القواعد الأمريكية وصراع المصالح في آسيا الوسطى

2005-7-28 | عبدالله صالح القواعد الأمريكية وصراع المصالح في آسيا الوسطى

تعرض الوجود العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى لصفعة قوية من جانب دول منظمة شنغهاي، التي تضم روسيا والصين وعدد من جمهوريات آسيا الوسطى، عندما طالبت دول المنظمة، في بيان أصدرته خلال اجتماعها الأخير في كازاخستان، بتحديد موعد لسحب القوات الأمريكية من المنطقة، وتفكيك قواعدها العسكرية في قيرغيزستان وأوزباكستان.

وبطبيعة الحال، فقد كانت روسيا والصين وراء إصدار هذا البيان، بسبب قلقهما المتزايد من استمرار التغلغل الأمريكي في آسيا الوسطى، والذي يهدد أمنهما القومي ومصالحهما الإستراتيجية في هذه المنطقة الحيوية، الأمر الذي دفع واشنطن لإيفاد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لإقناع دول المنطقة بضرورة استمرار القواعد الأمريكية من أجل مساعدة الولايات المتحدة في حربها ضد قواعد الإرهاب في أفغانستان وغيرها من دول العالم، وابلاغهم استعداد بلاده لدفع ثمن أكبر لبقاء هذه القواعد. وبعد جولة استمرت ثلاثة أيام، حصل وزير الدّفاع الأمريكي على تعهد قيرغيزستان باستمرار القواعد الجوية الأمريكية على أراضيها.

الوجود الأمريكي بالمنطقة يتركز أساساً في قاعدتين جويتين انطلقت منهما الآلاف من الهجمات على أفغانستان، القاعدة الأولى هي قاعدة "ماناس" في قيرغيزستان وتقع شمال العاصمة بشكيك، حيث تضم هذه القاعدة أكثر من ألف جندي أمريكي، أما القاعدة الثانية فهي قاعدة "خان أباد" الجوية في أوزبكستان, والتي يتواجد بها قرابة 800 جندي أمريكي، وفضلاً عن ذلك فإن الولايات المتحدة ترتبط بالعديد من الاتفاقيات مع هذه البلدان، تتيح لها استخدام مجالها الجوى والهبوط الاضطراري للتزود بالوقود. الولايات المتحدة قامت أيضاً بعدة ترتيبات مع طاجيكستان من أجل السماح للطائرات العسكرية الأمريكية بالتحليق فوق أراضيها، في إطار مهمتها في أفغانستان، والهبوط أيضاً للتزود بالوقود.

منظمة شنغهاي (التي تضم كلا من كازاخستان, وقيرغيزستان, وطاجيكستان, وأوزبكستان, إضافة إلى الصين وروسيا) أصدرت منذ أيام اعلاناً مشتركًا، خلال اجتماعها في كازاخستان، أكدت فيه أن اقتراب العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان من نهايتها، يستوجب من قوات التحالف أن تحدد موعداً لإنهاء استخدامها المؤقت للفضاء الجوي والقواعد العسكرية للدول الأعضاء.

"إننا نعرب عن دعمنا الكامل لجهود مكافحة الإرهاب التي يقوم بها التحالف الدولي، ولا أحد يطلب منهم أن يكون الانسحاب غداً أو في غضون شهر، ولكن يجب على أعضاء منظمة شنغهاي أن يطلبوا تعيين موعد محدد لمغادرة قوات التحالف لأراضيها وتفكيك قواعدها العسكرية"، هكذا صرح "سيرجي بريخودكو" أحد مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتن .

في أعقاب أحداث 11 سبتمبر, لجأت الولايات المتحدة إلى إقامة عدة قواعد عسكرية في أوزباكستان وقيرغيزستان (الجمهوريتان السوفيتيتان السابقتان اللتان انضمتا إلى منظمة شنغهاي فيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي) إضافة إلى قواعدها العسكرية في باكستان، وذلك من أجل توفير مناطق ارتكاز وتعبئة لعملياتها ضد حركة طالبان في أفغانستان .

روسيا أيضاً لديها قاعدة عسكرية في قيرغيزستان تضم نحو 500 جندي وعدد من المقاتلات والمروحيات، هي قاعدة "كانت". وقد أنشئت هذه القاعدة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وتسعى روسيا لمضاعفة تواجدها في هذه القاعدة، من خلال تعديل الاتفاقية التي أبرمتها مع الحكومة القيرغيزية آنذاك لتحديد حجم التواجد الروسي على أراضيها.

ورغم القلق الشديد الذي أصاب كل من روسيا والصين من تغلغل القوات الأمريكية في مناطق نفوذ قديمة لهما وتهديدها لأمنهما القومي، فإن أيا من البلدين لم تعترض على التواجد العسكري الأمريكي في أوزبكستان وقيرغيزستان، حيث تواجه كلاهما مشكلات تصاعد العنف والحركات الانفصالية على أراضيها، وتعتقد أن جانباً من أعمال العنف هذه تمول من جانب تنظيم القاعدة وطالبان، ولذلك فإن الحملة الأمريكية قد تحقق فائدة ما لهما.

ولكن بمرور الوقت شعرت الدولتان بمخاطر تزايد النفوذ الأمريكي في المنطقة، وبصفة خاصة مع ترحيب كل من أوزبكستان وقيرغيزستان بالقوات الأمريكية في عام 2001 . كما أن استغلال الولايات المتحدة للتحولات الكبيرة التي شهدتها النظم السياسية في الجمهوريات السوفيتية السابق لتدعيم علاقتها بها وتواجدها العسكري على أراضيها، أدى إلى تآكل النفوذ الروسي في آسيا الوسطى، وتزايد مخاوفها من خطر التغلغل الأمريكي بالمنطقة، مما دفعها إلى السعي لكسب ود هذه الجمهوريات والعمل على تدعيم روابطها معها.

ومن جانبها أيضاً، فقد سعت الصين هي الأخرى إلى تدعيم حضورها في آسيا الوسطى من خلال عدد من المشروعات الاستثمارية العملاقة، وعلى رأسها مشروع خط أنابيب النفط الذي يربط بين منطقة شنجيانج الصينية وكازاخستان بطول نحو ألف كيلومتر، ويتوقع أن ينتهي هذا المشروع بنهاية العام الجاري، وهو أحد المراحل الهامة في مشروع الأنبوب النفطي الكبير الذي يربط الصين ببحر كاسبيان بطول ثلاثة آلاف كيلومتر. وتسعى بكين أيضاً للتعاون مع عدد من دول آسيا الوسطى مثل طاجيكستان وقيرغيزستان في مشروعات الطاقة الكهربية والنفط، وهو ما تنظر إليه الولايات المتحدة بقلق شديد.

وتعتقد روسيا والصين أن اهتمام واشنطن بإنشاء قواعد عسكرية في آسيا الوسطى لا يرتبط أساساً بعملياتها العسكرية في أفغانستان، بقدر ارتباطه بمحاولات التغلغل في الإقليم وتدعيم نفوذها وحضورها الإستراتيجي، خاصة وأن الوجود الأمريكي في أفغانستان يسمح لها بإقامة ما تريد من قواعد في أنحاء البلاد، دون حاجة لقواعد خارجية، قد يكون بعضها بعيداً وفائدته محدودة، مثل قاعدة "خان أباد" التي تقع على بعد 120 ميل شمال الحدود الأفغانية، وهي مناسبة تماماً الأعمال العسكرية في شمال أفغانستان، ولكن معظم العمليات الأمريكية في أفغانستان اليوم تجري جنوب وجنوب شرق البلاد.

ورداً على طلب منظمة شنغهاي تحديد مهلة لانسحاب الولايات المتحدة من قواعدها العسكرية في آسيا الوسطى، أعلن الناطق باسم الحكومة الأمريكية أنه "إذا كانت القواعد الأمريكية في آسيا الوسطى مهمة سواء لحربها العالمية على الإرهاب أو لعملياتها في أفغانستان، فإن الولايات المتحدة دائماً لديها العديد من الخيارات للتعامل مع المواقف المختلفة وليس خيار واحد". هذا الرد كان يحتاج إلى مذكرة إيضاحية لتفسيره، وهو ما قام به رامسفيلد خلال زيارته السريعة للمنطقة، والتي أبدى خلالها استعداد بلاده لدفع مقابل أكبر لاستمرار قواعدها العسكرية في آسيا الوسطى.

أعضاء منظمة شنغهاي لا يتخوفون فقط من زيادة النفوذ الأمريكي بالمنطقة، بل إن لديهم مخاوف عديد تجاه بعضهم البعض، فروسيا لديها قلق شديد من تزايد النفوذ الصيني ومشاريعها النفطية في آسيا الوسطى، والصين متحمسة لإضعاف قبضة روسيا السياسية على هذه البلاد، من خلال تدعيم روابطها الاقتصادية معها. وكلاهما يرى في التغلغل الأمريكي قيداً على النفوذ المتنامي للآخر. بينما تتخوف الدول الصغيرة في منظمة شنغهاي من التدخل الأمريكي في أنظمة الحكم، وتعيين حكام موالين لها على خلاف إرادة الشعوب، ولكن هذه الدول من ناحية أخرى قد استفادت اقتصادياً من تواجد القواعد الأمريكية على أراضيها، ويكفي أن نشير إلى أن القواعد الأمريكية تضيف يومياً 156 ألف دولار لاقتصاد قيرغيزستان، وهو ما يشكل حوالي 5 % من إجمالي دخلها القومي.

بعد دعوة منظمة شنغهاي لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى، بدا أن التوازن الإستراتيجي في المنطقة في غير صالح الولايات المتحدة، لكن زيارة رامسفيلد أعادت التوازن لصالحها مرة أخرى، بعد إعلانه عن استعداد بلاده لدفع سعر أعلى لاستمرار قواعدها العسكرية في دول آسيا الوسطى، والتعهد بالحد من التدخل في شئونها الداخلية، وتلقيه ردود فعل إيجابية من بعض الدول، وفي مقدمتها قيرغيزستان التي أعلنت موافقتها على استمرار القواعد الأمريكية على أراضيها.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر