آخر الأخبار

عون ومعركة الرئاسة المقبلة

2005-6-19 | علي حسين باكير عون ومعركة الرئاسة المقبلة

لا شكّ اأن سم عون اقترن دائما بمسعاه وطموحه إلى اعتلاء سدة الرئاسة في لبنان، وخاصة عند عودته من منفاه القسري في فرنسا بعد فترة 15 عاما من هزيمته أمام القوات السورية في لبنان، وكان عون حتى الأمس القريب وقبل بدء الانتخابات النيابية اللبنانية من أبرز المرشحين لاعتلاء سدة الرئاسة في لبنان، لكن تحولا حصل إثر عودته بعد حصول تحالفات غريبة عجيبة قامت بها تيارات لبنانية عديدة مختلفة في الأفكار والتوجهات والأهداف من أجل خوض العملية الانتخابية، كما أن صفقات دولية حصلت أدت إلى محاولات عديدة لتطويقه وقتل طموحه السياسي سواء كان في النيابة أو في الرئاسة.

* أساسيات في الواقع السياسي اللبناني:

وعلى العموم ينيغي على كل من يرصد الواقع السياسي اللبناني أن يأخذ في حسبانه عاملين أساسين: لأول: إنه لا شيء في لبنان يتم تنفيذه على الصعيد السياسي والوطني إلا ويكون بحاجة إلى توافق من قبل مختلف الأطراف، فلبنان بلد توافقي، بمعنى أنه لا يوجد شخص قائد أو طائفة تقود البلد أو تجمع سياسي ....الخ، فلكي يصبح أي عمل شرعي ويتم تنفيذه فهو بحاجة إلى توافق الجميع، وإن حصل وأن هيمن قرار شخص أو طائفة أو تجمع على لبنان، فستبدأ النعرات الطائفية والمذهبية بالظهور وسيدعو كل طرف إلى نظرية الغبن والتهميش وهذا سيكون مقدمّة لحروب أهلية تم الاتفاق إلى عدم العودة إليها نهائيا.

ثانيا: إن لبنان ومنذ استقلاله وحتى اليوم لم يكن قراراه داخليا خالصا، فقراراته إما تكون مخترقة إقليميا أو مخترقة دوليا، وهذا أمر معروف ومفروغ منه.

* كيف يتم صعود المرشح إلى سدة الرئاسة في لبنان؟

عودة إلى موضوع عون والرئاسة، فإن أي شخصية مرشحة لرئاسة لبنان يجب عليها أن تمر عبر بوابتين إذا أرادت الوصول إلى سدة الرئاسة.

البوابة الأولى هي بوابة البرلمان: ويبدو أن القرار الأساسي في البرلمان سيكون لتحالف الحريري-جنبلاط والتابعين له بانتظار أي مفاجآت أخرى، وبما أن البرلمان هو الذي يختار رئيس الجمهورية اللبنانية، فإن المرشح للرئاسة يجب أن يحظى برضا الأغلبية على الأقل فيه. وفي هذا الإطار فإن عون لا يبدو أنه صاحب حظوظ كبيرة على اعتبار أن هناك خلافا كبيرا وجديا حتى اللحظة بين عون وبرنامجه الإصلاحي من جهة والحريري وجنبلاط وبرنامجهم المحافظ من جهة ثانية، بانتظار أي تحوّلات قد تطرأ، بل ستطرأ بعد انتهاء غبار المعركة النيابية، وبانتظار ذلك فإن تحالف الحريري قد يدعم "بطرس حرب" لمعركة رئاسة الجمهورية إذا ما ترشح، وذلك لسببين على الأقل: الأول هو أن بطرس حرب حليفهم السابق في قرنة شهوان المندثرة، ثانيا: باعتباره شخصية معروفة مسيحيا وعلى الصعيد اللبناني، وبما أن العرف في توزيع المناصب طائفيا يقتضي أن يكون رئيس الجمهورية مارونيا، فقد يتم دعمه من قبل التحالف وعلى حساب غيره.

البوابة الثانية هي بوابة القرار الدولي والإقليمي: نعم، فالمرشح لرئاسة لبنان يجب أن يحظى بضوء أخضر إقليمي ودولي، إقليميا عادة ما يكون لسوريا الدور الأكبر، وذلك كان يتم حتى الأمس القريب وقبل انسحابها، والسعودية قد تكون طرفا أيضا في الموضوع. أما على الصعيد الدولي، فلفرنسا وأمريكا دور كبير. ومن الخطأ الاعتقاد أن عون ورقة فرنسية أو أمريكية، لعله كان كذلك عندما كان خارج اللعبة السياسية وفي منفاه، أما الآن فهو ليس كذلك، وذلك لعدة أسباب:

أولا: إن فرنسا غالبا ما تكون إلى جانب التيار المسيحي الديني والمرجعية الروحية المتمثلة بالبطريرك مار نصر الله بطرس صفير، والذي كان يدعم قرنة شهوان التي كانت بدورها تعمل على إلغاء عون سياسيا، وقد جاء الخلاف بين فرنسا وعون إثر عدم استقبال الرئيس الفرنسي جاك شيراك لعون قبل مجيئه إلى لبنان، وذلك استجابة لقرنة شهوان ولجنبلاط، اللذان طلبا من فرنسا محاولة عرقلة عودة عون إلى لبنان أو إهماله إذا عاد، وهذا ما تم.

وذكرنا سابقا في مقالنا بعنوان "عودة عون وتعقيدات المشهد السياسي الداخلي اللبناني"، ما يلي: "للمفارقة، فإن الأطراف المتوجسة من عودة عون هي الأطراف المسيحية والمارونية، بالتحديد سواء أكانت قرنة شهوان (تيار مسيحي ماروني لا يقل تطرفا عن تيار القوات) التي يتزعمها البطريرك الماروني روحيا، أو القوات اللبنانية التي يقبع زعيمها "جعجع" في السجن منذ 11 عاما. فقرنة شهوان تخشى من عودة عون على أساس أن الجماهير المحسوبة على عون كانت تدعمها عندما كان بالمنفى، إما فقد عاد الآن، فقد يؤدي هذا إلى حرمانها من هذه القاعدة التي كانت تستفيد منها أضف إلى أن فكر عون يختلف كلّيا عن فكر قرنة شهوان خاصة لجهة إلغاء الطائفية، وهو عرف عنه تاريخيا نيته تحجيم دور رجال الدين في السياسة، ولا شك أن البطريرك متضرر من هذا التوجه.........وفي كل الحالات يعني أن التيار المسيحي الماروني قد يعاني من انشقاقات كبيرة ما لم يتم تدارك الأمر والتوصل إلى تسويات داخلية وثوابت للتحرك المستقبلي".

وبالفعل فإن ما توقعناه حصل، فأصوات المسيحيين في الجبل جيّرت إلى عون، وهو ما أدى إلى انتصاره نيابيا في معركة "أم المعارك"، وما أدى إلى إقصاء جميع مرشحي قرنة شهوان، وبالتالي إعلان وفاة تجمع القرنة نهائيا ودون رجعة، وبالتالي فإن عون قسم المسيحيين وارتد عملهم على إلغائه عليهم فتم إلغاؤهم، ولذلك فإن فرنسا قد تسعى للتعويض عن خسارة القرنة بدعم مرشّح لها للرئاسة، خاصة أن فرنسا هي بهذا الصف.

ثانيا: إن أمريكا لا تتوافق وتوجهات عون، فخط أمريكا في لبنان يختصر في تحالف الحريري — جنبلاط والمسيحيين الخاسرين، وهذا الخط كما شرحنا ضد عون حتى الآن ما لم يتم تحول جديد. أضف إلى ذلك أن عون انتهى من الموضوع السوري، فهو الوحيد الذي يمكن تسميته وبعيدا عن الترويج الإعلامي والنفاق السياسي بالمعارض الأصيل للوجود السوري، ومعارضته كانت ضد سوريا في لبنان، أما وقد انسحب سوريا من لبنان فقد انتهت الإشكالية الأساسية معها، هذا هو موقف عون والذي لا يفيد أمريكا التي تريد موقفا شوفينيا من سوريا، وهو يتمثّل في توجهات الطرف الآخر في تحالف الحريري الذي لم يكتف بالمتاجرة بدماء الحريري لخوض الانتخابات، بل تاجر أيضا بالموضوع السوري وما زال، وهذا الخط مفيد جدّا لأمريكا التي تريد الانقسام أن يكون مع سوريا أو ضد سوريا، في حين إن موضوع عون الأساسي الآن هو مع الإصلاحيين والتغيير أو مع الفساد والمحافظين.

وعلى العموم، فإن المرشحين المفضلين من قبل أمريكا وفرنسا هم:

1- نصير الخوري، الذي أفادت المعلومات أن طلب انسحابه من الانتخابات جاء بقرار أمريكي لصالح صولانج الجميل أرملة الرئيس السابق بشير الجميلا، وبالتالي فهي تحتفظ بمنصب رئاسي له لهذا السبب ولأنه ذو منظر أمريكي.

2- نايلة معوّض، وذلك لتعويض القرنة خسارتها في الانتخابات وإقصائها عن الحياة السياسية ولتوافقها مع أهوائها وأطروحاتها المعادية جدا لسوريا.

3- وأما نسيب لحود المرشح، الذي يبدو أنه وإلى الآن الأكثر والأفور حظا من حيث التوافق الإقليمي السعودي والدولي الفرنسي والأمريكي، خاصة أنه كان سفيرا للبنان في أمريكا بعد اتفاق الطائف وله رصيد نيابي مؤيد له، وإن خسر هو الانتخابات ولعل خطوط التقاطع بين السعودية وفرنسا والولايات المتحدة ستتيح له الفرصة، خاصة بعد الزيارة الأخيرة للسعودية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر