حقيقة الخلاف.. بين الزرقاوي والمقدسي

2005-7-19 | حقيقة الخلاف.. بين الزرقاوي والمقدسي

أثارت المقابلة التي أجراها الشيخ أبو محمد المقدسي مع قناة الجزيرة الفضائية ردود فعل واسعة داخل التيار السلفي الجهادي، بشكل خاص، وكذلك لدى شريحة واسعة من المثقفين والمجتمع، وذلك بسبب الموقع الذي يتمتع به المقدسي باعتباره أحد أهم مفكري وفقهاء التيار السلفي الجهادي في العالم، وارتباطه الوثيق بالزرقاوي لفترة طويلة، منذ بداية التسعينات من القرن الماضي من خلال التنظيم الذي اشتهر إعلاميا وأمنيا عام 1994 باسم "بيعة الإمام"، وقد تفرق المقدسي والزرقاوي عقب الإفراج عنهما بعد العفو الملكي العام الذي صدر عام 1999 بمناسبة تولي الملك عبد الله الثاني لسلطاته الدستورية واعتلائه العرش، حيث آثر المقدسي البقاء في الأردن من أجل الدعوة وترسيخ الفكر السلفي الجهادي في الأردن والمنطقة، أما الزرقاوي فقد كان عازما على الالتحاق بالمجاهدين في أفغانستان، والعمل على تأسيس جماعته الخاصة، وتسارعت الأحداث عقب هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001، وحملت الزرقاوي من معسكره الذي أسسه في مدينة هيرات الأفغانية الواقعة على الحدود الإيرانية، إلى التنقل.

وقد أسفرت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على نظام طالبان عن تفكك معظم التنظيمات السلفية الجهادية التي كانت تعمل في ظل نظام طالبان، وهو ما حمل الزرقاوي وأتباعه على دخول إيران ثم الاستقرار في بغداد عقب سقوط نظام صدام حسين من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003.

أمضى المقدسي معظم وقته في الاعتقال على خلفية الاتهام بالانتماء إلى تنظيمات سلفية جهادية مختلفة منذ الإفراج الأول وحتى هذه اللحظة، ومع ذلك فقد تمكن من تأليف عدد كبير من الكتب والرسائل في الفكر السلفي الجهادي، وله موقع متميز على شبكة الانترنت باسم "منبر التوحيد والجهاد".

تعود أسباب الخلاف بين المقدسي والزرقاوي إلى فترة طويلة وذلك من خلال وجودهم داخل السجن، ولعل أكثر الأشياء دلالة على ذلك هو الخلاف على موضوع الإمارة داخل السجن، حيث كان المقدسي أميرا للجماعة في البداية، ثم حدث تنحي الأخير عن الإمارة لصالح الزرقاوي، وذلك لجملة من الاعتبارات لخصها المقدسي في لقاءاته بالقول إنه كان يريد التفرغ للبحث والنظر والتدريس والتأليف، ولأن طبيعة الإمارة محدودة في التعامل مع إدارة السجن، فقد تم ترشيح الزرقاوي بتولي الإمارة كونه شرق أردني من جهة وصلابته وقوته في التعامل مع إدارة السجن وكذلك المساجين الآخرين.

ويمكن القول بأن جوهر الخلاف بين المقدسي والزرقاوي يتركز بكون المقدسي يمثل الجانب الفكري والنظري والمعرفي وهذا ما يؤهله لممارسة الاجتهاد وما يتعلق به من قضايا البحث والنظر والفتوى في المسائل العلمية المستجدة، أما الزرقاوي فهو يمثل الجانب العملي القتالي ومقارعة المخالفين من خلال الاقتراب من قضايا الجهاد، ونشير هنا إلى أن مفهومي الجهاد والاجتهاد أحد أهم المفاهيم المؤسسة للفكر السلفي الجهادي، فالاجتهاد في الإسلام يتمتع بمرتبة رفيعة وهو أكمل أنواع النظر والبحث، وذلك من خلال بذل الوسع والطاقة لإيجاد الحلول للمسائل والنوازل المستجدة، أما الجهاد فهو أكمل أنواع العمل وفي أعلى المراتب لما يحققه من وظائف تتمثل بحماية بيضة الإسلام وردع العدوان، إذا عُلم هذا نفهم سر ترديد الحركات السلفية الجهادية في العالم لقول شيخ الإسلام بن تيمية: "قوام الشريعة كتاب يهدي، وسيف ينصر"، فالسيف والقلم متلازمان في الإسلام.

أثار المقدسي في لقاءاته مجموعة من المسائل الاشكالية والغامضة حول بعض الأفكار والأعمال والأساليب التي تتبعها الحركات السلفية الجهادية في العالم وخصوصا العراق وتنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" بزعامة الزرقاوي، وأهم هذه المسائل:

أولا: العمليات الاستشهادية، وضح المقدسي بلقاءاته أن العمليات الاستشهادية يجب أن لا يلجأ لها إلا في حدود الضرورة القصوى، وتعتبر وسيلة ثانوية وليست رئيسية في العمل القتالي، وكان المقدسي قد أشار إلى أن الزرقاوي كان يتبنى قوله بهذه المسألة ويدرس فتواه في معسكره في هيرات، إلا أن الزرقاوي أصدر بيانا وتوضيحا لما أثاره الشيخ المقدسي في لقائه مع قناة الجزيرة، حيث أنكر تقليده للمقدسي في جواز العمليات الاستشهادية وذكر أنه يتبنى جوازها قديما قبل لقائه بالمقدسي، وقد ترسخت قناعته بجوازها بعد لقائه بالشيخ أبي عبد الله المهاجر كما ذكر في بيانه.

ثانيا: قتل المدنيين، أكد المقدسي على عدم جواز استهداف المدنيين بالقتل والعمليات، وفند الآراء التي أجازت استهداف المدنيين تحت حجج وذرائع مسألة التترس المعلومة عند الفقهاء القدماء، ووضح المقدسي أن هذه المسألة شائكة ومعقدة وذلك أن حالة التترس تكون في حال جعل الكفار لبعض المسلمين "كالترس"، بحيث لا يمكن الوصول إلى الكفار المحاربين وقتالهم إلا بإصابة وقتل المسلمين، وبين المقدسي أن هذه الحالة لا يلجأ إليها إلا في حالة الضرورة القصوى وعند التيقن أنهم مقتولون لا محالة؛ أما الزرقاوي فلم يتوسع في بيانه في الرد على هذه المسألة وتركها بغير توضيح، وأكد على شدة تحرزه من قتل المدنيين،وأنه لا يفعل ذلك أبدا لا بالمسلمين ولا بغيرهم من الطوائف كالنصارى والصابئة واليزيديين والكلدانيين والآشوريين وغيرهم.

ثالثا: تكفير عموم الشيعة وقتلهم، ذكر المقدسي في لقاءاته بأنه لا يجوز تكفير عموم الشيعة، وأنه يستند في ذلك إلى أقوال أئمة أهل السنة وخصوصا شيخ الإسلام بن تيمية، وبالتالي فان استهدافهم بالقتل عمل غير شرعي، أما الزرقاوي فلم يتطرق في بيانه إلى مسألة كفر عوام الشيعة، مع العلم بأنه يتبنى القول بكفر عموم الشيعة دون تفريق، أما قتالهم فقد وضح بأنه لم يبدأ الشيعة -كما يسميهم الروافض- بالقتال، وإنما حمله على ذلك الممارسات الشيعية التي بدأت بتصفية كوادر أهل السنة واغتصاب مساجدهم ومنازلهم عن طريق فيلق بدر — الذي يسميه فيلق الغدر-، وكذلك عن طريق الشيعة الذين يتسترون بلباس الشرطة والحرس الوطني — الذي يطلق عليه الحرس الوثني-، فضلا عن ولائهم للاحتلال —الأمريكان- والذين يسميهم "الصليبيين".

رابعا: المتطوعون العرب، يذهب المقدسي إلى أن أهم واجبات اليوم هو نشر دعوة التوحيد في العالم وعدم هدرها في صراعات جزئية تعود على الدعوة بالخسارة والتراجع، وأكد على أن ذلك أهم من الذهاب إلى العراق أو أفغانستان أو غيرها من المناطق الساخنة معتبرا ذلك محرقة حقيقية للمجاهدين والموحدين، أما الزرقاوي على الرغم من الاحترام الكبير الذي أظهره في بيانه لشيخه المقدسي،إلا أنه حمل عليه بشدة في هذه المسألة واعتبرها مصيبة كبرى وتسائل "أيعقل أن تصدر مثل هذه الفتوى عن مثل أبي محمد"؟، وأكد أن المحرقة الحقيقية تكمن في الإعراض عن تنفيذ حكم الله وترك الجهاد، وأنه ماض في جهاده في العراق مهما كلفه ذلك، واعتبر هذه الفتوى وسيلة لإنقاذ بوش ومرتزقته بعد أن بدت علامات انكسار الجيش الأمريكي واضحة للعيان حسب رأيه، واعتبر الزرقاوي أن اللقاءات التي أجراها المقدسي، بالإضافة إلى بعض رسائله، أدخلت السرور والفرح على قلوب عباد الصليب والعلمانيين والروافض والحزب الإسلامي والجهمية والمرجئة في العراق، وشدد على وجوب عدم الفتوى إلا بعد التبصر ومعرفة الحقائق والأخبار الصادقة، وأن الفتوى لا تجوز إلا بعد هذه المعرفة الدقيقة بالواقع.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر