجتمعات الإسلامية، فواقع الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني الراهن في فلسطين وما يلقاه من دعم سخي عسكري ومالي وسياسي بلا حدود من القوى الغربية عامة والأمريكية خاصة، و مشاهد التقتيل اليومية وهدم البيوت والاستيلاء على الأرضي، وبناء جدار الفصل العنصري المحرم من قبل الأمم المتحدة بعد صدور فتوى محكمة العدل الدولية بلاهاي، وتوسيع وبناء المستوطنات، تثير كما هائلا من الأحقاد في صدور العرب والمسلمين كما تدفع بعض الجماعات المغامرة والواقعة تحت تأثير هذا الغضب إلى توجهات عنفية مدمرة، تجد فعلا من يتبناها ويؤيدها من الشباب العربي المسلم، بعد أن نفضت كل الدول العربية والإسلامية أيديها من قضايا الظلم والحيف المسلطة على أجزاء من جسم الأمة الإسلامية، في فلسطين والعراق وأفغانستان والكشمير والشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفا ومندناو جنوب الفلبين وفطاني ووو...كيف لا يمتلئ الشارع العربي والإسلامي غضبا وتوترا، مثلا، وهو يرى الصواريخ الإسرائيلية الأمريكية تقطع وتبعثر أشلاء جسم رجل مقعد مثل الشيخ أحمد ياسين ثم يطل عليها الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض الأمريكي "ماكليلان" ليقول: "إن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها وتعقب الإرهاب والإرهابيين"، فأين هي العدالة بين من يمتلك الصواريخ والطائرات الحربية والدبابات ليفتك بها الفلسطنيون، وبين من يملك إلا الحجر والحياة والشجاعة لمواجهة الترسانة الأمريكية- الإسرائيلية الفتاكة؟؟؟

وعوض أن تتدارك الإدارة الأمريكية أخطاءها في الساحتين الفلسطينية والعراقية وتبادر إلى مراجعة علاقتها المختلة من أصلها بالعالم العربي والإسلامي، فإنها اندفعت نحو قسوة غير معهودة بالالتزام القوي بتأييد إسرائيل لأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة والتي تدافع عن قيم الغرب المسيحي اليهودي،فعملت على حراسته وتقوية أنيابه الحادة. كما دافعت ورافعت عن الاستبداد السياسي في العالم العربي بإغلاق منافذ الحوار والتواصل مع القوى الحية الفاعلة، ساهم في شحن الساحة السياسية والفكرية العربية بعوامل الاحتقان والتطرف التي لم تكن القاعدة الأم وابنها الشرعي تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين إلا واحدة من تعبيراتها.

أخيرا، وبهذا تكون المقاومة في العراق قد فرضت على أميركا بداية التفكير بإعادة النظر بإستراتيجيتها العسكرية، وإذا كانت هذه الإدارة لا ترى في ظل ما تتكبده من خسائر وما تواجهه من معوقات في العراق أنها على عتبة انسحاب سريع، فإنها وبعد هذه التجربة الأليمة لن تقدم مرة أخرى على مغامرة عسكرية كالتي أقدمت عليها في العراق، وهذا ما يجب أن يدركه كل الذين سكتوا أو تآمروا مباشرة أو غير مباشرة، وكانوا يعتبرون أنفسهم أنهم كانوا مدرجين في لائحة الأهداف المستقبلية لمرحلة ما بعد احتلال العراق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد صالح

تحية طيبة نعجب من اختلاف الرؤى مع تبابن الاتجاهات وعدم التناغم مع الاسف على من نأمل فيه ونتعجب ممن لا نأمل فيه

الفتنة الطائفية و النظرية الأمريكية القذرة حول ما يسمى بالتآمر على الشيعة في العراق

لقد قلنا منذ أن كان الأمريكان يحضرون لغزو العراق بأن ما سيحدث لهذا البلد العزيز من تدمير لن يشمل فقط بنيته الثقافية والعسكرية والإقتصادية بل وبنيته الإجتماعية كذلك. وهنا لا بد من القول أن من يتوهم بأن الأمريكان لم تكن لهم خطة موضوعة لما بعد إحتلال العراق فهو أما أعمى أو متعامي. فلقد تبين بشكل واضح وجلي أن أول ما فعله المحتلين هو تدمير كل ما له صلة بتأريخ العراق الثقافي سواء بشكل مباشر من قبل جيوشهم الغازية أو بواسطة عناصر المخابرات الصهيونية والكويتية التي جلبوها معهم، ثم جاء دور حل الجيش العراقي وتبعه خصخصة الإقتصاد العراقي وبيعه بالكامل للمستثمرين الأجانب وبضمنهم المسثمرون الصهاينة. وبعد أن إنتهت المراحل التدميرية الأولى لبنيات العراق تلك بهذه السهولة بدأت المرحلة الأخرى من العملية التدميرية المرسومة مسبقاً ألا وهي الإنقضاض على البنية الإجتماعية للعراق من خلال سياسة "فرّق تسد" الإستعمارية القديمية، التي إبتدعها وطبقها البريطانيون في كل مكان إستعمروه.

وإضافة لأعمال إجرامية مشابهة أخرى حدثت منذ بدء الإحتلال الأنكلوأمريكي الصهيوني للعراق فإن ما حدث بالأمس من جريمة مروعة بحق الشيعة العراقيين في كربلاء والكاظمية المقدستين ما هو إلا حلقة رئيسية من حلقات تدمير البنية الإجتماعية العراقية المرسومة والمعدة مسبقاً للنيل من التآلف بين الطوائف الدينية العراقية المشهود برسوخها وأصالتها على مدى عقود عديدة من الزمن.
وللتحضير لهذه الجريمة والجرائم المشابهة التي ستلحقها بالتأكيد والتي كانت الغاية الرئيسية من وراءها هي إشعال فتنة طائفية تم التخطيط لها بتمعن من قبل الأمريكان والصهاينة بالتعاون مع عملاءهم من العراقيين دأبت أوساط أمريكية وعلى كل المستويات بالتحدث مؤخراً عن إمكانية وإحتمالية حدوث مثل تلك الجرائم في العراق. ولم تكن تصريحات وفد الجامعة العربية ووفد الأمم المتحدة برئاسة الأخضر الإبراهيمي الذي زار العراق مؤخراً عن إحتمالية حدوث مثل تلك الجرائم قد جاءت من دون معرفة مسبقة لما تم التخطيط له في العراق. فالمخابرات الأمريكية والصهونية قد درست وحللت بعناية مواقف تنظيم القاعدة من الطوائف الإسلامية الأخرى، ومن مواقف القاعدة هذه وضعت المخابرات الأمريكية والصهيونية خططها لإشعال الفتنة الطائفية في العراق. وحسب تحليل علمي ومنطقي نشر مؤخراً في أحد أجهزة الإعلام الغربية فقد إستندت أجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية وبشكل لا يدعو للشك على فتوى حديثة من قبل عبد الرحمن البراك الذي يعمل أستاذاً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، التي تدرب رجال الدين الرسميين، عندما سُئِلَ إن كان مسموحاً للسنة بإعلان الجهاد ضد الشيعة، حيث أجاب، "إذا أصرّ الشيعة في بلد يسيطر فيه السنة على ممارسة ديانتهم علانية، فالجواب هو نعم، حيث لن يكون لدى هذا البلد أيّ خيار غير شن الحرب عليهم، إذ أن الشيعة ليسوا مسلمين على الإطلاق"!!!. إضافة لتحليل تلك المخابرات لكتاب حديث كتبه الشيخ السعودي يوسف بن صالح العييري، الذي يعتبر من أكثر الداعين لفكر القاعدة، والذي عنوانه "مستقبل العراق والجزيرة العربية بعد سقوط بغداد" حيث إدعى فيه أن "للصليبين والصهاينة ثلاث حلفاء، هم العلمانيون والشيعة والسنة المتساهلون".
وحيث أن تنظيم القاعدة لم يعلن مسبقاً وبأي شكل من الأشكال عداءه للشيعة بالشكل الذي ورد في المصدرين الحديثين أعلاه، وكما قال الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك أن "القاعدة لم يسبق لها أن تلفظت بكلمة تهديد ضد الشيعة من قبل بالرغم من أن القاعدة منظمة سنية بحتة، ولكن لأسابيع وسلطات الإحتلال الأمريكية تحذرنا من نشوب حرب أهلية، ورغم تحذيراتها تلك حدثت تلك المجزرة، فيا لها من صدفة!!!". ويضيف فيسك قائلاً، "أنا أسترجع ما فعله الفرنسيون في عام 1962، من تفجير لقنابل بين الجالية الإسلامية الجزائرية في فرنسا. وأسترجع الجهود اليائسة للسلطات الفرنسية لوضع المسلم الجزائري ضد المسلم الجزائري والذي أدى في النهاية لإزهاق أرواح نصف مليون إنسان". ويستطرد فيسك موضحاً، "الأمر ليس أنني لا أصدق بأن القاعدة عاجزة عن عمل مجزرة كتلك. لكني أسأل نفسي لماذا يكثر الأمريكان من إستخدام مسألة سني وشيعي قبل وبعد إحتلالهم للعراق؟

