المقدسي واستحقاق التصحيح (1)

2005-7-9 | محمد أبو رمان المقدسي واستحقاق التصحيح (1)

على الرغم من الفترة القصيرة التي أمضاها المقدسي خارج السجن قبل أن يعاد اعتقاله، فإن تصريحاته والحوارات التي أجراها حملت الكثير من الدلالات والمؤشرات حول التحول في رؤيته وتصوره للعمل الإسلامي والأخطاء التي ارتكبها أتباع ما يسمى بالتيار السلفي الجهادي في الفترة الأخيرة. لكن هناك إصرار واضح من قبل المقدسي على عدم بتر علاقته مع التيار الذي ساهم شخصيا في توجيه أتباعه وأنصاره في مختلف بقاع العالم وتأسيسه وقيادته في الأردن.

هذا التردد من "أبو محمد" -بين انتمائه للتيار الجهادي وبين رؤيته الاستدراكية الجديدة- ما زال حجر عثرة أمام المضي قدما لدفع استحقاق التصحيح والمراجعة الصريحة أو المتسترة وراء الرؤية الجديدة والتي بالتأكيد ستقطع الصلة بينه وبين ما آل إليه حال التيار والفكر الذي رعاه، فهل ينسجم المقدسي مع نفسه وطرحه أم يتراجع تحت وطأة ضغوط أبناء التيار وخشية الاتهام بالتراجع والنكوص!..

في هذا المقال سنتذكر المعالم العامة لمسار المقدسي وبداياته الفكرية وتجربته في الساحة الأردنية ودوره في تشكيل الفكر السياسي للتيار السلفي الجهادي في العالم، وتقديم قراءة المضامين والدلالات التي حملتها كتابات المقدسي الأخيرة وتصريحاته بعد الخروج..

-1-

* صناعة الأيدلوجيا الجديدة:

استقر عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) في الأردن مع بداية تسعينات القرن المنصرم، بعد رحلة تنقل خلالها بين أفغانستان وباكستان والعراق ودول الخليج العربي، وعاش مع أسرته في الكويت، لكن المقدسي -الذي عاد مع أسرته إلى مدينة الزرقاء ليستقر فيها- جاء محملا برؤية وأفكار نقدية حول العمل الإسلامي بمختلف روافده وتشعباته، بما في ذلك التجربة الأفغانية وحالة الدعوة السلفية وهما أقرب تجارب العمل الإسلامي إليه فكريا وحركيا.

المفهوم الرئيس الذي تقوم عليه أيدلوجيا المقدسي هو مفهوم "الحاكمية السياسية"، واعتبار أن كل التشريعات والحكومات التي لا تقوم على التشريع الإسلامي وحده: هي تشريعات وحكومات كافرة، لا علاقة لها بالإسلام ولا يجوز القبول بها والعمل في إطارها السياسي والقانوني، وبناء على هذه العقيدة والخلاصات اعتبر المقدسي أن الحكومات والدساتير والبرلمانات والأحزاب والمؤسسات العلمانية العربية الحالية هي "أنظمة كافرة" لا يقر بها الإسلام ولا يجوز القبول بها والعمل في منظومتها، بما في ذلك الجيش والشرطة ووزارة الأوقاف وحتى مؤسسات التربية والتعليم..

ولم يتوقف المقدسي عند حدود تكفير هذه المؤسسات ووصفها بالجاهلية وتحريم العمل من خلالها، فقد اعتبر أن الأحزاب الإسلامية الحالية مخطئة وأنها ضلت طريقها في الإصلاح، لأنها اختارت طريق مهادنة النظم الحالية إذ لا مجال في فكر المقدسي لمهادنة النظم، فهذه المهادنة هي بمثابة "ترقيع" الوضع الجاهلي، والمطلوب هو مكاشفة الناس بحقيقة هذه النظم المبتعدة عن الشريعة الإسلامية وإسقاطها لبناء النظام الإسلامي الذي لا يستمد مشروعيته إلا من الشريعة الإسلامية، ويقوم على التوحيد الخالص لله الذي يعني لدى المقدسي حصر حق التشريع بالله وحده.

أما محاولة بعض الحركات الإسلامية من الوصول إلى إقامة الدولة الإسلامية من خلال البرلمان ومجالس الشعب، أو التطبيق التدريجي للشريعة بالأدوات السلمية كالانتخابات البلدية والنشاطات الاجتماعية والثقافية، فهذه كلها أدوات ومناهج مرفوضة -عند المقدسي- لأنها "تميّع" العقيدة؛ فإما القبول بالتوحيد بكل شروطه ومقتضياته، وإما الكفر. فلا مجال في شؤون العقيدة لحل وسط.

* يوتوبيا المقدسي وطموحه الكبير: "دولة الخلافة الإسلامية"

أما مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والأحزاب السياسية والتعددية والحريات العامة والجمعيات الأهلية فهي مفردات لعنوان واحد محدد لدى المقدسي وهو "الجاهلية"؛ لأن الإسلام شيء والديمقراطية شيء آخر، ولا مجال للقاء بين النظامين.

المفاهيم والرؤى السابقة مثلت المعالم العامة لأيدلوجيا المقدسي، والاختلاف بين هذه الرؤية وبين أفكار وممارسة جماعات الأخوان المسلمين والجماعات الإسلامية السياسية واضحة، الأمر الذي دفع بالمقدسي إلى توجيه نقد حاد وصريح للإخوان المسلمين وكل الجماعات التي تعمل ضمن النظم الحالية، وإطلاق الاتهامات المختلفة عليها. كما ينتقد المقدسي تجارب العمل الإسلامي الأخرى بما فيها تجربة العرب الأفغان الأولى (في الثمانينات) لأنها لم تقم على أساس واضح محدد من فهم عقيدة التوحيد ولم تبن على إدراك وفقه صحيح للعقيدة السلفية.

وإذا كانت جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية المصرية هي أقرب الجماعات إلى أيدلوجيا المقدسي، إلا أن هناك مواضع من الخلاف بين الاتجاهين على الرغم من الاشتراك في الملامح العامة، وأول بنود هذا الاختلاف الفكري والسياسي أن المقدسي يكفر الجيوش والشرطة العربية بالأفراد، ويرى أن كل من دخل تحت لوائها فهو كافر ما لم يحدث مانعا من التكفير، بينما ترى الجماعات الجهادية المصرية أن الجيوش والشرطة هي مؤسسات ينطبق عليها وصف الكفر، لكن لا ينطبق الوصف على كل من دخل فيها وعمل في إطارها.

استطاع المقدسي من خلال قدرته وموهبته في الكتابة إعادة إنتاج كثير من مصادر ثقافته ومعرفته الشرعية، بما في ذلك تأثره بسيد قطب وميراث علماء نجد وخبرته ومعايشته للتجربة الأفغانية وتنقله بين الجماعات الإسلامية في أقطار مختلفة، وبدأ يبني رؤيته وأفكاره على هذه المصادر مع امتلاكه للغة مندفعة متوهجة قادرة على تحريك المشاعر واستفزاز الشخص المخاطَب، فألف العديد من الملزمات والأدبيات بدأها بمؤلفات تظهر بوضوح الطريق الوعر الذي سيسلكه لبناء الحركة والتيار الذي يتبنى هذا الخطاب الراديكالي، ومن أبرز هذه الكتب "الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية" و "ملة إبراهيم وأساليب الطغاة في تمييعها" و"إعداد الفوارس في هجر المدارس"، "الديمقراطية دين"..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عثمان بخاش

• يوتوبيا المقدسي وطموحه الكبير: "دولة الخلافة الإسلامية"
قرات هذا العنوان للاخ الكاتب وتوقعت ان اجد تفصيلا لما يقصده بال "يوتوبيا" فلم اجد ذلك فيما نشر ، الا ان كان هناك مقطع محذوف؟؟ وايضا لم اجد ما يتعرض لمسالة "الخلافة الاسلامية"
وسؤالي للاخ محمد : اين اليوتوبيا في مشروع المقدسي؟؟
والسؤال الاخر( وعلى خلفية الافتراض ان المقدسي يدعو او يعمل لاقامة الخلافة الاسلامية) : متى كانت تادعوة لاقامة تاج فرائض الدين يوتوبيا- او مثالية حالمة؟؟ وهل العمل لاقامة سلطان الاسلام ومبايعة امام يسهر على تطبيق احكام الشريعة مثالية؟؟ ام ان الامة الاسلامية قدر عليها- في ظل الهجمة الصليبية اليهودية- ان تعيش ابد الدهر واحكام دينها معطلة؟ واليهود يستبيحون حرماتها و اعراضها ويدنسون الاقصى الشريف بينما يدنس الصليبيون الجدد في امريكا قراننا؟؟
هل الثقة بالوعد الرباني باظهار الدين على الدين كله هي يوتوبيا؟ ام ان الوعد النبوي بفتح روما بعد فتح القسطنطينية هو مجرد حلم وخرافة؟؟ لقد وجد سراقة بعض الصعوبة فيما سمعته اذناه من وعد المصطفى له بسواري كسرى ولكنه عاش ليراهما في يديه حقيقة وان اشك فلا اشك بالوعد النبوي "...ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" وان غدا لناظره لقريب "والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون"


Abu Momin

Assalamu Alaikum
I guess that Islam is a comprehensive system and as All Muhadditheen have declared that faithfulness " Ikhlas" is first before acting to do anything , even though Imam Ashafi'i said " this Hadeeth involves more than 70chapters of Fiqih which is understanding the Quran and Sunna Legislation, so Almaqdisi has the right point in this issue not those who sold or willing to sell our Religiion to Hukkam Alkafara, then to say "Sadat was killed unjustified as the calif Othman was murdered...after 17 years in Jail by the head of IkhwanulMuslimeen..Altalmasani..
So this is Tawheed and this is the Aqida,why the prophets SAW, IN ABOUT 13 year built the ISlamic state and why other islamic parties couldn't do it in 80 years organisations age??
and still bargaining in Islam
this is a real defect in Aqida and Fahm Assahih as they said?
Wallahu A'alam, and Allah knows best, Wassalamu Alaikum Wr Wb


محمد أبو ماجد

إن العمل الإسلامي في حقل الدعة الإسلامية يحتاج الى إسس لكل من يتصدر هذاالعمل فنتائج العمل سنعكس سلبا على الإسلام إذا كانت المنطلقات غير سليمة
وإستوقفني كثيرا الإمام حسن البنا عندما قدم ركن الفهم على ركن الإخلاص خلال سرده لأركان البيعة
فلقد بدأ الإمام البنا بركن الفهم بالرغم من أن أغلب كتب الحديث بدأت بحديث عمر بن الخطاب حول الإخلاص
الكثير من الحيرة و عمل مقارنة بين السلفية الجهادية وبين السلفية الدعوية في محاولة للوصول للطريق الأفضل لتبليغ دعوة الله تعالى
طبعا الطريق الوحيد الذي يوصل الى تبليغ دعوة الله هو فهم الإسلام وفهم مقاصده ليستطيع الداعية من السير عبر حقول الأشواك
اليوم السلفية الجهادية تريد التغيير بالقوة حتى لو تم قتل الغير محاربين بل والمسلمين وهذا منطلق خطير وانحراف عن الفهم الصحيح للإسلام
والسلفية الدعوية تمالق الحكام وليس أمامها سوى الكلام عن الحيض والنفاس والتمائم وترى المنكر كل المنكر في الحكام ولا ترحك ساكنا بل الأدهى أنها تصدر فتاوي تساعد الظالمين على ظلمهم
نحن نحتاج الى الفهم الصحيح للإسلام
نحن نحتاج للتربية للإجيال لينطلقوا مبشرين ومنذين هدفهم هداية الناس للإسلام
لقد قالها حذيفة عبدالله عزام لقد إفترق الشهيد عبدالله عزام رحمه الله تعالى مع الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله تعالى على مبدأ التربية والذي نادى به الشهيد من أجل الوصول الى جيل قرآني فريد لكن الشيخ إستعجل قطف الثمرة
ولن تكون طريقا موصلة الى حاكمية العالم الا من خلال الفهم الصحيح للإسلام أولا
وإن أصبت فمن الله تعالى وإن أخطأت فمن نفسي وأسأل الله العلي العظيم أن يغفر للمسلمين جميعا