آخر الأخبار

مزاعم وأوهام الشبكات 'الإرهابية' في أمريكا: خلفيات استهداف الشيخ علي التميمي 2-3

2005-7-17 | مزاعم وأوهام الشبكات 'الإرهابية' في أمريكا: خلفيات استهداف الشيخ علي التميمي 2-3

* التسعينات: انطلاق السلفية في أمريكا لا شك أن الإقبال الكبير على الإسلام في أوساط الأمريكان السود أو ما يطلق عليهم الـ (افرو أمريكان) وكذلك من هم من أصل سكسونية، قد شجع أصحاب التيارات الإسلامية كالإخوان المسلمين والسلفيين لاعتماد التحرك في تلك الأوساط باعتبارها بيئات صالحة للدعوة، ورصد الميزانيات والدعم المطلوب لذلك .. لقد كان السلفيون هم الأكثر سرعة وهمة في هذا المجال. لذلك ظهرت بعض المؤسسات مثل جمعية القران والسنة، والتجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية ( إيانا ) ودار الصراط للدعوة والإعلام، وشرعت ( إيانا ) في عقد مؤتمراتها السنوية التي يدعى لها نخب وأقطاب الحركة السلفية في الخليج أمثال: الشيخ علي السالوس والدكتور عبد الرزاق الشايجي .. بالطبع كان الشيخ علي التميمي يتميز عن هؤلاء بقدرته على التحدث باللغتين العربية والإنجليزية، وأخذت شهرته تتزايد في أوساط الشباب الإسلامي، لعل هذه الأنشطة قد ساهمت في إبراز شهرته واتساع مجال تحركه الدعوى إلى باقي المدن الأمريكية، والذي كان محصورا في السابق بأوساط السود في منطقة العاصمة واشنطن.

ويواصل الشيخ على سرد ذكريات تلك الأيام الخوالي قائلا: "ومع تخرج أفواج الشباب -الذي شاركهم الشيخ على سنوات الدراسة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- وعودتهم إلى بلادهم في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتصدرهم للعمل الإسلامي في بلادهم عبر وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية، أو كدعاة متطوعين مع المنظمات الإسلامية العالمية كرابطة العالم الإسلامي، أو الندوة العالمية للشباب الإسلامي.. بدأت تصلني الدعوات للسفر لتنظيم دورات في العقيدة وإلقاء محاضرات في التجمعات الإسلامية في تلك البلاد، مما ساهم بالانطلاق بالدعوة السلفية إلى العالمية، بعدما كانت تقتصر على بعض مناطق الخليج العربي.." لقد انتقل إدريس بالمر بعد تخرجه من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إلى بريطانيا، حيث تزوج وأقام هناك.. وواصل الشيخ على حديثه قائلا: "بدأت استلم منه الدعوات لزيارة بريطانيا وإلقاء محاضرات فيها، وقد حضرت هناك مؤتمرا عالميا للحركة السلفية في عام 1993، وتعرفت على كثير من وجوه وقيادات هذه الحركة وبالرغم من غياب أي ارتباط تنظيمي مع الحركة السلفية، إلا أنى كنت محسوبا على هذا التيار.

لقد فتحت لي علاقات الصداقة هذه أبوابا واسعة للنشاط الدعوي والسفر، وكنت أسبوعيا على سفر إما لإلقاء محاضرة في مسجد أو مركز إسلامي، أو للمشاركة في ملتقى طلابي أو مؤتمر". وجرنا النقاش بعد ذلك للحديث عن بعض هذه الأنشطة والتي كان للشيخ التميمي دورا رائدا فيها فقال: "كانت قمة الشعور بالنجاح عندما تمكنا عن طريق ( إيانا ) من المشاركة الرسمية في مؤتمر المرأة في بكين، والذي عقدته الأمم المتحدة عام 1995.. وكنا في حينها قد نجحنا في إعداد الكثير من الأوراق والدراسات بأكثر من خمس لغات وقمنا بتوزيعها خلال المؤتمر، كما شاركنا في الحوارات والمحاضرات، وكان حضورنا متميزا ولافتا للأنظار من حيث الموقع والاستعدادات الفنية بمقر المؤتمر.. واستطعنا أن نبرهن بأن لدينا بديلا إسلاميا لأطروحة الأمم المتحدة المتعلقة بالمرأة ". لا ريب أن مؤتمرات ( إيانا ) كانت تجتذب نوعية خاصة من الحضور، يغلب عليم أنهم من أصول خليجية ( السعودية، الإمارات، الكويت ) مع عدد لا بأس به من الشباب المسلم الافرو-أمريكان.