من هذا نرى أن المخابرات الأمريكية والصهيونية وعملاءهم من العراقيين قد إستخدموا تلك الآراء لوضع خططهما موضع التنفيذ والتي إبتدأت قبل أسابيع قليلة عندما نشرت قوات الإحتلال وثيقة تدّعي أنها رسالة من أبي مصعب الزرقاوي يدعو فيها للفتنة الطائفية في العراق من خلال شن هجومات على مواطني الطائفة الشيعية. ورغم علامات الإستفهام المتعددة عن صحة هذه الوثيقة، رُبّ سائل يسأل: طالما أن تنظيم القاعدة يضمر مثل هذا العداء للشيعة فلماذا لا يكون هذا التنظيم فعلاً وراء الأعمال الإجرامية الأخيرة في كربلاء والكاظمية؟ والجواب على ذلك بسيط جداً، وهو لو كان تنظيم القاعدة أو الحركات السنية الأخرى تسعى من خلال مقاومتها للإحتلال الأمريكي للعراق تأسيس حكم إسلامي في هذا البلد فكيف بهم يجعلون أكثرية مسلمي العراق الذين هم من الشيعة يقفون ضدهم؟

فمنذ بدأ المقاومة المسلحة للإحتلال دأب الأمريكان على إتهام مواطنين عرب بكل ما يحدث في العراق، ولم ينجو من أصابع الإتهام تلك أؤلئك الذين قاموا بالجريمتين الأخيرتين في كربلاء والكاظمية، ولكن وكما في كل جريمة من هذا النوع يبقى الفاعلون مجهولون فلا أحد يعرف من قام بها فعلاً بالرغم من إدعاء الأمريكان في كل مرة بإلقاء القبض على مشتبه بهم فلا ظهرت أسماءهم أو صورهم أو جوازات سفرهم في أي منبر إعلامي يشرفون عليه سواء في العراق أو خارجه. وفي هذا الصدد يجب الإشارة هنا إلى ما صرح به الشيخ جواد الخالصي من أن قذائف قد أطلقت على ضريح الإمامين في الكاظمية من نقطة سيطرة أمريكية تقع عند جسر الأئمة الذي يربط منطقتي الكاظمية والأعظمية. فمن ذا الذي يسمح له الأمريكان أن يطلق مثل تلك القذائف من قاعدة عسكرية تابعة لهم؟

وعند السؤال عن الأسباب الخفية وراء هذه الجرائم البشعة، يكون الجواب على ذلك ببساطة هو أن تلك الجرائم تصب أولاً وأخيراً في مصالح المحتلين والصهيونية العالمية، وكما قال روبرت فيسك "خوف شديد من الحرب الأهلية يدفع العراقيين لمسايرة أي خطة تقترحها أمريكا لبلاد الرافدين"، إضافة لإيجاد أرضية لإستمرار بقاء قواتهم في العراق، وما تصريح غرينستوك، ممثل بلير ومساعد بريمر في إدارة الإحتلال، بالأمس حول تصميم قوات الإحتلال على البقاء في العراق لسنوات عديدة قادمة نتيجة لجريمتي كربلاء والكاظمية إلا ترجمة لنواياهم تلك وهدف رئيسي آخر وراء تلك الجرائم

بالرغم من أن الفترة التأريخية التي مر بها العراق منذ الإحتلال وحتى الآن هي فترة مظلمة وشرّيرة جداً نجد مع الأسف أن أكثر المرجعيات الدينية، شيعية منها أو سنية، لا زالت تحابي المحتلين وعملاءهم من خلال تصريحات أقل ما يقال عنها أنها ذر للرماد في عيون العراقيين. إن المرجعيات الدينية وبكل أطيافها ودرجاتها الفقهية مدعوة الآن أكثر من أي وقت مضى لقول رأيها الصريح بالإحتلال وأفعاله الإجرامية وعدم مهادنته بأي شكل من الأشكال، ولا نظن أن سماحة الشيخ محمد مهدي الخالصي، دام ظله، قد عزف عن الشريعة الإسلامية السمحاء حين وجه رسالته إلى العالم في 5 جمادي الثانية 1423ه، 14/8/2002م حين قال:

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى وهو أصدق القائلين، "....ولا تعاونوا على الإثم والعدوان". فنظراً لمواقف الإدارة الأمريكية المصهينة، المتسمة بمنتهى العدوانية والغطرسة الآثمة من عموم قضايا العالم المعاصر، وإتباعها لسياسة الإستبداد المطلق على صعيد المجتمع الدولي، مع الفساد المستشري في دوائرها، وتبنيها الحرب الصليبية القذرة ضد الإسلام والمسلمين بالخصوص، لا سيما في فلسطين وأفغانستان، وإنحيازها الجائر للطغمة التلمودية الحاقدة، وإسنادها لأعتى الأنظمة الإستبدادية الفاسدة، رغم إدعاءات التحضر والعلمانية والديمقراطية، بجانب نياتها المبيتة ومشاريعها المعلنة للإحتلال العسكري بدءا بالعراق فسائر الأقطار بهدف السيطرة على مقدراتها وحذف حضارتها والإستحواذ على منابع الثروة فيها، تمهيداً لمزيد من التجزئة وإخضاعها للمطامع الصهيونية والمآرب الإستعمارية.

بناءً على هذه الحقائق المروعة التي يؤكدها واقع السلوك الأمريكي بإستمرار، فإن مقاومة عدوان هذه الإدارة الشريرة، في ظل أية راية، تعتبر واجباً شرعياً وجهاداً في سبيل الله مع القدرة وصدق النية، ويعتبر السكوت عنه إثماً، والتعاون معها ولو بأدنى كلمة، من أي نظام أو فرد أو جهة، كمجموعة الستة التي إختارتها إدارة شريرة بهذه الصفة وتحت أي ذريعة ضد أي قطر إسلامي، يعد تعاوناً مع العدو ومن أجلى مصاديق التعاون على الإثم والعدوان بل الإنحدار إلى المروق عن الدين والخيانة لله ولرسوله ولأمة الإسلام والوطن. فإن تجليات العدوان الأمريكي لم تترك عذراً لمعتذر. أما إصلاح أوضاع المسلمين والأوطان وتخليصها من الظلم والفساد فمهمة شرعية يقوم بها أبناء الأمة الصالحون وليس للدخيل الأجنبي وعملاءه دخل فيه، و((من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها، ذلك الخزي العظيم))، صدق الله العظيم.

محمد مهدي الخالصي



الدكتور محمد العبيدي


علي

قتل المدنيين في العراق والمشهد الأخير

عامر الكبيسي / بغداد 22/6/1426
28/07/2005


نحن الإعلاميين في العراق عندما نريد استقاء الأخبار الميدانية وعلى رأسها الأمنية، والتي تتعلق- غالباً- بالانفجارات التي تحصل على الأرض العراقية هنا وهناك فإن أخبارنا غالباً ما تأتي من مصدرين.
المصدر الأول: هو المصدر الأمني والذي يتمثل برجال الشرطة الذين يحملون معهم أجهزة الاتصال اللاسلكي؛ إذ تمر من خلال هذه الأجهزة مجموعة المعلومات المتكاملة والمتمخضة من تناقل الحوادث الجارية بعد وقوعها بمدة زمنية قد تكون قصيرة نسبياًً، وهو ما يعني أن المعلومات ستمر بشكل متدفق عبرهذه الأجهزة من زمن وصول الشرطة
إلى مكان وقوع الحادث وإرسال الرسائل الصوتية إلى من يهمه الأمر بإعطاء تقرير مبسط عن الحادث يسمعه كل من يحمل تلك الأجهزة
ورجال الشرطة، هؤلاء بدورهم -ووفق تنسيق خفي مرة ومعلن أخرى- يعمدون إلى تمرير تلك الأخبار بحثاً عن المال إلى بعض الصحفيين الذين يقومون بدورهم بإيصال تلك الأخبار إلى الوكالات الإخبارية المنتشرة في طول البلاد وعرضها وفي الحقيقية -وبحسب الاستقراء العام لمجمل الأخبار التي تم تناقلها على هذه الشاكلة- تكون نسبة المصداقية فيها كبيرة جداً، وإن كانت غالباً ما تعطي الأرقام الأولية لعدد الضحايا، كما يُؤخذ عليها غالباً التدليس في عملية نقل بعض الأخبار إلى مسؤوليهم بحيث يذكرون أعداد القتلى من المدنيين من غير الإشارة إلى سبب سقوطهم: هل كان ناتجاً فقط عن انفجار العبوة أو السيارة المفخخة على سبيل المثال أم كان الكثير منهم قضى نتيجة الرد العشوائي من قبل المستهدف أصلاً في الهجوم؟
أما المصدر الثاني الذي يتم استقاء المعلومات منه فهو المصدر الطبي والذي يتمثل غالباً بالتصريحات غير الرسمية من قبل الأطباء في مختلف مستشفيات العراق، والمحافظات والتي بدورها تركز على أعداد من وصلوا إلى المستشفى بعد انفجار في مكان معين، والضحايا يكونون من المدنيين أو رجال الشرطة والحرس الوطني، بعضهم يرتدي الزي الرسمي وآخرون يرتدون الزى المدني لكن الذي يبدو ومن خلال الاطلاع على مجمل التفجيرات الناتجة بواسطة العبوات الناسفة أولاً، وانفجار السيارات المفخخة ثانياً، والمقابلات المباشرة والاشتباكات بين المسلحين وعناصر الأمن و الأمريكيين ثالثاً يبدو أن هذه الانفجارات عن طريق العبوات والمفخخات لا تخلف وحدها قتل المدنيين على الإطلاق
ففي كل حادث تفجير يقع على الأمريكيين وقوات الأمن ومن لحظة وقوعه فإن من المؤكد أن هنالك رداً عشوائياً كبيراً من قبل الأمريكيين على وجه الخصوص إذا كان الانفجار قد استهدفهم أو من قبل الحرس الوطني إذا كانوا هم المقصودين في الانفجار فالطلق العشوائي الكبير الذي يخرج من فوهات بنادق الاحتلال وعناصر الجيش له الأثر السلبي الواضح على جموع المدنيين الذي يكونون بالقرب من وقوع الانفجار والذين يسقط الكثيرون منهم بسببه، بالإضافة إلى احتراق سيارات الكثيرين بسبب إطلاق النار غير المسؤول، كذلك إذا ما توافق سير تلك الرصاصات الطائشة بعض المحال المجاورة أو البيوت المجاورة للحادث؛ مما يؤدي إلى إلحاق أضرار بالغة بتلك الدور أو المحال التجارية أو المزروعات والتي قد تنتهي إلى الحرق.
إن الأرقام الأخيرة التي تصدر من قبل المصادر الطبية لا تفرق غالباً بين من يُقتل بسبب الانفجار، وبين من يُقتل بسبب الطلق الناري العشوائي الكثيف بعد الانفجار وخاصة إذا ما عُلم أن معظم المستشفيات العراقية -وبسبب حوادث القتل الكثيرة- غالباً ما تترك الأبحاث الجنائية وأسباب الموت لعدة أسباب قد تتعلق في الكثير منها بعدم قدرة المستشفيات على القيام بهذه المهمة، وتخصيص جهودها لاستيعاب الأعداد القادمة من المصابين والقتلى في كل يوم، ناهيك عن عدم وجود من يسأل عن الكثير من القتلى بعد موتهم أو العثور عليهم ربما بعد أيام كثيرة، وهو الأمر الذي يجعلهم يخرجون من ثلاجات الموتى من غير تدقيق عن الأسباب الكامنة وراء قتلهم، وما على الأهل سوى احتساب الأمر إلى الله، والإسراع بأبنائهم إلى المقابر، وتُقيد أعمال القتل بعدها ضد مجهول.
لذلك عندما يُذكر في وسائل الإعلام أن الانفجار نتج عنه قرابة عشرة قتلى من المدنيين فإن هذا يُعدّ المشهد الأخير وحسب .... وما خفي من طيات هذا الرقم قد يكون من المستحيل معرفته في ظل لظروف الراهنة؛ إذ هل من المعقول أن تذهب حالة الإطلاق العشوائي في كل انفجار أدراجها من غير أن تصيب أحداً من المارة، وخاصة إذا عُلم أن هذه الحالة لا تتكرر فحسب بل هي أشبه ما تكون بتوصيات أمريكية إلى مجموعات العناصر الأمنية التي دربتها، والتي تعلمت منها أن الانفجار إذا وقع فإن عليها أن تتنبه إلى احتمال وجود هجوم آخر أو عملية اشتباك قادمة، ولذلك عليها أن تزيد من النيران التي تطلقها لبث الرعب في صفوف المهاجمين أو للقضاء على من يختبئ منهم في مكان ما، كأن يكون صاحب الجهاز الذي فجّر العبوة أو السيارة عن بعد، أو حامل الكاميرا التي تصور الحادث لحظة وقوعه، أو مجموعة أخرى تريد أن تنقض على آخرين قد يكون الهدف أخطأهم ومن الجدير بالذكر أن هناك أشبه ما يُعرف بالتدليس الخبري سواء كانت الجهة الإعلامية قاصدة ذلك أم لم تكن وغالباً ما يحصل التدليس بذكر أعداد من سقطوا بوصفهم عراقيين وحسب، ويبدو هذا واضحاً في العناوين الرئيسة التي تريد الاختصار في عدد الكلمات قدر الإمكان والتي تنتهي إلى القول بأن عدداً من العراقيين سقطوا في العراق بين قتيل وجريح والتدليس يكون هنا بأن من بين هؤلاء رجال شرطة وآمنين وحرس وطني، وبالطبع نحن نتفق على أن هؤلاء هم عراقيون لكن ذكر الخبر بهذه الطريقة للاختصار أو للتدليس عن الحقيقية، ولا يعدو كونه خطأً جوهرياً، ومن ذلك ما يحفل به كذلك الشريط الإخباري في القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت، والتي تريد الاختصار فتقع هي الأخرى بخطأ التدليس وكان من الأجدر أن تذكر الحصيلة منفصلة تماماً بين العراقيين المدنيين ورجال الحرس والشرطة أما الحالات الأخرى، والتي يقع فيها من يرتدي زي المدنيين ويُعدّون على أنهم من بين القتلى المدنيين فتبدو موجودة أو كثيرة؛ فقد صرح وزير الداخلية العراقي قبل الدخول فيما اصطلح على تسميته بعملية البرق الأمنية أن هناك أكثر من أربعين ألف رجل أمن سيشاركون فيها، وسيُمثّل أكثر من ثلث هؤلاء باللباس المدني لتشتيت نظر الفئات المسلحة، ولإمكانية تعقبهم بعد الهجمات، فعندما يسقط من هؤلاء قتلى -غالباً إن لم نقل دائماً- يحسبون على أنهم مدنيون سقطوا جراء التفجيرات وأعمال الاغتيال، كما أنهم يزاولون الأعمال الحرفية أو يبتاعون بعض البضائع على قارعة الطريق لنقل المعلومات، وهذه الطرق واضحة ولا تكاد تخفى على الشارع العراقي، والذي يتداول خبراً ما في مكان ما ربما مفاده أن من يبيع البنزين أو السجائر هنا تابع للأجهزة الأمنية أو على أقل تقدير يساهم في نقل المعلومات الاستخبارية إلى الأجهزة الأمنية، وإن كان الشيء نفسه يحصل مع الجماعات المسلحة، والتي من الواضح أنها تجعل لها في حي أو منطقة عيناً تراقب التحركات، ومن غير هؤلاء هنالك الكثير من عناصر الأمن غير المشاركين في عملية البرق يرتدون الزي المدني، ومن الممكن أن تتجول في بغداد وتجد أن الكثير من نقاط التفتيش يختلط فيها المدنيون وغير المدنيين، كما أن الكثير من حالات الاعتقال كان يشارك فيها من يرتدي الزي المدني ويحمل السلاح.
أما الحالات الأخرى من وقوع مدنيين قتلى، ويتم العثور عليهم بعد مدة فقد ازدادت هذه الحوادث بشكل خطير، وكلهم يوجدون مقتولين ومعذبين بشكل مرعب بعد أن دُوهمت منازلهم من قبل عناصر الشرطة العراقية والحرس الوطني أو ما اصطلح عليه بالقول :إنهم ممن يرتدي زي الشرطة العراقية أو الحرس الوطني، وفي أوقات يكون التجول فيها ممنوع حتى وصل الحال بهيئة علماء المسلمين إلى القول بأن الحكومة العراقية وعلى يد أجهزتها الأمنية الكثيرة تمارس إرهاب الدولة بقتل هؤلاء وقد يكون هؤلاء قد تمكن ذووهم من معرفة جثثهم أو قد أبلغوا عن اختفائهم قبل موتهم، لكن آخرين يوجدون مقتولين وبشكل كبير من غير أن يعرف أحد من أخذهم ومن أين ومتى قُتلوا، وبيد من.
ورغم أن التقرير الأخير الذي صدر عن لجنة الإحصاء العراقية البريطانية الأمريكية التي وُصفت بالمستقلة يقول: إن عدد من سقط فقط بنيران القوات الأمريكية يُقدر بالآلاف فإن هذه الآلاف قليلاً ما تجد صداها في وسائل الإعلام وخاصة تلك
المنابر الإعلامية التي أوجدتها قوات الاحتلال بعد دخولها العراق، والتي يبدو من الواضح أن مهمتها لا تعدو كونها تبرئة قوات الاحتلال من كل تهمة تلتصق بها وتحويل تلك التهم إلى عناصر المقاومة أو الجهات الخارجية القادمة من خلف الحدود، والتي لا تأتي بخبر من قريب أو بعيد عن أي بيان أو صورة تنشرها الفصائل المسلحة سواء تلك التي تستهدف الأمريكيين أو التي تتبرأ من قتل مدنيين بل حتى تعد الأمر حد إلصاق التهم، واختلاق أكاذيب لا أساس لها من الصحة عن قتل مدنيين بيد العناصر المسلحة؛ إذ قامت الكثير من القوات العراقية بعرض صور لمن قالت: إنهم مجرمون ينتمون إلى فئات مسلحة وقتلوا الكثير من العراقيين، ويتم ذكر هؤلاء بالاسم الصريح، لكن الذي يحصل وفوجئت به الكثير من الجهات التي يعنيها
الأمر هو أن المقتولين الذين تم ذكرهم خلال التحقيقات واعترف "المجرمون "بقتلهم يأتون إلى هيئة علماء المسلمين أو نقابة المحامين العراقية، ويقولون لها :لقد ذُكرت أسماؤنا في هذه التحقيقات على أننا قد قُتلنا بيد من خرجوا من على تلك الشاشات، ونحن مازلنا على قيد الحياة، ويبدو أن الخوف يتملكهم وبدؤوا يعتقدون بأن أسماءهم كانت على قوائم معينة أُريد لها التصفية لكنها كُشفت خطأً، وأن أيامهم القادمة أيام معدودة
ومن ذلك أصدرت نقابة المحامين العراقية تقريراً كاملاً عن الأكاذيب التي نُشرت على لسان معتقلين أجبروا تحت التهديد وحسب التقرير على كلام لا أساس له من الصحة ثم تأتي الحوادث الدامية التي لا يتبناها أحد ولا يُعرف من يقف وراءها إلى اليوم ومنها الحادث الإجرامي الرهيب الذي حدث في مدينة المسيب جنوب بغداد والذي راح
ضحيته(90) قتيلاً عراقياً وجُرح (150) آخرون كلهم من المدنيين بالإضافة إلى الحادث المروّع في بغداد الجديدة، والذي قُتل فيه أطفال بعمر الورود، والذي لم تتبن أي جهة
مسؤوليتها عن الحادثتين الأليمتين بل على العكس من ذلك حيث نفت جهات مسلحة في العراق مسؤوليتها عن العملية، ولكن وإلى الآن ما زال التركيز إعلامياً وسياسياً على أن من قام بهذه الفعلة هم الجماعات المسلحة في العراق، وإن كان المسؤول عن حفظ أمن هؤلاء المدنيين هم قوات الاحتلال والقوات الحكومية، وإذا كنا أطلنا الحديث عن قتل المدنيين بيد غير العناصر المسلحة فإن العناصر المسلحة في العراق متهمة كذلك بهذا الموضوع، وإن من بينها من أوغل في قتل المدنيين بحجج التترس مرة، وبحجج لا يستقيم معها دليل شرعي أو عقلي، وخاصة ما كان يحصل في حوادث الخطف التي يريد المختطفون التعويض المالي عليها وبعدها يقتلون بعض الأبرياء، الأمران اللذان لا يرضاهما العقلاء من أهل العراق ولا رجال العلم فيه غالباً على المستوى الشعبي أو النخبوي على خلفية أن قتل المدنيين العراقيين خط أحمر يجب الوقوف عنده وعدم تجاوزه بحال من الأحوال، ولكن ومن الظلم أن يكون البلاء كله يقع على عاتق الفئات المسلحة، وتُترك التهمة بعيدة عن أصحابها الحقيقيين وبهذه النهاية لا بد من القول بأن المقاومة إذا ما كانت ترفع شعاراً إسلامياً لا لبس فيه فإن عليها أن تتحرى في عملياتها عدم استهداف المدنيين كخطوة أولى كما
أن عليها أن تسارع بالنفي في كل حادثة هي براء منها.


أرجو أن يقرأ الكاتب يوسف هذا المقال جيدا بعيدا عن ....!!!


محمد محمود

إن كبرى المشاكل التي نعاني منها اليوم هي العجلة في الرأي , والوقوف مع القوي بقصد أو بدون قصد ، وأكبر من هذا كله هو التواجد ضمن خيارات العدو التي يبثها في وسائل إعلامه .

ألأخ الكاتب !

اعتمدت في تقريرك على ما تبثه وسائل الإعلام المضادة ، ومعلوم أن هناك مراكز للتضليل الإعلامي تكلم عنها البنتاجون أكثر من مرة ، ومما لا يخفى على حضراتكم أن الفاسق متهم في خبره بصريح القرآن ، قال الله " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " .فما بالك بالكافر المحارب ؟ !
استقائك المعلومات من هذه المصادر أدى إلى خلل كبير في تشخيصك لبعض الأمور منها :

ــ تشخيصك للمقاومة على أنها تفسد في الأرض لا أنها تصلح عمل المفسدين ــ أعني الأمريكان وحلفائهم ـــ إذ أن الإشكالية في الاحتلال وليست في المقاومة ، والذي يتحمل وزر ما يحدث هم الأمريكان ومن معهم باعتبار أنهم المتسبب فيما هو موجود الآن .

ــ الجزم بأن تنظيم القاعدة هو الذي يقف وراء ما يحدث ضد الدبلوماسيين ، وقد نفى التنظيم مسئوليته . وهذا يدل على العجلة والسطحية في معالجة الأمور ، والمواقف المعادية مسبقا للمقاومة الحرة .

ـــ أنك اعتمدت تقسيم الناس حسب ما يلبسونه من ملابس إلى مدنيين وعسكريين وهذا التقسيم ينكره كل عاقل ، وهو من تلبيسات الأعداء على العوام والسذج ، إذ بين من يلبسون الملابس ( المدنية ) عناصر المخابرات التي هي أشد خطرا من العسكر . والمعروف أن الناس محاربون ومسالمون ، وأن الشيعة الآن صفا واحدا ضد أهل السنة بعضهم يقاتل بعضهم يدعم من يقاتل ولولا هؤلاء ما تجرء هؤلاء ؟ علما بأن من يقوم بعمليات قتالية ضد من تسميهم أنت مدنيين لا يقصد أبدا عوام الناس كما ادعيت عليه ، وإنما يجتهد في قتل المحاربين ويصاب بعض المدنيين دون قصد ، ولا بد في القتال من مثل هذا إذ يصعب التمييز أحيانا .والأمريكان أنفسهم يقعون فيما يقع فيه اهل الجهاد في العراق . وسل سجناء أبي غريب من الرجال والنساء هل حملوا السلاح حتى يلقى بهم في السجن ، ويخبرك أكثر من مائة ألف ـــ أكثرهم من الأطفال والنساء والقواعد اللائي لا يحملن سلاحا ـــ قتلوا برصاص الاحتلال في الحرب الأولى والثانية بدون ذنب أن الأمريكان أولى بقولك من المجاهدين .

ثم لا تنادي على العرب والعروبة ثانية ، فقد ذهب ( العرب الأمجاد ) مع ( الثوار الأحرار ) إلى مذبلة التاريخ ودارت عليهم عجلة الأيام ، بعد أن أضاعوا الثورات وأتوا بالمحتل ثانية إلى ديارهم . لا تنادي عليهم .
وادعوك إلى أن تصغي بسمعك إلى من ينكرون التجمع على رباط الطين وينادون برباط الدين فلهم حديث لا ينكره عاقل.

.