الأردن: المحافظون في مواجهة 'الليبراليين الجدد'

2005-6-15 | محمد أبو رمان الأردن: المحافظون في مواجهة 'الليبراليين الجدد'

ليس صحيحا أن حالة الاستقطاب والجدل السياسي والإعلامي الحالية في الأردن تقع بين تيارين: الأول ديمقراطي ليبرالي يدعو إلى إصلاح وانفتاح سياسي واقتصادي، وتطوير الحياة العامة، وآخر يتخذ موقفا سلبيا من الإصلاح السياسي ومن الاقتصاد الليبرالي، ويطالب ببقاء الأوضاع على ما هي عليه. ربما هذه "المعركة الوهمية" هي نتاج الدعاية السياسية التي يروج لها تيار الليبراليون الجدد داخليا وخارجيا، وهي الفكرة التي تقبلها عدد من الدبلوماسيين والإعلاميين الغربيين؛ فأصبحوا يعتقدون أن هناك مواجهة حاسمة بين تيار يريد أن يمضي إلى الأمام، وتيار شد عكسي رافض للإصلاح والتغيير.

في الحقيقة الجزء الحيوي والفاعل من التيار المعارض لليبراليين الجدد -ومنهم نواب حجب الثقة الذين يتزايد عددهم داخل البرلمان الأردني- لم ينطلق من معاقل اليساريين أو الإسلاميين، فهو تيار يتسم في طابعه العام بالليبرالية السياسية والاقتصادية. وكان يرتبط في الأصل بالسلطة السياسية ومؤسساتها المختلفة، وليس له موقف سلبي من عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي، وإنما تحفظ مشروع ومبرر على برنامج وأجندة الليبراليين الجدد، وهم من يمسكون اليوم بمقاليد رسم السياسة العامة والتخطيط للمرحلة القادمة. لذلك ليس غريبا أن يعارض تيار "المحافظين" والممثل بشكل واضح وكبير من خلال عدد كبير من النواب "المنتخبين" برنامج الليبراليين الجدد إذا اصطدم بمصالح وهواجس الطبقة العريضة والواسعة التي انتخبتهم وتقف وراءهم، ولا يجوز اتهام هذه الطبقة بأسرها بأنها تقف "ضد الإصلاح" والتقدم وتحسين شروط الحياة العامة!، لأن هذه الطبقة بالضرورة لا تتحدث بلغة الأجندات السياسية والاقتصادية وإنما بهموم الحياة اليومية ومتطلباتها.

أبرز ما يتحفظ عليه التيار "المحافظ" سياسيا هو صيغة الإصلاح السياسي الذي يطالب به ويدعو له تصريحا وأحيانا تلميحا عدد من الليبراليين الجدد، وهو إصلاح يتجاهل تماما طبيعة المعادلة الداخلية الأردنية، ويتجاوز حقائق واقعية وتاريخية، مبنية على تقاسم الأدوار ومراكز القوى والنفوذ، ومرتبطة مباشرة بمخرجات الحل النهائي للقضية الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بحق العودة والتوطين السياسي الرسمي الكامل، وازدواجية الهوية والجنسية..الخ.

في المقابل لم يصدر عن تيار المحافظين أي اعتراض على إصلاحات سياسية لا تستبق الحل النهائي للتسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل وتقدم تنازلات سياسية مجانية، ولا يعترض هذا التيار على تحسين شروط الحياة الإنسانية في المخيمات، والمعاملة الإنسانية واللائقة في الدوائر الرسمية، لكنه لا يقتصر الأمر على المخيمات ومناطق محددة، وإنما يطالب بتحسين الشروط الإنسانية والتنموية في مختلف مناطق المملكة بما في ذلك المدن المختلفة والمناطق النائية التي تعاني من هموم اقتصادية كبيرة، ومثال واضح على ذلك مناطق الجنوب، التي تشير الإحصائيات الرسمية إلى ارتفاع في معدل الفقر والبطالة فيها، مع ظروف تنعدم فيها فرص العمل الجيدة.

أما في الجانب الاقتصادي، فالتحفظ الذي يبديه التيار المحافظ ليس على الخصخصة وانفتاح السوق ودور القطاع الخاص، إنما على "الجانب الاجتماعي" من برنامج التحول الاقتصادي و الخصخصة، وتخلي الدولة عن دورها الرعوي، مما يجعل فئة واسعة من المجتمع "مكشوفة" أمام تهديد متطلبات الحياة اليومية، وفي أمنها الاقتصادي، وغير قادرة على التكيف مع التحولات الجارية، التي تقوم على انسحاب الدولة من الحياة الاقتصادية تاركة المجال لقوى السوق. هذا الموقف لا يعني "لا ليبرالية" التيار المحافظ، وإنما يمثل رفضا لمنطق "الرأسمالية المتوحشة" فهو دفاع عن "ليبرالية معتدلة" أو اجتماعية، تعطي مجالا وفرصة للطبقات الاجتماعية المختلفة لتتكيف مع التحولات المطلوبة، ولا تؤدي إلى فجوة واسعة بين الطبقات الاجتماعية. ولعل المقالات التي نشرها مؤخرا وزير السياحة السابق -سامر الطويل- في صحيفة يومية أردنية، توضح هذه الملاحظات من خلال ما يسميه الطويل "الليبرالية الوطنية" في مواجهة الليبرالية الجديدة!.

من جهة أخرى المفارقة الشديدة في موقف جماعة الإخوان ونوابها في البرلمان، وقد كانوا يعارضون مبدئيا برنامج الإصلاح الهيكلي، ولهم رؤية سياسية وفكرية متشددة من علاقة الأردن بالولايات المتحدة، إلاّ أن موقفهم من برنامج الليبراليين الجدد -الذي جرى إسقاطه على تشكيل الحكومة الجديدة ومراكز النفوذ فيها- ما زال ضبابيا وغير واضح على الرغم من التناقض الفكري الواضح والشديد بين الأخوان والليبراليين الجدد، الأمر الذي يثير التساؤل: فيما إذا كانت مواقف الإخوان السياسية في جوهرها تنطلق من رؤية سياسية وفكرية، أم اعتبارات براغماتية وإقليمية؟!.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر