أحد إفرازات الانسحاب السوري: الأمن اللبناني إلى تدويل

2005-6-14 | أحد إفرازات الانسحاب السوري: الأمن اللبناني إلى تدويل

ربما أحد أهم الاستحقاقات التي ستواجه المجلس النيابي الجديد في لبنان تلك التي تتعلق بالملف الأمني في البلاد، حيث جاءت عملية اغتيال الصحافي والمؤرخ اللبناني سمير قصير بمثابة صدمة للجماعة السياسية اللبنانية التي اعتقدت أنها ودعت منهج الاغتيالات السياسية بعد انتهاء الحرب اللبنانية. فالاغتيال هو الأول من نوعه بعد حادث التفجير المروع الذي راح ضحيته رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في فبراير شباط الماضي، ومغزى هذا الحادث أنه ينبئ بأن الجماعة السياسية اللبنانية، وبالذات تلك التي وقفت ضد الوجود السوري بلبنان، هي المعنية بالرسالة.

ويعتبر الكثيرين بأن ملف الأمن اللبناني من أكثر الملفات أهمية وحساسية، ذلك أن الانسحاب السريع للقوات السورية أدى، بحسب البعض، إلى حدوث فراغ أمني سيما وأن هذا الانسحاب صاحبه استقالة عدد كبير من قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية الذين ارتبطوا مع النظام السوري المخابراتي بلبنان، وأفضى ذلك إلى فراغ كبير لم يقم وزير الداخلية اللبناني في الحكومة المؤقتة حسن السبع بملئه عبر تعيين قادة جدد، وبالتالي ظلت أماكن قيادية بالجهاز الأمني اللبناني شاغرة وانعكس الأمر سلبا بطبيعة الحال على الاستقرار الأمني بالبلاد، وثمة أحاديث عن أن الملف الأمن اللبناني قد صار إلى تدويل، حتى إن مشهد محققي ال إف بي، أي الذين يقومون بجمع الأدلة من موقع حادث اغتيال قصير، لم يكن بالأمر المفاجئ لكثير من اللبنانيين. ولكن ربما الوجود المخابراتي السوري يظل هو الأقوى. ذلك أنه رغم إعلان سوريا انسحابها الكامل من الأراضي اللبنانية، غير أن معلومات سربت لجريدة المستقبل اللبنانية أوائل الشهر الماضي كشفت عن أن ضباط مخابرات سوريين شوهدوا في مناطق الشمال بطرابلس ينسقون مع بعض القوى السياسية الموالية لسوريا، ورغم النفي السوري لهذا التقرير، إلا أن الأمر أصبح أشبه بكرة الثلج تكبر يوما بعد يوم.

وكان أن حذر العديد من أقطاب المعارضة اللبنانية من أن الوجود المخابراتي السوري مازال قائما بلبنان بل أن الأمر وصل إلى حد تسمية جنبلاط نفسه للعديد من القادة الأمنيين السوريين الذين شوهدوا "يمرحون يسرحون"، بحسب تعبيره على الأراضي اللبنانية ويتدخلون في الشأن الانتخابي. وقد كان مقتل قصير بمثابة الأمر الذي أدى إلى إعادة التركيز على الوجود الاستخباراتي السوري بالبلاد. فقصير هو أحد أشد المعارضين للوجود السوري وساهمت مقالاته في كشف مساوئ النظام السوري في لبنان، وعقب مقتله تحدث البعض صراحة عن "لائحة اغتيالات" نسبها إلى سوريا تستهدف مجموعة شخصيات على رأسها جنبلاط والبطرك صفير وميشيل عون وسعد الحريري وشخصيات معارضة أخرى.

هذا الأمر دفع بالأمين العام للأمم المتحدة إلى إعادة إرسال لجنة للتحقق من الانسحاب المخابراتي التام، غير أنه من الصعوبة بمكان التحقق من هذا الأمر. ويرى بعض المراقبين اللبنانيين أن السوريين قد لا يكونون غادروا البلاد تماما، ذلك أن سوريا ربما لن تتنازل بسهولة عن أمر ظل روتينيا طيلة الثلاثين عاما الماضية —عمر وجودها بلبنان-، وهو استخدام الأمن في لبنان باعتباره ورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة، والرسالة من وراء اغتيال قصير مفادها أن السوريين وإن أجبروا علي الانسحاب من لبنان مازال بيدهم قرار استقرار لبنان من عدمه.

ولكن هناك قراءة أخرى ترى بأن الساحة اللبنانية باتت مفتوحة أمام العديد من الأجهزة الإستخبارية، وأن الأجهزة المخابراتية السورية ليست سوى واحدة من عدة أجهزة تعيث فسادا في لبنان، وبالتالي ليس من المنطقي توجيه التهم جزافا وبشكل حاسم ضد سوريا وحدها، فهناك آخرون يسعون إلى إشعال الملف اللبناني، وهم في ذلك يستفيدون من الفراغ الأمني الذي أحدثه الانسحاب السوري. ورغم السعي الدءوب لأقطاب المعارضة اللبنانية وعلى رأسها جنبلاط نفسه بضرورة إقالة رئيس الجمهورية باعتباره رأس الجهاز الأمني اللبناني السوري، إلا أن كل محاولاته في هذا الاتجاه قد ووجهت بحائط صلب من رفض البطرك نصر الله بطرس صفير للمس بموقع رئيس الجمهورية، باعتباره أرفع منصب للطائفة المارونية وكذا بالمجتمع الدولي، سيما الولايات المتحدة وفرنسا الممسكتين بالملف اللبناني، والقوتان اللتان تحددان الأولويات اللبنانية.

وبحسب الأجندة الدولية، فرغم التعاطف الدولي الذي أثارته حادثة اغتيال قصير إلا أن ذلك لم يدفع بالأطراف الدولية إلى إعادة ترتيب الأولويات ووضع استقالة رئيس الجمهورية -كما أرادتها المعارضة- قبل كل شيء. وبقيت الأولوية لاستكمال المراحل المتبقية من الانتخابات، ويبدو الحرص الدولي على استكمال الانتخابات، لأنه بحسب الأجندة الدولية، وبحسب القوى التي سرعت بإخراج السوريين من البلاد سيكون على المجلس النيابي الجديد استحقاقات هامة، وكما يقول أحد المراقبين اللبنانيين فإن من قرر توقيت الخروج السوري له أن يقرر ماهية الاستحقاقات المطلوبة من اللبنانيين.

هناك من بين المراقبين اللبنانيين من يري بأن الاهتمام الدولي للبنان سوف ينحصر في إجراء الانتخابات النيابية، لأن الدول لن تستطيع أن تبقي لبنان طويلا على جدول أعمالها بينما يرى آخرون بأن هناك أجندة مطالب أمريكية ليس أقلها نزع سلاح حزب الله. ويرى البعض أن الهوية السياسية للمجلس النيابي الجديد ستحدد من قبل الكتل الرئيسية الكبرى، التي من المقرر أن تسيطر على غالبية المقاعد ونوع الحكومة التي من المفترض أن ينبثق منها وممن ستتكون والأولويات التي يفترض أن تتصدى لها على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي. ومما لاشك فيه أن الانتصار المفاجئ والكاسح الذي أحرزه عون وأنصاره في معركة الجبل من شأنه أن يدفع بالمعارضة إلى إعادة ترتيب الأولويات السياسية، حيث سيكون من الصعب الدفع بملف رئاسة الجمهورية كأحد أهم الأولويات في ظل الإعصار العوني الذي يرى بأن قضايا الفساد والإصلاح السياسي والاقتصادي سيكون هاجسها الأكبر.

ويمكن التنبؤ من الآن بأنه في حال فوز تحالف الحريري-جنبلاط- قرنة شهوان في المرحلة الرابعة من انتخابات الشمال، سيكون هو الكتلة النيابية الأكبر، ويتراوح عدد مقاعدها مابين 35-4 ، يليها كتلة تحالف حزب الله-حركة أمل ثم الكتلة العونية، والتي سيتراوح عدد مقاعدها ما بين 15-19 في حال فوز مرشحيه الأربع في انتخابات الشمال. وإذا ترك اللبنانيون لتقرير مصيرهم، فإن هذه الكتل هي التي ستحدد وجهة التغيير الذي ستسير لبنان باتجاهه، ولكن ثمة علامة استفهام كبيرة حيال موقف ما أصبح يعرف بدول الوصاية الجدد ممثلة في كل من السفير الأمريكي والفرنسي ببيروت، فهؤلاء يعتبرون بأنهم ساهموا في تحقيق الحرية والسيادة والاستقلال اللبناني بعد الخروج السوري، ولن يتنازلوا قطعا عن نصيبهم في كعكة "الاستقلال" اللبناني.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر