آخر الأخبار

صفقة 'أنوكال'..ومستقبل العلاقات الأمريكية الصينية

2005-7-22 | عبدالله صالح صفقة 'أنوكال'..ومستقبل العلاقات الأمريكية الصينية

بدأت الصين مؤخراً في تبني استراتيجية جديدة تؤمن لها توفير المواد الخام ومصادر الطاقة التي أصبح التنافس عليها أكثر حدة وشراسة بين الدول الكبرى، وفي هذا السياق لجأت إلى شراء المناجم في استراليا وكندا، وإبرام العديد من الاتفاقيات التجارية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية للمشاركة في التنقيب عن النفط والموارد المعدنية، ولم تكتف بذلك، وإنما امتدت استراتيجيتها إلى داخل السوق الأمريكي، وسعت إلى شراء عدد من أصول الشركات الأمريكية الكبرى، آخرها شركة "أنوكال" للنفط، مما أدى إلى تصاعد موجة من الرفض داخل وخارج الكونجرس الأمريكي للتغلغل الصيني في الولايات المتحدة، ولهذه الصفقة، التي تحولت إلى قضية سياسية هامة في الأوساط الأمريكية.

الأسبوع الماضي شهد تصاعداً في الصراع بين شركة "شيفرون" التي توصف بأنها"عملاق النفط الأمريكي" وشركة "الصين الوطنية الحكومية" من أجل السيطرة على شركة "أنوكال" الأمريكية للبترول، وبدأ كل طرف يستخدم ما لديه من أوراق ضغط اقتصادية وسياسية، من أجل الحصول على هذه الصفقة.

وكانت شركة النفط الوطنية الصينية قد تقدمت بعرض لشراء "أنوكال" قيمته 18.5 بليون دولار، في مقابل عرض شركة "شيفرون" (.5 بليون دولار)الذي حظي بموافقة مجلس إدارة شركة "أنوكال" بصورة غير نهائية، إلى حين تصويت مساهمي الشركة في 1 أغسطس المقبل، في حين تم رفض العرض الصيني في شكله الحالي بصفة مبدئية،ويعتقد المحللون أن مجلس إدارة "أنوكال" يحاول استغلال التنافس الكبير بين الشركتين من أجل زيادة المبلغ لمعروض.

وعلى الرغم من أن نصيب "أنوكال" لا يتجاوز .23% من إنتاج النفط العالمي و..3% من الاستهلاك الأمريكي، فإن لدى الشركة 1.75 بليون برميل من الاحتياطيّات، منها 98 مليون برميل في آسيا و 447 مليون برميل في الولايات المتحدة، ولهذا تبدو السيطرة على "أنوكال" مهمة بالنسبة لشركة النفط الوطنية الصينية، وللحكومة الصينية التي تمتلك 7% من أسهمها، بالنظر إلى تمتع الشركة باستثمارات وامتيازات خاصة لاستكشاف النفط في العديد من البلدان الآسيوية ذات الاحتياطيات النفطية مثل اندونيسيا،وميانمار وتايلاند، الأمر الذي سيعزز وجودها واستثماراتها في هذه البلدان في حالة فوزها بهذه الصفقة.

وعلى الجانب الآخر، وفي ظل المنافسة الشرسة بين شركات النفط العالمية، فإن شركة "شيفرون" تعتبر الحصول على صفقة "أنوكال" مكسبا إستراتيجيا هاما.

المعارضة الشديدة داخل الولايات المتحدة للغزو الاقتصادي الصيني قائمة منذ فترة، ولكنها ظهرت بوضوح في صفقة "أنوكال"، باعتبارها أخطر مثال للتحركات الصينية الرامية إلى السيطرة على أصول الشركات الأمريكية.ومع الارتفاع المتواصل في سعر النفط إلى نحو 6 دولار للبرميل، وهو معدل لم يتحقق من قبل، وفي ظل التوقعات باستمرار هذا الارتفاع في الأسعار، استطاعت شركة "شيفرون" بالتعاون مع الكونجرس أن تحول النزاع بشأن "أنوكال" إلى قضية سياسية.

قضية "أنوكال" حظيت خلال الأيام الماضية بجدل واسع النطاق في عدد من لجان الكونجرس المعنية بالتجارة الخارجية، والموارد، والأمن القومي، وكان الاتجاه العام للنقاش يميل إلى رفض التغلغل الاقتصادي الصيني في السوق الأمريكي، والعمل على سن تشريع لمواجهة شراء الصين لأصول الشركات الأمريكية، وخاصة في القطاعات الإستراتيجية، مثل قطاع الطاقة، لاسيما وأن شركات الطاقة الأمريكية غير مسموح لها بشراء الشركات الصينية.

ويبدو أن أياً من الخصمين ليس لديه استعداد للتنازل عن هذه الصفقة، التي اتخذ الصراع عليها طابعاً سياسياً، بعد تصاعد المعارضة القوية داخل الكونجرس ضد سيطرة الشركة الصينية على "أنوكال" ومحاولة العديد من أعضاء الكونجرس الضغط على المساهمين لكي يقبلوا عرض «شيفرون"، الذي حظي بموافقة مبدئية من مجلس إدارة الشركة.ومن جانبه يسعى "بيترجيه روبنسون" نائب رئيس شركة شيفرون إلى تصعيد الصراع مع الشركة الصينية وتحويله إلى قضية"جيوبوليتيكية"، مؤكداً على ضرورة ألا تخرج السيطرة على "أنوكال" عن المستثمرين الأمريكيين.وفي المقابل يسعى مسئولو الشركة الصينية لإقناع الرأي العام والمساهمين في "أنوكال" أن الأمر لا يتعدى كونه صفقة تجارية عادية، ليس وراءها أية دوافع سياسية.

وإذا ما حظي عرض الشركة الصينية بالقبول، فإنه سيعرض على لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، التي تتولى مراجعة عمليات الشراء الأجنبية للشركات الأمريكية من النواحي الأمنية.وقد فضلت إدارة بوش أن تأخذ موقفاً حيادياً في هذه القضية، على خلاف الكونجرس، وهو ما علق عليه الصحفي الأمريكي "ماثيو بنيامين" في مقال نشره في الواشنطون بوست قائلاً:إ ن صمت الإدارة الأمريكية يعكس قدراً كبيراً من المصالح المتعارضة في سياسة واشنطن الاقتصادية على الصعيد العالمي، أبرزته معركة "أنوكال"، ومشيراً إلى أن على الولايات المتحدة والمسئولين في إدارة بوش أن يدركوا أن العولمة ليست بلا ثمن وأن هذا الثمن يكون مؤلماً أحياناً.

العلاقات الأمريكية الصينية تشكل نمطاً فريداً ومعقداً من العلاقات الثنائية بين الدول في عالم اليوم، بما تتضمنه من عناصر تبدو متنافرة ومتناقضة أحياناً، مثل التعاون، والصراع، والاستقلالية والاعتماد المتبادل، ولكنها مع ذلك تظل تعمل في إطار توازن دقيق من المصالح المتبادلة، رغم وجود العديد من الانتقادات الأمريكية لسياسة الصين التجارية، ومنها اتجاه الصين لغزو السوق الأمريكي بمنتجاتها الرخيصة، وانتهاكاتها المستمرة لحقوق الملكية الفكرية للشركات الأمريكية، فضلاً عن إصرارها على تخفيض قيمة العملة الوطنية "اليوان" وهو ما تعارضه الولايات المتحدة.

وسواء استطاعت شركة النفط الوطنية الصينية إقناع مساهمي "أنوكال" بقبول عرضها أو فشلت، فإن هذه القضية أدت لتصاعد القوى الرافضة للتغلغل الصيني وشراء الأجانب لأصول الشركات الأمريكية، وهو ما قد يضع الاستثمارات الأجنبية للشركات الأمريكية في خطر، في إطار مبدأ المعاملة بالمثل، ويؤثر سلباً على مستقبل العولمة، واتجاهات العلاقات الأمريكية الصينية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

د. رامي محمد ديابي

السلام عليكم ورحمة الله
أود أن أناصح أمة الغر المحجلين هنا في أهميةالتحرك الثقافي نحو الصين لتأمين الأمن الإسلامي في حقبة قادمة يحكم بها الصينيون العالم بعد سقوط أمريكا المتوقع الحالي ..
وقد تنبأ اليهود منذ 40 عاماً بهذا وكان كسينجر يشحن الممولين اليهود للصين بينما الأمة غافلة وكان رجل واحد منتبه لهذا من السودان يشحن الشخصيات والمستثمرين العرب والمسلمين للصين فجزاه الله خيرا على حسن الفراسة وأسأل الله أن تقتدي به الأمة ..


أبو أسامة

إن عملية عرقلة شراء الصين لشركة انوكال من قبل القوى السياسية والاقتصادية الأمريكية تدل دلالة واضحة على أن سياسة " تحرير السوق" ومحاربة "سياسات الحماية الاقتصادية" التي تدعو لها أمريكا في نطاق العولمة انما تستهدف تحقيق وخدمة مصالح قوى الرأسمالية الأمريكية , وليس الانسياب الحر للثروات والبضائع والخدمات والأفراد , فالعولمة الاقتصادية تصطدم بحدودها ان حاولت دولة مثل الصين ممارسة مبدأ الحرية الاقتصادية بشراء احدى شركات النفط وهي أنوكال التي تحتل المركز التاسع بين الشركات الأمريكية!!

أمريكا تعتبر النفط "ثروة استراتيجية" وإدامة السيطرة عليه إحدى مرتكزات بقاءها كأكبر دولة عظمى في العالم, لذا فإنها لا تتساهل أبدا تجاه أي قوة أخرى تحاول مزاحمتها في السيطرة عليه.

الادارة الأمريكية لم تتخذ موقف المحايد من هذه الصفقة, بل وقفت ضدها على طريقتها الخاصة: فقد قامت في الايام الماضية بعمل زوبعة إعلامية سياسية ضد الصين عن طريق اثارة موضوع تنامي التسلح الصيني , وتصويره على أنه شئ مرعب, وهي بهذا كانت تهدف الى توفير الاجواء السياسية المناسبة لاعضاء مجلسي النواب وأعضاء مجلس ادارة شركتي شيفرون وانوكال لتمرير قرارهم برفض العرض الصيني وجعل هذا الرفض مبرَّرا بل ومطلوبا أمام الراي العام الامريكي والعالمي.