آخر الأخبار

الطاقة والأمن الشرق أوسطي: أبعاد جديدة ومضامين إستراتيجية *

2005-6-18 | ترجمة: علي حسين باكير الطاقة والأمن الشرق أوسطي: أبعاد جديدة ومضامين إستراتيجية *

سيواصل الشرق الأوسط احتفاظه بموقع الهيمنة في عالم تجارة الطاقة برغم التنامي المتواصل والثابت في الاحتياطيات المثبتة في سائر أنحاء العالم. فالشرق الأوسط يؤمن حالياً ما يقرب من 70% من احتياطيات النفط المثبتة، بل إن هذه النسبة يتوقع لها أن تزداد في واقع الحال كنتيجة للتنقيبات الجديدة، كما سينمو حجم المساهمة الإجمالية لإمدادات الشرق الأوسط في التجارة العالمية تبعاً للتزايد في طاقات الإنتاج.

علاوة على ما سبق، فإن روسيا والشرق الأوسط سوف يؤمنان معاً ما يقرب من ثلاثة أرباع احتياطيات العالم من الغاز (13) ونفط بحر قزوين، بالإضافة إلى تطور الموارد في أماكن أخرى من العالم، بما فيها غرب أفريقيا وأميركا اللاتينية، قد يغير من شكل صورة الطاقة، ولكنه لن يخفض من الأهمية الإجمالية لمنطقة الخليج على مدى العقد القادم (14) .

ولكن بعض المحللين يعتقدون أن الزيادات الأخيرة في إنتاج النفط الروسي إذا بقيت على حالها المرتفع، فإن الأمر سوف ينتهي بروسيا إلى أن تحل محل المملكة العربية السعودية كمجهز رئيسي للغرب، حتى لو احتفظ إنتاج منطقة الخليج بموقعه المهيمن في الأسواق العالمية .(15).

كذلك فإن مساهمة الشرق الأوسط في إمدادات الطاقة العالمية قد تزداد نتيجة للتطورات السياسية. فالمملكة العربية السعودية أظهرت تراخياً مؤخراً في سياستها المتعلقة بالمشاركة الأجنبية في إنتاج الطاقة وتصفيتها، وذلك بهدف اجتذاب رؤوس أموال جديدة للاستثمار في البنية التحتية للإنتاج في البلد، والتي أخذت الشيخوخة تدب فيها.

كذلك فإن رغبة شركات الطاقة الأوروبية للاستثمار في إيران وليبيا سوف تسمح بتوسع عمليات التنقيب والإنتاج على مدى السنين القادمة. كما أن إعادة إعمار العراق ثم دمجه تدريجياً في الاقتصاد العالمي قد يعيد منتجاً مهماً إلى السوق العالمية.

الشرق الأوسط سيبقى منتجاً مسيطراً على السوق، ولكن أنماط الاستيراد تغيرت، وسوف تبقى تتغير بشكل ملحوظ على مدى العقد القادم. ويتوقع معظم المحللين أن يستمر الطلب الآسيوي على الطاقة في التزايد بشكل كبير للغاية، وخصوصاً في الصين والهند، إلى أن تحل هذه الدول في يوم من الأيام محل أميركا الشمالية كمستهلك رئيسي للطاقة في العالم .(16).

فتصاعد الطلب الآسيوي على الطاقة يتوقع له أن يشكل معظم الزيادة العالمية الإجمالية التي ستحصل في الطلب على النفط، من 75 مليون برميل يومياً إلى أكثر من 100 مليون برميل، بحلول عام 2015. ومعظم هذا الطلب الآسيوي الجديد سوف تتم تلبيته من خلال الاستيراد من منطقة الخليج العربي، وبدرجة أقل، من روسيا وبحر قزوين. ومع نهاية العقد الحالي قد يتجه ما يصل إلى 75 بالمائة من إنتاج الخليج إلى آسيا.

كانت التغيرات في أنماط تجارة النفط بطيئة التأثير في الجدليات الإستراتيجية الغربية. فالكثير من الأميركيين يأخذون مأخذ اليقين فكرة فحواها أن معظم واردات الولايات المتحدة من النفط تأتي من الشرق الأوسط . ولكن الأمر لم يكن كذلك خلال العقود الأخيرة، حيث أن كندا والمكسيك أخذتا تلوحان في الصورة أكبر فأكبر.

كما أن معظم التوجهات الحالية كانت تنحو نحو زيادة الاستيراد من نصف الكرة الغربي والمحيط الأطلسي، ومن ضمن ذلك غرب أفريقيا. وخلال السنوات الأخيرة استوردت الولايات المتحدة 1 بالمائة فقط من حاجتها من النفط من الشرق الأوسط.

وترسم وزارة الطاقة الأميركية استقراءاتها المستقبلية على أساس أن تسد 64% من احتياجات أميركا من النفط من خلال واردات معظمها آت من نصف الكرة الغربي بحلول عام 2002. وبنفس الصيغ النسبية سوف تتقلص، كذلك الاستيرادات الأوروبية من منطقة الخليج. ومن المحتمل أن 10 % فقط من نفط الخليج سيتجه إلى الأسواق الغربية بحلول عام 2015، في حين تتجه 75 % منها صوب آسيا.

ومع أن الولايات المتحدة سوف يتزايد اعتمادها بشكل متعاظم على أنظمة الإمداد الأطلسية أكثر منها على الأنظمة الشرق أوسطية والأوراسية، فإن هذا النفط سوف يتم الحصول عليه وفق أسعار السوق العالمية السائدة.

وكل ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط سيكون له تأثير على كميات النفط المجهزة وأسعارها في جميع أنحاء العالم، ولو أن الصلة في هذه الحالة ستكون أقل مباشرة. إن النفط سلعة عالمية، ولكن تجارة النفط ما تزال تنعكس عليها تكاليف الشحن، وهذا هو أحد العوامل الكامنة وراء تزايد التوجه إلى مخططات مد أنابيب جديدة عبر أوراسيا والشرق الأوسط.

والعولمة في سوق النفط تسهم إسهاماً كبيراً في حماية أمن الطاقة، ولكنها لا تستطيع أن تزيل تماماً مصادر التهديد المحلية. غير أن المشكلة السياسية المتمثلة في تبرير الدفاع عن منطقة الخليج سوف تكون أشد صعوبة وتعقيداً كلما أصبحت الصلة بين نفط الخليج وأمن الطاقة الغربية أقل وضوحاً.

فمنذ عقد مضى، وحين كان اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج آخذاً في التراجع فعلياً في وقت بقيت فيه أوروبا واليابان على نفس اعتمادهما على المنطقة، كان صناع السياسة الأميركيون يواجهون السؤال القائل: "عن نفط مَن ندافع؟"، ولو شئنا الإجابة على هذا السؤال ونحن على مشارف عام 21، فإن الإجابة ستكون: "عن نفط الصين والمستهلكين الآسيويين الآخرين". وهذا المنظور قد يجعل من الأجدى إقامة علاقة تعاونية مع بيجنغ، فيما يتعلق بشؤون الشرق الأوسط، بدلاً من العلاقة التنافسية مستندين إلى تنامي قلق الصين على أمن منطقة الخليج وحولها. والهند كذلك من المرجح لها أن يتزايد اهتمامها وقلقها بشأن أمن منطقة الخليج بالنظر إلى تزايد وارداتها من هناك.

* قضايا آخذة في البروز:

بعيداً عن المسائل الأساسية المتعلقة بالعرض والطلب على النفط وتغير أنماط الاستيراد، فإن هنالك قضايا معينة، منها ما كان قائماً منذ زمن ومنها ما هو جديد، تؤثر في الدور الذي تلعبه الطاقة في أمن منطقة الشرق الأوسط. وعند أخذ هذه القضايا مجتمعة، فإن من المرجح أن يكون لها دور مركزي في تحديد الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة واللاعبون الدوليون الآخرون إلى الشؤون المتعلقة بأمن الطاقة، وكذلك في تحديد توقعات التخاصم والتعاون.

- بروز الغاز:

إلى وقت متأخر كان لسياسة جغرافيا الطاقة معنى مرادف لسياسة جغرافيا النفط. إذ بالنظر لكونه سلعة يتم التبادل بها تجارياً على نطاق العالم بأسره، هيمن النفط على كل المشاورات التي تدور حول أمن الطاقة. فالطاقة النووية تبقى إلى حد بعيد ساحة مقتصرة على السياسة الداخلية العامة، حيث تتركز القضايا الأمنية على مسألة سلامة الطاقة النووية المدنية (وربما الإرهاب أيضا بدرجة أقل)، هذا إذا استثنينا الأمور المهمة المتعلقة بالحد من الانتشار والوقاية. لذلك سوف يبقى السعي لإيجاد منفذ إلى كميات كافية من النفط بأسعار مناسبة هو المتغير المهم في معادلة أمن الطاقة على مدى العقود القادمة، إلا أنه سيكون مصحوباً بتزايد الاهتمام بإمدادات الغاز الطبيعي ونقله. بل إن بعض الدول المستهلكة، في أوروبا الغربية وآسيا بالأساس، سوف تبرز عندها أهمية الغاز بشكل قوي للغاية في حسابات أمن الطاقة.

فالطلب على الغاز آخذ في الاتساع بسرعة في مختلف أنحاء العالم. والغاز وقود عالي الكفاءة، عالي المردود قياساً إلى كلفته يتزايد تفضيله والإقبال عليه لأسباب ليس أقلها الأسباب البيئية. فتجارة الغاز ازدادت بمقدار 12 بالمائة في عام 2 لوحده (17) ، ومن المرجح أن يتزايد استخدام الغاز خلال العقد القادم بشكل أسرع مما سيزداد به استخدام أي من مصادر الطاقة الأخرى، إذ من المحتمل أن يظل يزداد حتى يبلغ نسبة 1 بالمائة بحلول عام 215. وكما في حالة النفط، فإن هذا النمو الهائل في الحاجة إلى الغاز يفترض أن يكون وراء ذلك التوسع السريع في الطلب من جانب آسيا (استخدام الغاز في آسيا حالياً يعد واطئاً للغاية حسب المعايير الغربية). كذلك فإن الغاز، كمورد، يبدو أبعد ما يكون عن النضوب بعد: حيث يقدر أن حوالي 95 بالمائة من الغاز الطبيعي العالمي ما يزال في باطن الأرض (18) ، ولكن الغاز، على خلاف النفط، سلعة إقليمية أكثر منها عالمية.

فتكاليف النقل تعد العامل الحرج في تجارة الغاز، إذ على الرغم من إمكانية نقل الغاز الطبيعي بواسطة سفن متخصصة في صورة غاز طبيعي مسيّل، تبقى تكاليف النقل مرتفعة ودواعي القلق بشأن السلامة، في نقاط التحميل والتفريغ، بالغة الجسامة. بل إنه من الأرجح أن تتعاظم الجدية التي تؤخذ بها الأخطار الملازمة للغاز الطبيعي المسيّل، ذي القابلية العالية على الانفجار، على نطاق العالم أجمع بعد الهجمات الإرهابية الدراماتيكية التي وقعت على الولايات المتحدة في عام 21 (ونقاط شحن وتفريغ الغاز الطبيعي المسيّل تُجعل منذ الآن في مواقع بعيدة جداً عن المناطق المسكونة وهذا يزيد في تكاليف النقل أكثر). ونتيجة لذلك، فإن مد أنابيب قادرة على نقل الغاز وإيصاله إلى الأسواق الكبيرة بأسعار منافسة يعد العنصر الأهم في جغرافية سياسة الغاز. وبالفعل توسعت شبكة الأنابيب الموصلة للغاز بشكل كبير وملحوظ خلال العقد الماضي لتخلق تشابكاً معقداً تتألف منه البنية التحتية للتجهيز في داخل أوروبا، وكذلك البنية التحتية التي تحمل الغاز إلى الأسواق الأوروبية من أوراسيا وشمال أفريقيا ومناطق أخرى في الشرق الأوسط والأوروبيون معتادون على أخذ مسألة أمن الغاز في الحسبان. فبدءاً من مطلع الثمانينيات أخذت أوروبا الغربية تستورد كميات كبيرة من الغاز من الاتحاد السوفيتي السابق عبر خطوط الأنابيب الروسية. وفي إطار اهتمامات الحرب الباردة كانت قضية الغاز الروسي مصدراً للتخاصم في العلاقات عبر الأطلسي، وذلك بسبب قلق العديد من الإستراتيجيين وصانعي السياسة في واشنطن بشأن ما سيترتب على الاعتماد الأوروبي على إمدادات الغاز القادمة من الشرق من انعكاسات على الأمن.

فأوروبا، وألمانيا بالذات، كانت تميل إلى التقليل من القلق بشأن إمكان الوثوق بالإمدادات الروسية، وكانت ترى في التبادل التجاري بالغاز مساهمة مفيدة على طريق الانفراج الاقتصادي الدولي. وكما في مسألة تجهيز النفط كانت أوروبا، ولا تزال، تميل للمحاجة بأن تجارة الطاقة ليست شديدة التأثر بالانقطاعات التي تكمن وراءها غايات سياسية، لسبب مهم هو أن المصدِّرين أنفسهم، المعتمدين على الريع المتحقق من بيع الطاقة، بحاجة أيضاً لأن يبيعوا منتوجهم لأحد ما.

في ذات الوقت، أخذت أوروبا تستثمر الأموال في تنمية البنية التحتية لنقل الغاز عبر البحر الأبيض المتوسط بواسطة الأنابيب (وكغاز طبيعي مسيّل أيضاً). فخط الأنابيب الموصل بين تونس وصقلية عبر البحر المتوسط يقوم بنقل الغاز الجزائري والليبي إلى الأسواق الأوروبية. وقد تمت زيادة سعة خط الأنابيب هذا (المتألف في الواقع من خمسة أنابيب) بشكل كبير جداً خلال السنوات الأخيرة . وقد أفادت تجارة الغاز عبر البحر المتوسط من خط جديد أنشئ عبر الأراضي المغربية،ينقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر المغرب ومضيق جبل طارق. وعلى المدى القريب سوف يمكن إيصال الغاز إلى أوروبا من مناطق أبعد بكثير، من بحر قزوين وأواسط آسيا، وهذا من الممكن أن يتم عبر إيران وتركيا. وذا الخط الممتد باتجاه الجنوب الغربي ظل دائماً المنفذ الأقل تطوراً من بين المنافذ التي تمد أوروبا بالغاز، ولكنه مهيأ الآن هو أيضاً للتوسع بشكل كبير جداً على مدى العقد القادم (19).

واليوم تعتمد أوروبا على شمال أفريقيا في الحصول على ما يقارب 25 بالمائة من احتياجاتها من الغاز. والحاجة أعظم من هذا بكثير بالنسبة لإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وفرنسا. فإسبانيا، على سبيل المثال، تعتمد على الجزائر في الحصول على ما يقارب 70 بالمائة من تجهيزاتها، والبرتغال على أكثر من 90بالمائة .(2) . والخارطة المصورة لطرق نقل الغاز الحالية، والمخطط لها مستقبلاً عبر أوراسيا والشرق الأوسط، تكشف عن تنامي شبكة تجهيز فائقة التعقيد والترامي (21) ، لحصيلة الصافية من كل هذا هو نظام لتجارة الغاز تتجاوز حدوده التصورات يحمل في طياته انعكاسات أمنية هائلة.

إن الشبكة الآخذة في الظهور ليست مجرد وسيلة خطط لها أن توصل الغاز إلى الأسواق الأوروبية،إذ إن هنالك خطوطاً مهمة في داخل المنطقة أيضاً، منها ما هو موجود بالفعل ومنها ما هو قيد الإنشاء. فنموذج "اللعبة الكبيرة"، الذي يرسم وضعاً لا يتوفر فيه سوى عدد محدود من السبل الرئيسية المتنافسة فيما بينها، ويتصاعد الميل للتشاحن والتصادم، قد لا يمكن تطبيقه في حالة البنية التحتية للغاز (بل إنه قد لا ينطبق حتى على حالة خطوط أنابيب النفط بعد أن صار تعدد الطرق وتوفر الممرات البديلة لتجارة الطاقة هو العرف السائد والشائع). فالإكثار من السبل داخل المنطقة الواحدة، وما بين المناطق المختلفة، يكشف عن تزايد في الوفرة وعن القدرة على موازنة الانقطاع في التجهيز.

وعندما تكون هناك أكثر من دولة مشتركة في نقل الغاز، وحين تكون الواردات البالغة القيمة التي تدرها خطوط الأنابيب معرضة للتهديد، ينشأ احتمال قيام مصلحة مشتركة في الحفاظ على استقرار تلك الأوضاع والترتيبات. لذلك، فإن الاعتماد الاقتصادي المتبادل، القائم على تجارة الغاز، قد يكون قوة تصب في صالح استقرار كلا من غرب البحر الأبيض المتوسط وشرقه. فالمغرب والجزائر مثلاً ، وهما خصمان تقليديان متنافسان، يتشاطران أي تهديد يقع على أمن خط الأنابيب المار عبر المغرب. ومثل هذا الموقف قائم أيضاً في حالة ليبيا وتونس. واحتياجات تركيا المتنامية للطاقة (حتى في ضوء الضائقة المالية التي يمر بها البلد) تمثل القوة الدافعة لنطاق واسع من الخطط المتمركزة حول نقل الغاز، وبعض هذه الخطط يتضمن مشاريع إقليمية مشتركة.

فاهتمامات الطاقة اليونانية التركية، على سبيل المثال، تبني الآمال على إنشاء خط أنابيب عبر البحر الأدرياتيكي يربط اليونان، من خلال إيطاليا، بمصادر التجهيز في شمال أفريقيا، وكذلك على فتح طريق يمتد من الجزائر وليبيا إلى السوق التركية الضخمة، التي تتزود بالغاز حالياً من روسيا بالدرجة الأساس .(22).

كذلك هناك إمكانية استغلال مخزونات الغاز عند الشواطئ بالقرب من إسرائيل وغزة، وهي إمكانية مستحيلة تحت الظروف الراهنة، ولكنها قد تصبح ذات أهمية مستقبلية كبيرة خلال العقد القادم.

فقبل تدهور العلاقات العربية - الإسرائيلية كانت هنالك خطط تعد لإنشاء خط أنابيب للغاز يسير على امتداد شرق البحر المتوسط ناقلاً معه إمدادات الغاز من مصر( وربما من قطر أيضاً ) صعوداً إلى سواحل المشرق وإسرائيل وتركيا وأوروبا الجنوب غربية. ولكن تأزم العلاقات مع إسرائيل شكل عقبة في وجه توسع صادرات الغاز المصري، بسبب كون إسرائيل من بين الأسواق التي تدر ربحاً طيباً للغاز المصري من ناحية، ولأن إنشاء خط أنابيب يصل إلى المستهلكين في سوريا ولبنان، متحاشياً المرور عبر إسرائيل، سيكون باهظ التكاليف من ناحية ثانية .(23) ، كما حفز اكتشاف مخزونات من النفط والغاز القابلة للاستثمار في شرق البحر الأبيض المتوسط على عقد مفاوضات بين قبرص ولبنان تتعلق بترسيم الحدود واستغلال هذه الموارد.(24) ، وفي منطقة من العالم أبعد من هذه، كانت ثمة محادثات تدور حول مد خط أنابيب جديد يحمل الغاز الإيراني إلى السوق الهندية النامية، إما تحت البحر بمحاذاة السواحل، أو عبر أراضي باكستان، إذا ما سمحت العلاقات الثنائية.

إن العمل على مخططات طموحة من هذا القبيل سوف يكون نافعاً في توسيع نظام نقل الغاز من الشرق الأوسط، لا إلى أوروبا فحسب بل إلى جنوب آسيا كذلك. ومجمل القول إن العقد القادم يرجح له أن يشهد رسم صورة لتجهيز الغاز أكثر تعقيداً بكثير، تتخللها العديد من نقاط الاعتماد المتبادل. إن جوانب الاعتماد الهيكلية، المحكومة بالبنية التحتية الثابتة التي تقوم عليها تجارة الغاز، قد يمكن الإقلال منها عبر التوسع والتنويع في شبكة التوزيع. ولكن الغاز، وعلى خلاف النفط، لن يكون سلعة عالمية قابلة للتعويض. فالبنى التحتية لاستخدام الغاز وتحميله عديمة المرونة نسبياً، كما أن أنماط الاعتماد في استيراده تتسم بطبيعة هيكلية، على المدى القصير على أقل تقدير. ومع تزايد استخدام الغاز في أوروبا تزايد النظر إلى الغاز كسلعة إستراتيجية، وإمدادات الغاز اليوم تعد عاملاً مهماً في طبيعة النظرة الأوروبية إلى أمن منطقة الشرق الأوسط. وقد تجلى هذا بشكل خاص في طريقة تصور الفرنسيين والأوروبيين من جنوب أوروبا للأزمة الجزائرية. فإمكانية حدوث انقطاعات مستقبلية في إنتاج الغاز وتحميله كانت من بين أبرز الاهتمامات المتعلقة بالاضطرابات في الجزائر منذ مطلع التسعينيات، إلى جانب الخوف من حدوث أزمة لاجئين وتسرب أعمال العنف السياسي.

وعلى الرغم من مرور عقد كامل من العنف الاستثنائي، فإن إنتاج الطاقة وتصديرها من الجزائر لم يبدِ تأثراً بالأزمة، وفي هذا شهادة على سلامة الترتيبات الأمنية في مجال إنتاج الطاقة جنوبي الجزائر وعند منشآت الشحن في الشمال. كذلك فإنه من المحتمل جداً أن الفصائل المختلفة التي كانت تمارس العنف لم ترَ فائدة إستراتيجية تذكر في استهداف صناعة النفط والغاز في البلد. ولكن على الرغم من هذا، فإن من المرجح أن تنشأ التهديدات المستقبلية لإمدادات الغاز القادم من مصادر تقع على أطراف أوروبا بفعل ظروف الفوضى في الدول المنتجة أكثر من احتمال كونها انقطاعات متعمدة أو من جراء وقوع تدخل في خطوط النقل.

لهذا يرى بعض المتابعين في التهديد الذي يمكن أن تتعرض له إمدادات الغاز، وفي استقرار الدول المنتجة الرئيسية، مصدراً جديداً مهماً للاهتمام بشؤون منطقة الشرق الوسط وهو مصدر لا تكاد تربطه صلة بالأسبقيات الإقليمية الأميركية في منطقة الخليج أو بالعلاقات العربية - الإسرائيلية .(25) ، بل إن هذا العامل قد يساعد في الواقع على تحفيز الأوروبيين على أخذ دور أنشط في السياستين الخارجية والأمنية في الشرق الأوسط، ومعه منطقة شمال أفريقيا.

وبما أن معظم إنتاج منطقة الخليج سوف يتجه إلى آسيا في السنين القادمة، فإن هذا قد يوحي بتحول مهم في أسلوب التفكير والتخطيط الغربيين بصدد أمن الطاقة، وهو تحول فيه تركيز أعظم على "الجيران الأقرب" لأوروبا الأغنياء بالغاز. ومن المحتمل أن واشنطن تشعر، وأوروبا تفضل، أن يتخذ الاتحاد الأوروبي موقع الصدارة في سياسة الدفاع عن هذه المنطقة. فهي، بالإضافة إلى كل ما سبق، منطقة قد يكون في مقدور أوروبا أن تبلغها بقدراتها على بسط القوة الأكثر محدودية.

- خطوط نقل جديدة للنفط:

قد يتأثر أمن الشرق الأوسط خلال العقد القادم بالتطورات الحاصلة في خطوط إيصال النفط، الموجودة منها حاضراً والجديدة. فظهور كميات أكبر من نفط منطقة قزوين في الأسواق العالمية، كما سبق أن ذكرنا، سوف يكون تطوراً مهماً، ولو أنه لن يفضي إلى حدوث تحول. وقد نوقش بحرارة على مدى ما يقرب من عقد من الزمن، المستقبل المتوقع لخط أنابيب باكو - جيهان، المصمم لإيصال نفط قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط عبر تركيا. فمع أن خط باكو - جيهان يحظى بتأييد دبلوماسي قوي من قبل الولايات المتحدة، كانت التوقعات المؤملة من تطبيق المشروع تركز دائماً، وقبل كل شيء، على جدواه الاقتصادية على المدى الطويل من زاوية نظر المستثمرين التجاريين.

وثمة متغيرات ثلاثة رئيسية قادرة على التأثير. أولاً، أن المخاطر المهددة للبيئة قد تجبر تركيا على الحد من مرور حاملات النفط الخام الكبيرة جداً والفائقة الكبر عبر مضيق البوسفور مما سيؤدي إلى تضييق طريق (روسيا - البحر الأسود) أمام نقل نفط قزوين. وليس من الواضح إن كان في وسع أنقرة أن تفرض مثل هذه القيود من دون مراجعة بنود معاهدة Montreaux التي تنظم المرور عبر المضيق التركي. ثانياً، من الممكن أن تتطور العلاقات الأميركية - الإيرانية بشكل جوهري خلال العقد القادم، فتتوفر من خلال ذلك إمكانية انتهاء المعارضة الأميركية لنقل نفط قزوين عبر طريق يمر على إيران. والمسافات القصيرة ووجود بنية تحتية لخط الأنابيب قد تجعل هذا الطريق جذاباً بالمعايير التجارية، وهناك بين العاملين في صناعة النفط الدولية من يفضل هذا الخيار. إلا أن الطريق عبر إيران سوف يعني زيادة كبيرة جداً في حركة مرور ناقلات النفط عبر نقاط الخليج العربي الخانقة الحرجة ومن ثم عبر مضيق هرمز.

ثالثاً، من المحتمل أن تعود التطلعات المستقبلية لخط باكو - جيهان إلى تدارس كميات النفط والغاز التي سيكون قادراً على نقلها من قزوين خلال فترة زمنية محددة. فمع تسارع عمليات التنقيب والاستكشاف في عموم منطقة قزوين، ومع تصاعد تقديرات حجم الاحتياطات المُثبَتة، تحسنت جدوى المشروع. وجو التشاؤم الذي كان يخيم على المناقشات بشأن خط باكو - جيهان، والذي كان سمة معظم سني التسعينيات، أخذ يتغير. وقد تم الاتفاق الآن على أمور رئيسية بين تركيا وأذربيجان وجورجيا واتحاد الشركات المشاركة في المشروع. بل إن أعمال الإنشاء التمهيدية توشك أن تبدأ، وهنالك أمل كبير في أن يصبح خط باكو - جيهان حقيقة على الأرض بحلول عام 2010 .(26).

لو تم إنشاء خط باكو – جيهان، فإن دور تركيا كسوق لتوزيع الطاقة سوف يتعمق، كما سيتعزز موقع منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط في سوق النفط العالمية. ولكن ربما يكون من الأهم، في هذا الصدد، أن يعاد إلى العمل الخط الذي ينقل النفط العراقي إلى نقاط التحميل على الساحل التركي من جهة البحر الأبيض المتوسط ، وهو خط كان قد أنشئ قبل سني التسعينيات. فالخطان الموجودان لنقل النفط العراقي عبر الأراضي التركية لهما ضعفا سعة الخط المزمع إنشاؤه بين باكو وجيهان. والنقل عبر تركيا قد يصبح أكثر جاذبية مع عودة صادرات العراق النفطية تدريجياً إلى مستوياتها التي كانت عليها قبل عام 199 ، لأن ذلك سيقلل إمكانيات التعرض مستقبلاً للمنع من جانب إيران.


* هذه الدراسة جزء من تقرير ضخم لمؤسسة راند البحثيّة مؤلف من عدّة أبحاث، و هو بعنوان "مستقبل البيئة الأمنيّة في الشرق الأوسط: النزاع، الاستقرار، والتغيير السياسي"، وهي عبارة عن رؤية مستقبلية في مجالات الإصلاح الاقتصادي والسياسي، العلاقات المدنية - السياسية، تبدل الأنظمة، أمن الطاقة، انتشار تقنيات المعلومات الجديدة، انتشار أسلحة الدمار الشامل. وملخص دراسة ليسير حول الطاقة التي نترجم جزء منها: "تبحث في كيفيّة تأثير التحوّلات الأخيرة في سوق الطاقة على الأمن الإقليمي والتحوّلات المستقبلية. ويطرح ليسير فيها رأيه الذي يقول فيه إن العولمة المتزايدة لسوق النفط حسّن من أمن الطاقة، لكنّ الأنماط المتغيّرة للتجارة ولاسيما عدم الاستقرار الداخلي سيواصل تهديد ذلك الأمن في العقد القادم.

** أيان أو. ليسير: عضو سابق في هيئة سياسة التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية، ومحلل سياسي في مؤسسة راند البحثية.


(13) Global Trends 215, 21, p. 3.


(14) Caspian oil will make an important but marginal contribution, perhaps on the order of the contribution from the North Sea. It is unlikely to prove “another Gulf.” See Richard Sokolsky and Tanya Charlick-Paley, NATO and Caspian Security: A Mission


Too Far? Santa Monica, Calif.: RAND, MR-174-AF, 1999.


(15) See Edward L. Morse and James Richard, “The Battle for Energy Dominance,” Foreign Affairs, Vol. 81, No. 2, March/April 22, pp. –31.

(16) Patrick L. Clawson, “Oil Resources: Markets, Politics and Policies” in Richard L. Kugler and Ellen L. Frost (eds.), The Global Century: Globalization and National Security, Vol. 2, Washington, D.C.: Institute for National Strategic Studies, 21, p. 73.


(17) Gas Daily (FT Energy), May 3, 21, p. 1.


(18) Global Trends 215, 21, p. 28.

(20) Estimates compiled by RAND colleagues Nurith Berstein and Richard Sokolsky from OECD and other sources.


(21) See, e.g., Gas in the CIS and Europe, London: Petroleum Economist/Ruhrgas, 2.


(22) A Turkish deal with Iran for a 25-year supply of gas has fallen behind schedule, raising the possibility that imports from Russia will continue to dominate the Turkishmarket as the “Blue Stream” pipeline across the Black Sea moves toward completion.


Michael Lelyveld, “Turkey: Iranian Gas Import Delays May Favor Russia,” RFE/RL, July1, 2001.

(23) Abeer Allam, “Regional Tensions Thwart Egypt’s Hopes for Gas Sales,” New York Times, August 17, 21.


(24) Cyprus/Lebanon: Talks on Oil-Gas Zone,” New York Times (AFP), March 6, 22.


(25) See, for example, George Joffe, “The Euro-Mediterranean Partnership: Two Years After Barcelona,” Chatham House, Middle East Briefing, No. 44, May 1998, p. 20.

(26) For a discussion of Caspian alternatives, including Baku-Ceyhan, see “Whose Game, How Great?” Private View (Istanbul), Autumn 2; Jan H. Kilicki, “Caspian Energy at


تم غلق التعليقات على هذا الخبر