آخر الأخبار

فوكوياما: السياسي الواقعي 3-3

2005-6-15 | د. محمد الأحمري فوكوياما: السياسي الواقعي 3-3

يبتعد المؤرخون عن الحقيقة كلما اقتربوا من السياسة، حتى إذا كتب السياسيون التاريخ فقد أوردوك البحر، وعليك أن تحتاط منهم بكل وسيلة، وإلا فستهرب الحقيقة منك،وسيغرقونك في مماحكاتهم ومذكراتهم، وعندما يتحقق السياسيون من الغرق يمسكون بحبل التبرير والفلسفة. فعل هذا كثيرون جدا، ومن أجل كثرتهم نجد منهم مشهورين مهمين، فلو لم يفشل (ابن خلدون) في إحدى عشرة وزارة لما تفلسف، ولما نضجت أقواله، ولو لم يذق (هيجل) مرارة القهر لما طوّح في شعاب فلسفة التاريخ، ولو لم يفشل (ماركس) في الوظيفة وفي الثورة لما صنع من التاريخ سيفا يقبضه يتحكم به، ويهز به قناعات الآخرين. وغربت الطموحات والمناصب من يدي (توينبي)، توزع وتباع يمينا وشمالا، وهو الشاب الذي صمم بعض المواقف في مؤتمر الصلح بعد الحرب الأولى، وبالرغم من نبوغه المبكر، إلا أن حظه كان عاثرا؛ فكتب لنا أحسن نصوص فهم التاريخ، تلك التي رأى فيها بعض الإسلاميين انسجاما مع عقيدتهم لا مثيل له.

وبما أن التاريخ هو السياسة بعد أن تخف درجة حرارتها، فإن حالنا مع فهم المسألة التاريخية يصدق عليها وصف العلامة (محمود محمد شاكر) إذ يقول: (لا أعلم نكبة نزلت بالشرق العربي والإسلامي بلدا بلدا كانت أفحش أثرا وأشأم عاقبة من نكبة النسيان والغفلة) ص947 من جمهرة مقالاته. ثم يتحدث عن خلود نزعة الاستعمار لدى الغربيين، وأنهم يقسمون العالم إلى قسمين عالم السادة وعالم العبيد، هم السادة وغيرهم العبيد، وأنهم يتعاونون أشد التعاون في التحكم في أمور العبيد، حتى تجد أن الدولة الغربية عندما لا تقدر وحدها أن تستعمر بلدا عربيا مسلما فإنها تعاون القادرين من الغربيين، وترسل الجنود والعتاد حتى فيما لا يظهر أن لها مصلحة فيه، لتساعد قومها على تدمير وإذلال واستعمار بلد عربي مسلم، وتقهر دول الاحتلال الشعوب المقهورة حتى لا يصبح لها قيمة إلا بمقدار أهميتها في خدمة المستعمر. وذلك بعض ما أشار له شاكر.

ثم تقوم بنشر ثقافة اليأس من الاستقلال والحرية، وتجعل الحرية والكرامة في أعين المسلمين شرا خالصا، وخطرا لا يحتملونه، حتى يرو الذل والاستكانة والتبعية طريقهم الوحيد للبقاء، وذلك ما تسمعونه يتردد هذه الأيام، من قهر للمقاومة في المستعمرات، حتى لا تفكر ولا تأمل في الاستقلال.

والهاجس الإسلامي التاريخي في عقول الغربيين بالغ الحضور، فهذه رئيسة وزراء بريطانيا تاتشر، تتحدث قبل دخول العراق للكويت، في 27 حزيران 1990م، كما نقلت عنها إذاعة البي بي سي، أشارت إلى أن القوات البريطانية يجب أن تبقى على حالها دون تخفيض؛ لأن أوروبا قد تحتاج إليها لمواجهة نهوض إسلامي محتمل. راجع: ( فصول من تاريخ الإسلام السياسي. ص 434.) وهذه الرسالة التي تتحدث عنها (تاتشر) سبقها لها ( ول ديورانت)، الذي يرى أن: "الولايات المتحدة عليها أن تقوم بالدور الذي كانت تقوم به بريطانيا العظمى ببراعة كبيرة في القرن التاسع عشر، أي حماية الحضارة الغربية من الخطر". ص 159 من كتاب: "دروس التاريخ". ويقول: (فالحرب في التفسير العسكري للتأريخ هي الحكم الأخير، يتقبلها الجميع كشيء طبعي وضروري، باستثناء الجبناء والسذج. فما صان فرنسا وإسبانيا عن أن تصبحا مسلمتين غير انتصار (شارل مارتل) في موقعة تور (بلاط الشهداء) عام 732م، السابق، ص 158.

ومن العجيب أن مواجهة الأمم الشرقية والحرب معها في عين شخص هو المؤرخ الأهم في التاريخ الأمريكي كاتب "قصة الحضارة"، يرى أنه: (قد يؤدي الجهد المبذول في الوقت نفسه لمواجهة تحدي الشرق الصاعد إلى إعادة إنعاش الغرب.) ص 19 المصدر السابق. وتلك مسألة قديمة ترتبط بالحروب الصليبية الفاشلة في إبقاء الشرق تحت ربقتهم، ولكنهم يرون اليوم أن الحروب الصليبية كانت مفتاح قوة ومهارة ووحدة وانتشار الشعوب الأوروبية حول العالم، وأنه كان لها أثرها في حركة الإصلاح الديني، وذلك ما يروجه دارسون جدد يهمهم إعادة مهد المسيحية للمسيحيين الغربيين، وإبقاء واستقرار جيوش صليبية في الشرق العربي. ولهذه المذهبية الجديدة أنصار ودارسون مسموعة أصواتهم في الغرب. وكثيرة تلك الدراسات التي تنادي بالحرب مع المسلمين؛ لأنها تعيد التماسك والوحدة والتدين للغرب الذي فقد روحه.

تقولون: ما علاقة هذه النقول بنهاية التاريخ؟

علاقتها أننا وجدنا هؤلاء الكتاب ممن يتظاهرون بمواقف فلسفية عامة، وآراء يحبون أن يلبسوها شعارات عالمية واسعة تتجاوز دولهم وأحزابهم، ومصالح السياسة الجارية يوميا لأممهم، خطأ كانت أو صوابا، وجدناهم ناسامن الناس،تدفعهم ثقافتهم ومهادهم الثقافي وبيئتهم التي نشأوا فيها ومناصبهم في حكوماتهم إلى العمل على نيل مكسب سريع عارض، ويصرون على صياغة مواقف استعمارية حادة، ومزعجة للشعوب المضطهدة، ويجد هؤلاء من بيننا من يصدق أن هذه الفلسفات بريئة من الغرض الاستعماري، وكم يسرنا أن نجد في ثقافتهم ثقافة أقل تحيزا، ولكن كما نقلت في الحلقة الثانية نصوصا من كلامه، فإنه لا يختلف عن موجه لثقافة الاحتلال، وكاتب استعماري تتجدد مهمته مع تجدد مصلحته، ولم لا؟ فدارسون كبار سبقوه لم يختلف دورهم عن دور تأييد الاحتلال وقمع الشعوب المضطهدة، تعجبون من (جيبون) كاتب كتاب اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية، فقد كان عضوا في البرلمان البريطاني، ووقف موقفا استعماريا قاسيا ضد استقلال أمريكا، لأنه كان يفكر بعقل السلطة البريطانية والرومانية خائفا من سقوط المستعمرات في أيدي سكانها، وبعده بأكثر من قرن كان المؤرخ والسياسي والمتنبي النبه، ( توكفيل) مؤيدا لاحتلال الجزائر، واقفا ضد حريتها، وهو أهم مروج لـ: "الديمقراطية الأمريكية".

* حفلة نهاية التاريخ:

المقالة الأولى لفوكوياما قبل تطويرها إلى كتاب حوت فكرة مهمة، "إنها لا تزيد عن فذلكة للانتصار على روسيا، ومشاركة ذكية في حفلة النصر"، كانت مدفوعة ومبنية على قضية واحدة: نحن انتصرنا على روسيا لأنه ليس في العالم فكرة أحسن ولا أقوى من فكرتنا، ولم يبدع البشر خيرا مما أبدعنا، والسبب يعود إلى جهدنا، وهو منطق قارون بعد أن اجتمع له المال أن يقول: "إنما أوتيته على علم عندي"، وهي الفلسفة البعدية لكل فائز، ثم في الكتاب الذي نشر على أنه توسيع للفكرة احتياط كبير وتجنب للنقد، وتوسيع للبحث، وإثبات أنه ألمّ بالمفاهيم من أطرافها حتى بفكرة نيتشة السابقة عن الإنسان الطموح، اضطر أن يحاول أن يشير إلى أن غاية مطمح إنسان نيتشة هو إنسان فوكوياما، أما إنسان هيجل فقد أبدأ وأعاد الحديث حوله مثبتا أنه لم يسر على طريق الشيخ، ولم يؤمن بأفكاره حرفيا ولم ينتسخ عنه شيئا.

كل الذين شعروا بالنصر في كل العصور احتفلوا هذه الاحتفالية، ورأوا أنهم قد أمسكوا بعنان التاريخ، فقد رأى ذلك هيجل في بروسيا، ورآه أيضا ماكولي في الملكية الدستورية في بلاده إنجلترا، ترى ذكر هذا عند (وايتهد) وأرى كتابه هذا مصدرا لكثير من أفكار فوكوياما، ورآه علماء الدولة العثمانية، (راجع أبحاث خالد زيادة في هذا عن العثمانيين) ولعل هذه المواقف تنطلق من الفرحة بالنصر التي يؤولها الإنسان البسيط إلى عامل أو سبب آخر قريب لمزاجه وهواه، وهذا تفسير أرقى من التفسير العنصري الذي عادة ما يهيمن على المنتصر كما وقع فيه دارون، وفلسفه ابن خلدون. ونشير في فقرات سريعة إلى بعض موارد وقضايا فكرة نهاية التاريخ.

أحد معارفه ومناقشيه "بن بيكر" يرى أنه رجل غريب يؤمن بفكرة تثير الأعصاب، وهي فكرة أن التاريخ قد انتهى؟ وهل يرى هذا عاقل؟ ثم كيف يجمع بين هذه الفكرة وبين دور الهندسة الوراثية في صناعة عالم بل إنسان جديد، أليس هذا يعني بداية للتاريخ جديدة؟ والذي ربما لم يلاحظه كثيرون أن الكتاب: "نهاية التاريخ" بذل جهدا كبيرا في إحكام النظرية، فمن ناحية يغلق دائرة النقاش جهده، وفي الوقت نفسه يحاول أن يقول إن كل اعتراض قد حسب حسابه بما في ذلك تجدد وتطوير الأفكار، فهي مهما كانت لا بد أن تصب في الليبرالية والديموقراطية والرأسمالية! ويشنع على كل من فهم نظريته بمعناها البسيط أو المعقد، ويبقى الكتاب رحلة ممتعة بالرغم من متاعبها في الأفكار السياسية ونظريات الاقتصاد والتاريخ.

* الليبرالية:

أعجب من الليبرالي العربي، أو المسلم، أو أي ضحية لأفكار المحافظين على القيم الغربية، أن يجد في نفسه قبولا لليبرالية الغربية، بمعناها الحقيقي، فهي في البدء مصطلح اقتصادي، تعني حرية الرأسمالية الغربية في اجتياح أسواق العالم، وحقها هي فقط في وضع أنظمة وقيم للسوق، أهمها الحرية للاقتصادي الغربي أن يجتاح أسواق العالم، وألا يكون هناك في طريقه عائق من مستعمر آخر، ولا مواطن بلد أو قومية أو ملة أخرى في سنّ "تعريفات"، وقد نقلوا هذه الكلمة كما هي من العربية" لا تتناسب مع مصلحته، ثم تطورت هذا المصطلح ليعم قضايا أخرى بما فيها مبادئ الحريات، وعلاقة الناس بالأديان والأخلاق. "ممن يرون أسبقية المعنى الاقتصادي لليبرالية قبل غيره من المعاني: الفيلسوف الاقتصادي: هايك". وأعجب كيف يمتدح عربي -أيا كان معتقده، أو أي ضحية للاحتلال الغربي- مسألة الليبرالية الغربية، فهي حرفيا تعني استمرار أو عودة الاستعمار الغربي للشعوب المنتهكة سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا، وبقاء الهيمنة على المستضعفين، وعدم أهليتهم، أو حقهم في إدارة ثرواتهم ونظمهم واقتصادهم.

وإليك رأي فوكوياما الذي يلقم الليبراليين حجرا، ويسخر بهم وبعقولهم ممن يرون فيه ليبراليا بامتياز، فهو من الذين وقعوا خطاب اجتياح العراق، وهو يضم صوته إلى صوت مدرسة الواقعية السياسية، وهي مدرسة ضد مدرسة المثالية، أو أصحاب القيم المثالية، فهو من صف كيسنجر، أي الوصول إلى المطلوب بأي وسيلة، ومثال واقعية كيسنجر مذابح تشيلي التي شجع أو أيد فيها (بينوشيه) أن يقيم ديكتاتوريته العميلة الموالية لأمريكا وهي ضد الديمقراطية، وممتهنة بأقصى الصور لمسائل حقوق الإنسان، وأبادت الألوف، وهو من مدرسة كيسنجر في عموم موضوع العلاقات الدولية، والتي أبرز نماذجها (مراسلات كيسنجر- بارزاني)، فقد كان الأكراد لعبة يلعب بها فيلسوف ودبلوماسي محافظ على قيم الغرب بين إيران وتركيا والعراق، وقد مارس المحافظون الأسلوب نفسه أيام الرئيس ريجن وبوش الأب فيما يتعلق بمذابح الأكراد، والأسلحة البيولوجية التي أعطوها صدام ليقضي بها على الإيرانيين والأكراد، واستمر تأييدهم لصدام زمن الحاجة له، ثم انتقضوا عليه لما انتهى دوره لهم وبدأ يشعر بذاته ودورها، وتكرر الأسلوب نفسه مع القذافي، فقد أصبح مثالا يطلب من إيران وكوريا أن تحذوان حذوه، وقد كان مثالا للشر. ي

يقول صريحا في إيمانه بالمذهب الواقعي: "ولا يزال للمنظور الواقعي للعلاقات الدولية، باعتباره مذهبا إرشاديا، دلالته الأكيدة، بالرغم من المكاسب التي حققتها الديموقراطية في السبعينات والثمانينات من هذا القرن، فالنصف التاريخي من العالم لا يزال يتصرف وفق مبادئ الواقعية، وعلى النصف الآخر (أي دول ما بعد التاريخ) أن تطبق الوسائل الواقعية في تعاملها مع النصف التاريخي. وستظل العلاقة بين النظم الديموقراطية والنظم غير الديموقراطية تتميز بالشك والتخوف، وسيظل استخدام القوة هو الحكم النهائي في العلاقة بينها على الرغم من الدرجة المتزايدة من الاعتماد المتبادل في المجال الاقتصادي." نهاية التاريخ ص 244. ثم يفصل في مناقشته عن عقيدته : "فإن الواقعية باعتبارها نموذجا إرشاديا يبين كيف يسير العالم.."، ولست هنا لائما فوكوياما ولا وولفوتز ولا كيسنجر ولا بلير في الإيمان بالعقيدة الواقعية في السياسة، فتلك رؤيتهم كما يؤمنون بها، ولكن العجب فيمن يرى في هؤلاء فلاسفة مرشدين له بينما عقيدتهم تقطر احتقارا له وخطة واضحة في الهيمنة على بلاده اقتصادها وسياستها ودينها وكرامتها، وفعلة وولفوتز والمحافظين الجدد كان قد وعد بها كيسنجر في مقابلة شهيرة عام 1975م في مجلة بزنس ويك حين تحدث صراحة عن عودة الاستعمار المباشر للخليج.

إيمان كاتب أو مثقف بفكرة الواقعية السياسية الاستعمارية لبلاد العرب أو المسلمين أو غيرها فيه تناقض غريب مع بدهيات العقل والمصلحة، إلا أن تكون المصلحة شخصية وليست على مستوى بلد أو أمة أو عقيدة أو منطقة، لأنها حرفيا تعني أن تؤمن بالحق للمستعمرين أن يدمروا حياتك ليسعدوا بحياتهم، وأن يفقروك ليغتنوا، وأن يعلوا من قيمهم لتنهار قيمك، وتلك صراحة نصوص فوكوياما وممارسات المحافظين على قيم الاستعمار قديما وحديثا، وقيم المحافظين على العنصرية، والداروينية الاجتماعية.

إن كان أحد منا يرى في ليبرالية فوكوياما ومذهبه السياسي الواقعي طريقا محمودا للإيمان به فتلك قضية من المهم وضوحها، ولكنها صريحة في نفسها وفي ثقافة أتباعها، أنها تعني لشعوبهم الاحتلال للأنظمة والنهب للثروات، وتعني في حق كل غربي أن له أن يحتل ويدمر كل عائق وطني أو قيمي أو سياسي أو ديني يخالف مصلحته. لأن هذه القيم المحافظة غير قابلة أن تكون عالمية إلا في حالة واحدة وهو أن تمتهن وتحتل قوة أو دولة الجميع، فلا خلاف معهم لأنه قد انتهى وجودهم المصلحي المخالف وأصبحوا جزءا من الإمبراطورية التي لها حق تقرير المصلحة والواقع.

وهنا أسوق مثالا من واقعية هؤلاء المحافظين وهي أسعار "البترول"، فهذه الأسعار العالية ضد مصلحة الشعوب الغربية، ومنطق المدرسة الواقعية أن تخفض الأسعار ولو بالغزو، ولكن هناك سبب مهم غائب عن البعض، وهو أن شركات الإنتاج التي تكسب نحو نصف السعر شركات غربية، فالمصلحة للطائفة المتنفذة في قرار الواقعيين السياسيين، قائمة من ارتفاع الأسعار، ولو نزلت الأسعار عن مستوى مقبول لسقطت البنوك الممولة لشركات البترول الغربية، ولسقطت شركات نفطية كبيرة، هذا سبب؛ ثم سبب آخر أن هؤلاء المحافظين من كبار المستثمرين في حقل البترول وشركاته، فالمدرسة الواقعية تجعلهم يبقون الغبن الواقع على المستهلك الضعيف، ويستفيدون من تعالي نقمته على الدول العربية، التي يرونها مصدر الشر الاقتصادي والسياسي، فيبتزونها بدعم مشاريعهم الواقعية، وفي الوقت نفسه يستعيدون تدوير الأموال الداخلة للدول الضعيفة بأشكال أخرى؛ ثمن أسلحة واستثمارات وتطمينات، وتعويضات وإعادة بناء وما شابه.

* الديموقراطية:

لا يكره عاقل روح الحرية، وهي شوق المستضعفين في كل مكان، ومن دعا للحرية فإنه يدعو لولوج كرامة الإنسان، ولكن الديمقراطية التي يتحدثون عنها في أمريكا ليست ديمقراطية بلادهم التي ارتضوها لشعوبهم، وليست الديمقراطية التي وله بها الناس، إنها نمط جديد قديم، يعرفه كل من اصطلى بنيران السياسة الواقعية الاستعمارية، إنها حرية أن تصرخ، وأن تمتعض، وأن تنتخب وتنتخب ولكن لا تخرج بلادك من ربقة النفوذ، ولا تتصرف في قرارك بحرية، ولا في مستقبلك كما تريد.

ثم إن أمام عينك شاهد يفقأ عين كل مناور، فهذه إيران فيها ديمقراطية، تماما على شروط الانتخاب العادية، ولكنها تريد أن تكون مستقلة، بترولها لها وقرارها لها ولها دينها، ولكنهم لم يرضوا عنها ساعة من نهار، فهم يهددونها بوجود سلاح نووي، وكانت الحال من قبل أسوأ وهم بلا سلاح نووي، وهذا نهجهم مع كل ديمقراطية لا تستجيب لتحكمهم وديكتاتورية المحتل. فقبل الثورة الأخيرة سعى (مصدق) في برلمان منتخب لاستقلال بلاده، فأعادوا الشاه للحكم، وكان في الواقع قناعا للاحتلال، وسجنوا رئيس البرلمان!!

لو جاء شعب منا وقال هذه ديمقراطية على شروطكم لقالوا له من أول لحظة هذه ليست ديمقراطية ليبرالية؛ لأن فيها قبولا بالشريعة الإسلامية حاكمة لشيء من جوانب الحياة,أو بسبب ما يمكن أن يشموه من رائحة الاستقلال، وهكذا سيكون لكل قرار ما ينقضه، وكنت قد نشرت قريبا شيئا من هذا في مقال: "الفجر الكاذب للديمقراطية".

لندع كل هذا الكلام السابق ونقف مع جانب مهم من كتابة فوكوياما ومذهبيته السياسة، فهو من مدرسة كيسنجر، مدرسة السياسة الواقعية.

* الواقعية:

أحد المذهبيات السياسية واسعة الانتشار، وهي تقابل المدرسة المثالية، المدرسة الواقعية تنطلق من أن الإنسان مشغوف بالقوة، حصولا عليها، وتقديرا لها، واستجابة لها، وخضوعا، فتهتم بثبات القدرة القصوى على شن الحرب، والسعي الدائب للمزيد من القوة، وعدم مراعاة القوانين في وجه الحاجة للقوة، وعدم مراعاة الأخلاق في السياسة،تدفعها غريزتان إما العدوانية الحيوانية، أو الرغبة في الأمن، وهذا الأخير تبرير الواقعيين المقدم للناس اليوم. أما المثالية فهي المدرسة التي ترى ممارسة العلاقات الدولية من خلال مؤسسات دولية ومبادئ قانونية، وتنطلق من أولوية الأخلاق في العلاقات بين الدول. (النظرية في العلاقات الدولية)، عدة مواضع.

يعترف فوكوياما بأصل المدرسة الواقعية، وأنها الميكافيلية، الغاية تبرر الوسيلة، ويقول: "لقد كان ماكيافيلي المبشر الحقيقي بالواقعية،.. وأنه على خير الدول أن تتبنى سياسات أسوأ الدول إن هي أرادت البقاء.. غير أن أفصح المدافعين عن الواقعية في الجيل الماضي هو هنري كيسنجر.. الذي رأى أن مهمته في المدى الطويل هي أن يعلم الجمهور الأمريكي كيف يتخلى عن الليبرالية التقليدية للرئيس ويلسون، وكيف يتبنى فهما أكثر واقعية للسياسة الخارجية، والواقعية هي ما يميز تفكير تلاميذ كيسنجر، وخاصة العديدين ممن استمروا في تكييف السياسة الخارجية الأمريكية... ونقطة البداية في كل النظريات الواقعية هي افتراض أن الافتقار إلى الإحساس بالأمن هو المظهر الدائم للنظام الدولي بسبب الطابع الفوضوي المستمر لهذا النظام. فحيثما لا يكون ثمة حاكم للعالم تظل كل دولة عرضة للخطر من قبل كل دولة أخرى، ولن يكون هناك علاج لإحساسها بعدم الأمان إلا باستخدامها السلاح للدفاع عن نفسها". نهاية التاريخ، ص 218. وكما تقرأ في هذه الطريقة في التحليل الصورة الواضحة لثقافة ميكافيلي وتلميذه كيسنجر وتابعه فوكوياما، ثم تعهد بوش الابن العلني بالحروب الاستباقية، وحق أمريكا بالقتل وانتهاك البلدان الأخرى بمجرد الشبهة، وهذه دعوى أوهى من الكذب في قصة العراق، إذ يكفي في هذه الحالة تقرير صحفي كاذب أو صادق لاحتلال بلد.

وإن لم يتيسر ذلك فالعمل باستغلال الايديولوجيا، -مثل ما يحدث اليوم من وعود الديمقراطية، أو إرهاب الناس بتهمة أنهم بعثيون أو أصوليون أو غير ذلك- والأفكار البراقة لإرهاب الشعوب الأخرى، واقرأ أحد مراجع فوكوياما التي لا نحمله مسئوليتها، ولكننا نرى تطبيقها في قضية المتاجرة بالديمقراطية التي تعني بلا مواربة الاحتلال، ونهب الضعفاء: "من أخص خصائص السياسة إجبار الممثل على مسرح السياسة على استخدام الأيديولوجيات حتى يخفى الهدف المباشر لأفعاله..- وهو دائما نيل السلطة-" ص218 . كما أن هذه المجموعات الواقعية لا تستند إلى مؤسسة مشروعية قانونية، ولا تثق بالقانون الدولي ولا بالأمم المتحدة، وهذا ما يفسر موقف هؤلاء اليوم من هذه المؤسسات. فبوش اليوم يصر على تعيين الصهيوني بولوتن ممثلا لأمريكا في هيئة الأمم المتحدة، وهو من عرف بشتم الأمم المتحدة، واحتقار دورها و مكانتها.

ففوكوياما إن تخلص من ميكافيلي فهو أسير كيسنجر، لا يمل تبجيله والاستسلام لمواقفه، بل يرى كتابه رسالة الماجستير عن ماتيرنيخ وزير خارجية النمسا مثالا لدراسة المدرسة الواقعية في السياسة. إن ما سقناه هنا هو جانب من ملامح المنظّر السياسي المنحاز عندما يبرر السياسة فلسفيا!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد نمر المدني

صدر في بداية تشرين أول 2007 كتاب جديد لفوكوياما يحمل عنوان (اذبح !. اقضي على.!.)ويرى فوكوياما فيه بأن المرحلة الأمريكية الحالية وما بعدها تقتضي الانتهاء من المواجهة الضارية مع الإسلاميين ويقترح ويوجب إبادتهم والضقاء عليهم نهائياً وبكافة الوسائل. وهذا الكتاب أخطر ماكتب فوكوياما. وأبشع ماسمعناه عن المواجهة المزعومة. محمد نر المدني كاتب ومفكر سوري . مؤلف كتاب هل يحكم الإسلام أوروبا.
يرجى الإنتباه إلى تصحيح اسمي في المشاركة السابقة.


محمد نمر اتلمدني

فوكوياما فيلسوف الإبادة. فيلسوف المرحلة الجديدة التي تنظّر لها الصهيونية. ففي بداية القرن الماضي كانت للصهيونية مشاريع مرتبطة بالأداء وبالحدث. وتلك كانت مشاريع فكرية وسياسية وفنية ومالية وغير ذلك. وفي هذا العصر نكتشف مشروعاً صهيونياً جديداً زنرى مراحله وخطواته على أرض الواقع. وضمن سياقه نكتشف فكراً وفناً ومشاريع مالية ومشاريع سياسية وأيضاً مشاريع فلسفية تهيء للمرحلة الصهيونية القادمة. وفوكوياما هو واحد منها.- محمد نمر المدني - كاتب وباحث سوري


فادي الزعتري

عند الحديث عن المدرسة الواقعية علينا ان نميز بين الواقعية الكلاسيكية والواقعية الجديدة/ الحديثة ، من ناحية اخر مهم ان نتحدث عن دور المصالح باعتبارها العنصر الاهم الذي يحكم هذه المدرسة فالمصلحة هي التي تحدد السياسات عند الواقعيون .
شكرا