* لقاء الشيخ جعفر إدريس:

يقول الشيخ علي: "ذات مرة التقيت الشيخ جعفر وهو أستاذ جامعي متخصص بالدراسات الشرعية، يجيد الإنجليزية ومعروف بانفتاحه وهو من قادة الإخوان المسلمين القدماء في السودان وأحد مؤسسي تلك الحركة، إلا أنه اختلف مع الدكتور حسن الترابي مبكرا وذهب للعمل في السعودية، وقد درس على يديه الكثير من الدعاة في المملكة، منهم الشيخ سفر الحوالي الذي سبق لي أن تأثرت بمنهجه السلفي".

وبعد لحظات التقط الشيخ علي أنفاسه التي أثقلها العشاء الذي تناولناه بعد منتصف الليل بالمطعم وأضاف قائلا: "كانت تدور بيني وبين الشيخ جعفر نقاشات حول المسلمين والعمل الإسلامي في أمريكا، وكانت مواقفي وقتها معروفة بالتشدد وكنت كثير النقد للتيارات الإسلامية وبالأخص الإخوان المسلمين، وحتى جماعات وارث الدين محمد ولويس فرقان ( أمة الإسلام) لم تسلما من اتهاماتي لهما بالشرك والانحراف، وكان الشيخ جعفر بحكمته وآفاقه الواسعة يحاول تهدئتي وتصحيح مواقفي بالقول إن جماعة وارث الدين تتلقى دعم ومباركة المملكة العربية السعودية، وهي مركز الحركة السلفية التي يعتبرني الناس منسوبا إليها، فلو كان الأمر كما أقول لتخلت المملكة عنهم، لا شك أن في ذلك كثير من الحكمة في محاولة استيعاب هذه التيارات الإسلامية في أوساط السود، وأن الاحتكاك والحوار والدعم سيساهم بمرور الزمن في تقريب هؤلاء والعمل على تصحيح عقائدهم وفهمهم للرسالة الإسلامية، وهي المنهجية التي يمارسها عقلاء الأمة باعتبارها الأسلوب الأمثل في تبليغ الموعظة وإيصالها بالطريقة الحسنة، ولا شك أن جهود المملكة قد أثمرت عن تحقيق نقلة نوعية وبخاصة مع جماعة وارث الدين محمد. ويتابع الشيخ التميمي القول: "تعلمت من الشيخ جعفر الكثير.. وتكاثرت مع الأيام والشهور أعداد الحضور في بيته، وكنت أنوب عنه عندما يغادر في أسفار طويلة إلى المملكة والسودان.. لقد نجح الدكتور جعفر شيخ إدريس فعلا في إعادة تشكيل رؤيتي للكثير من الأشياء، وساهم في توسيع آفاق نظرتي وتعاملي مع الناس، والأهم من ذلك هو جذبي لنشاطه الدعوي "التطوعي" بدار الأرقم، وتحميلي بسبب انشغالاته الكثيرة ومسؤولية الدعوة بين هؤلاء الشباب الذين كانوا يتوافدون أسبوعيا على دار الأرقم، وقد تمكنت بعون الله من تقديم عشرين محاضرة، امتدت حلقات الدرس الأسبوعي فيها من يناير / كانون ثاني حتى أغسطس /آب عام 2001، وكانت كلها تركز على قضايا الإيمان وتطهير الروح، مثل الإخلاص ومحبة الله، والتوكل على الله والرجاء في الله... الخوف من عذاب الله والتوبة، ونحو ذلك وقد لاقت هذه السلسة من الدروس والمحاضرات القبول والإعجاب بين الشباب".

طرحت بعد ذلك على الشيخ التميمي سؤالا كان يتردد في ذهني منذ شهرين أي بعد أن بدأ جهاز التحقيقات الفيدرالي بفتح ملف هذه المجموعة، عن السر في إقبال الشباب على هذا المكان المتواضع (دار الأرقم)، وبهذا العدد المتزايد.. أجابني الشيخ علي بصراحته المعهودة بأنه يعتبر نفسه من هذا الجيل، يعيش همومهم ومشاكلهم ويفهم نفسياتهم وحاجاتهم، حيث إن الفراغ الروحي والعقد الاجتماعية تتطلب معالجة إيمانية خاصة بعيدة كل البعد عن السياسة وأحاديثها التي قد لا تفيد هؤلاء الشباب ولا جدوى منها لهم في معظم الأوقات.

*11 سبتمبر / أيلول: الكارثة وتداعياتها

عندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بادرت أغلب القوى والحركات الإسلامية إلى إدانة هذه الهجمات على خلفية العديد من الاعتبارات الأخلاقية والسياسية، وقد تساوى في ذلك الإخوان المسلمون والسلفيون.. وعندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على "الإرهاب"، وبدأت باستهداف المؤسسات الإسلامية الإغاثة العاملة في مناطق مختلفة من العالم، ثم تعاقبت الاتهامات والتحريض ضد حركات المقاومة الإسلامية، عندها باتت القيادات الإسلامية تشعر بأن الحرب على ما يسمى بالإرهاب آخذة في التوسع لتشمل كل ما هو إسلامي بغض النظر عن هوية هذا الانتماء أو ذاك، وأن المسألة قد لا تعدو أكثر من فرو قات في المساحة الزمنية التي قد تفصل ضربة هذا الفصيل عن ذاك. لذلك بدأ العقلاء من الإسلاميين في أمريكا بالتشاور فيما بينهم لتلافي صدام يلوح في الأفق، ويستهدف شل قدرات المشروع الإسلامي وتصفيته بالنظر للإسلام على انه الآن العدو العالمي الجديد وشن الحرب بهدف اجتثاث جذوره، وتفكيك فاعلية شبكاته من خلال القضاء على أنشطته وكسر هيبة اتباعه في كل مكان.

لا شك أن أحداث 11 سبتمبر قد شكلت صدمة موجعة، وكانت فظاعة العمل قد خلقت حالة من ردود الفعل الغاضبة مع تساؤل ظل يفرض نفسه على كل من الإدارة والشعب الأمريكي: لماذا يكرهوننا؟ وكانت هناك إشارات تتوارد بشكل مستمر على ألسنة البعض بأن السياسة الأمريكية المؤيدة لإسرائيل على حساب مصالح العرب والمسلمين قد غذت هذا التطرف والغلو ليصل إلى هذا الحد من البغض والكراهية المدمرة، وأن أمريكا التي تركت المظالم تتراكم بالشرق الإسلامي دون أن تحركها الشعارات والدوافع الإنسانية والأخلاقية التي طالما نادت بها، وتمادت في صداقتها مع الأنظمة الدكتاتورية التي مارست القهر والاستبداد السياسي، وأجهضت خطاب الحريات بالرغم من حملاتها الدعائية حول الديمقراطية والتعددية السياسية. كل هذه الممارسات الخاطئة للسياسية الأمريكية كانت ترصدها عيون البعض وعقولهم، وتولدت مع تراكماتها حالة من البغض والكراهية أنتجت هذا النوع من الإرهاب غير المسبوق في غابر التاريخ وحاضره، وعندما أدرك دهاقنة الفكر الصهيوني الاستراتيجي أبعاد هذا التساؤل ومخاطره على مستقبل العلاقات المتميزة التي تحظى بها إسرائيل في الولايات المتحدة، بدأوا يوجهون وسائل إعلامهم لتبني خطابا تبريريا آخر يتهم المسلمين بأنهم يحسدون الغرب على تراثه، وانهم يعادون ديمقراطيته وتطوره، ولهم مواقف سلبية من قيمه وتراثه، وإن الحقد والكراهية لإسرائيل هو فقط لكونها تصطف في هذا المعسكر الغربي، وأن العداء لها هو بسبب أنها واحة للديمقراطية التي يبشر به الغرب، وسط صحراء العرب البرابرة وهي نقطة التماس المتقدمة التي تعكس جوهر الحضارة الغربية، وأشياء من هذه الهرطقات والمزاعم التي بدأت تُنظّر له عقول صهيونية، لم تكتف بالكذب والتلفيق بل جاء بعضها مهرولا إلى واشنطن مثل نتانياهو وشمعون بيرس ليحتل واجهات الخطاب والتحليل السياسي على شاشات التلفزة الأمريكية، وليضع نهاية للتساؤل الذي كان يمكن أن تكون إجابته الحقيقية "الإنذار الأول" للأمريكيين كي يزيلوا الغشاوة عن عيونهم، ويدركوا كلفة هذا التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل على حساب مصالحهم وامتيازاتهم في العالمين العربي والإسلامي.

* التحرك: لا بد من المبادرة:

تنامي الشعور لدى المسلمين في أميركا بأن موجة العداء لهم آخذة بالارتفاع، حيث زاد معدل جرائم التمييز ضدهم بنسبة 17 % كما جاء في تقرير "مراقبة حقوق الإنسان" في شهر نوفمبر 2003، والتي وجهت انتقادا لاذعا للحكومة الأمريكية باعتبار أنها ناقضت رسالتها المناهضة للتمييز والتحامل على العرب والمسلمين بجعل جهودها المناهضة للإرهاب موجهة نحو العرب والمسلمين من خلال الاعتقال السري والتحقيق مع الآلاف وحجزهم أو ترحيلهم بسبب خلفياتهم الشرق أوسطية، وشدّد واضع التقرير (أمار ديب سينغ) قائلا: "إنّ الحرب ضد الإرهاب يجب أن يتركز على الجانب الجنائي وليس على جاليات بأسرها".

وسط هذه الأجواء المشحونة بالعداء والكراهية، كان لا بد من البحث عن مخرج من هذه الورطة التي توشك أن تدمر كل ما بناه المسلمون من إنجازات في هذه البلاد على مدار الخمسين سنة الماضية.. وكانت رؤية الشيخ علي التميمي أنه لا بد من مبادرة، وإن هذه المبادرة لا بد أن تأتي من الشرق هذه المرة، باعتبار أن الغرب/ أمريكا هي الضحية هذه المرة.. يقول الشيخ علي التميمي: "بدأت الاتصالات مع بعض القيادات الإسلامية في الخليج وخاصة في السعودية ومع الشيخ سفر الحوالي باعتباره الرمز الإسلامي الذي يحظى بالقبول لدى الأطراف السلفية الرسمية والحركية.. وتمّ الاتفاق على الخطوط العريضة لهذه المبادرة على أساس أنها سوف تشكل الأرضية التي يجب أن يتحرك عليها الخطاب الإسلامي تجاه العرب.. وقد كانت خلاصات هذه الآراء والأفكار التي تم تداولها مع القيادات الإسلامية في المملكة وخاصة مع الشيخ سلمان العودة هي: إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعه من تداعيات تعتبر نقطة تحول لمسيرة الدعوة الإسلامية، وبالرغم من أن الكثير من ملامح المرحلة الجديدة غير محددة حتى الآن، إلا أن هذا لا ينافي المبادرة بوضع أطر لترشيد الدعوة الإسلامية وفق ما لدينا من معلومات وتوقعات يمكن الانطلاق من خلالها..".

وحسب ما انتهت إليه تحليلات مجموعة النخبة التي عاينت الحدث وتداعياته فإنها خلصت إلى أن من ابرز هذه الملامح ما يلي: إن معالم عصر العولمة البارزة ستستمر في التأثير على الدعوة في المرحلة القادمة. إن الغرب قد تجاوز أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبدأ البعض يتجه نحو نوع من الصدام الحضاري مع الأمة الإسلامية في الوقت الذي نجد فيه أن الأمة غير مهيأة لهذه المواجهة. إن طبيعة هذا الصدام ستبدأ بهوية الأمة الإسلامية كما عبر عنه الكثير من الكتّاب والمفكرين الغربيين في الصحف والمجلات واسعة الانتشار التي لها تأثير على الرأي العام، مثل صحيفة نيويورك تايمز، وصحيفة وول ستريت، ومجلة نيوزويك. إن غياب أو تأخر طرح المشروع الإسلامي سيؤدي حتما إلى وجود طروحات من قبل جهات تختلف جذريا معها أو —وهو الأكثر- أن يرسم الغرب للأمة الإسلامية منهجها، ولهذا فإن أقل واجبات المسلمين وخاصة علماءهم ومصلحوهم في هذه المرحلة التاريخية المبادرة ببيان المشروع الإسلامي والبحث عن وسائل جديدة للتعبير عنه، مع إعداد دراسة متواصلة عن طبيعة المرحلة وتداعياتها. يتبع.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر