آخر الأخبار

المقدسي واستحقاق التصحيح (2)

2005-7-10 | محمد أبو رمان المقدسي واستحقاق التصحيح (2)

وجد المقدسي الظروف مهيأة تماما في النصف الأول من التسعينات لنشر دعوته في المجتمع الأردني، فقد كانت خيبة الآمل من حرب الخليج الأولى (1990) تلقي بظلالها على الناس، كما أدى دخول الدولة في محادثات السلام -وانقلابها على عقود من التعبئة والتنشئة الدينية والسياسية ضد إسرائيل- إلى تنامي المشاعر الساخطة لدى عدد كبير من الشباب، ومثلت مدينة الزرقاء بطبيعتها الاجتماعية والثقافية تربة خصبة لاستقطاب أفراد لهذه الدعوة ونشرها داخل وسط الشباب الإسلامي المتعطش لأفكار راديكالية ترضي طموحه في الرفض الحاد للواقع.

التقى الزرقاوي في بيشاور (باكستان) قبل عودة الاثنين إلى الأردن، وقد اتفقا على العمل سويا من أجل نشر أفكار المقدسي وبناء حركة تحمل هذا الفكر وتصحح مسار العمل الإسلامي. وبالفعل تمكن الرجلان من بناء نواة تحمل فكر المقدسي، ونشط الأعضاء الأوائل في نشر الدعوة في المساجد واختيار الأعضاء الجدد وتأسيس جماعة صغيرة، وفي نفس الوقت طباعة كتب المقدسي بالسر وتوزيعها بين الشباب الإسلامي في مناطق مختلفة.

سرعان ما اكتشف أمر المجموعة أمنيا، وكانت قد خبأت أسلحة لتهريبها إلى غرب النهر للمساهمة في بناء حركة توحيد وجهاد في فلسطين تحمل فكر المقدسي، ومكثت المجموعة في السجن إلى عام 1999 حيث خرجوا بعفو ملكي. لكن القيادة الفعلية تحولت من المقدسي إلى الزرقاوي لأسباب عديدة لا مكان لشرحها هنا. في حين تمكن الزرقاوي من استقطاب عدد كبير من أتباع التنظيم، وتحول المقدسي إلى منظر ومفتي للتيار الجهادي دون أي سلطة حركية وانتهى الأمر إلى خروج الزرقاوي مع عدد من الشباب البارزين في التيار إلى أفغانستان للعيش في ظل إمارة طالبان السابقة.

الخلافات بين المقدسي والزرقاوي أخذت تظهر للعلن منذ خروج الشخصين، وبدا واضحا أن هناك تنافسا بينهما على قيادة التيار، ولكل ملاحظات على الآخر. ومنذ تلك الفترة افترق الصديقان اللذان أسسا التيار الجهادي فكريا وحركيا وإن كانت بقية رؤية مشتركة عامة تجمعهما.

فالزرقاوي سطع اسمه بعد ذلك في العالم وأخذ زمام المبادرة في الصدام بين الولايات المتحدة والحركات الجهادية في العالم، ومع وجوده في العراق وتأسيسه لجماعة من المقاتلين العرب أصبح الزرقاوي العدو العملي الأول للولايات المتحدة، بينما توارى المقدسي عن الأنظار مطولا في غياهب السجن على خلفية قضايا متعددة حوكم عليها منذ خروجه، إلا أنه لم تثبت عليه أية تهمة من هذه التهم، سوى أثر كتاباته على الشباب الذي ينضم إلى الجماعات الإسلامية السرية. وقد عجز المقدسي عن الاستمرار في مشروعه على الساحة الأردنية لأسباب عديدة أبرزها الملاحقات الأمنية والضربات المتتالية لهذا التيار، ولأن الساحة الأردنية أصبحت محل رصد ومتابعة لنشاط الزرقاوي والذين خرجوا معه إلى العراق، والذين استحوذوا على اهتمام أبناء التيار في الأردن فتحول العمل من الأردن إلى العراق من خلال التهريب عبر الحدود، فيما لعبت شخصية "أبو الغادية" السوري (قتل مؤخرا في عملية الخنجر في القائم) دورا محوريا في ترتيب شؤون التيار في الأردن وسوريا، وتحول مركز التخطيط للعمل من داخل الأردن إلى خارجه منذ تأسيس الزرقاوي لمعسكره في هيرات بدايات عام 2000، وظهور ما يسمى بتنظيم "جند الشام".

في الحقيقة كان طموح الزرقاوي أن ينتقل إلى خارج الأردن ليكون بمأمن عن يد جهاز الأمن ويتولى من الخارج عملية توجيه التيار وخوض المعركة، وكما يقول عدد من المقربين من الزرقاوي فقد كان يرى أن نجاح الجماعة الجهادية يتطلب وجود القيادة بالخارج لتتمكن من التصرف بحرية.

على العموم تحول التخطيط من الأردن إلى الخارج وأصبح الزرقاوي القائد المتفرد، بينما بقي المقدسي يدفع ضريبة البقاء من خلال الاعتقالات المتتالية، وتم تهميشه عمليا، وتحولت الأردن لتكون فقط مسرحا لتخطيط الزرقاوي والجماعات التي يرسلها للقيام بتفجيرات ومحاولات اغتيال، بينما كان المقدسي يرصد -على مضض- هذا التحول في طبيعة التيار الذي أنشأه بنفسه، ويبدو أن المقدسي لم يكن راض نهائيا عن مشروع الزرقاوي ويلمح بأن الزرقاوي قد سرق المشروع في اتجاه مختلف تماما!.

حاول المقدسي الإيحاء أحيانا والتصريح في أحيان أخرى إلى عدم قبوله بكثير من ممارسات الزرقاوي ورؤيته لطبيعة العمل الإسلامي، لكنه كان يدرك تماما أن الزرقاوي استطاع سحب البساط من تحت قدميه وتمكن من الاستئثار بتأييد الشباب الذين ينتمون لهذا التيار، ولم تعد كلمة المقدسي لدى أبناء التيار كما كان عليه الحال سابقا، وإذا كان هناك احترام وتقدير ما زال قائما من قبل الزرقاوي ومجموعته للمقدسي فإنه احترام مشروط بعدم صدور أي اعتراض من المقدسي عليهم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر