الانتخابات اللبنانية: تحالفات انتخابية أم سياسية؟

2005-6-11 | الانتخابات اللبنانية: تحالفات انتخابية أم سياسية؟

كان يمكن للخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بضاحية بيروت الجنوبية مساء الأربعاء الماضي أن يكون مجرد خطابا انتخابيا آخر، غير أن ثمة تغييرا ملحوظا ظهر في شخص بعض الحاضرين، وفي خطاب السيد نفسه إشارة إلى أن المشهد السياسي اللبناني الذي يمر عبر مرحلة مخاض سياسي عسير منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، قد بات إلي تغيير جذري. فلأول مرة منذ انتهاء الحرب اللبنانية الأهلية في العام 199، صار هناك تقارب بين قوي سياسية كانت تقف على طرفي نقيض من بعضها البعض، وكان لكل منها مشروعه للبنان تقوم دعائمه على إقصاء الطرف الآخر وعدم الاعتراف بمشروعيته أو جمهوره. فكان هناك القانوني اللبناني الشهير أدمون نعيم مرشحا للقوات اللبنانية -أحد القوى التي كان يعتبرها حزب الله رافعة المشروع الإسرائيلي في لبنان- جنبا إلى جنب مع مرشح الحركة الإصلاحية الكتائبية التي يرأسها أمين الجميل والنائب أنطوان غانم أحد أقطاب المعارضة اللبنانية.

تعكس خريطة التحالفات الانتخابية في لبنان وضعا مثيرا للحيرة والارتباك لمن يقف خارج المربع اللبناني، وربما أن أكثر الملامح التي ميزت إنتخابات العام 25، والتي بدأت في الثامن والعشرون من مايو الماضي بأولى الجولات في بيروت، هو ما أفرزته من تحالفات تخطت مرحلة الاصطفاف الطائفي -وإن مؤقتا- والخطابات التحريضية التي تلت اغتيال الحريري وبات مايعرف بقوي الموالاة والمعارضة شيئا من الماضي البعيد حيث أدت التحالفات الأنتخابية إلى انضمام حزب الله وحركة أمل برئاسة نبيه بري لتحالف جنبلاط-الحريري- قرنة شهوان- القوات اللبنانية.

ولكي تكتمل عناصر الدهشة حيال المشهد اللبناني، وجدنا تحالفا يكشف عن نفسه بين الجنرال العائد من المنفي ميشيل عون وأحد أكثر المعارضين حدة للوجود السوري في لبنان لمدة خمسة عشر عاما متحالفا مع قوى سياسية، لم تكن سوى بوابة دمشق لبيروت ومحاور الارتكاز للوجود السوري مثل النائب ميشال المر ووزير الداخلية السابق سليمان فرنجية والزعيم الدرزي طلال أرسلان، وهو تحالف أثار انتقاد الكثيرين من دوائر المعارضة بل ووصل إلى حد اتهام عون نفسه بأن عودته كانت بسبب صفقة رتبت لها دمشق.

فكان أن رد عون بتصريحات قاسية اتهم فيها المعارضة بقيادة جنبلاط-الحريري بمحاولة عزله سياسيا وتضييق الخناق عليه وأعتبر أنه مثلما تحالف جنبلاط مع قوي كانت محسوبة على الموالاة فلماذا ينتقده لتحالفه مع المر، وذكر عون بأن "كل البلد كانت مع سوريا"، وأنه وقف وحيدا يطالب بإنهاء الوجود السوري. وقد استمر السجال السياسي بين عون من ناحية وبين قوى المعارضة الأخرى، سيما أقطاب قرنة شهوان وهي كتلة مسيحية تضم بعضا من أشهر السياسيين اللبنانيين، منهم نسيب لحود وبطرس حرب وسمير فرنجية ونايلة معوض.

ربما يكون حزب الله هو القوة السياسية الوحيدة التي كشفت وبصراحة عن هدفها من تلك التحالفات التي أطاحت بكل الثوابت في السياسة اللبنانية. وبحسب قياديين في الحزب، فإن هذه التحالفات ليست ذات طبيعة مؤقتة فهي تحالفات سياسية بالأساس، الهدف الوحيد منها العمل على تحقيق إجماع لبناني يتخطى التصنيف الطائفي حيال سلاح المقاومة، ويقول محمد فنيش النائب المنتخب عن حزب الله بالجنوب، أن الهدف بالأساس هو توفير الغطاء السياسي اللازم للدفاع عن المقاومة وسلاحها والوقوف في وجه المحاولات الأمريكية لخرق الجبهة اللبنانية الموحدة والمتفقة علي ضرورة إبقاء سلاح المقاومة حماية للبنان من العدوان الإسرائيلي المستمر.

وبالتالي حين يحين موعد استحقاقات ما بعد الانتخابات، والتي سيأتي سلاح المقاومة على رأسها يكون إجماعا لبنانيا قد تحقق وعبر عن نفسه في صورة تحالفات سياسية وكتل برلمانية قوية لا تسمح بتمرير "المشروع الإسرائيلي عبر المجلس النيابي الجديد"، لم يكن غريبا أن يكون شعار حزب الله الانتخابي هو "مقاومة تحمي وطن يحمي مقاومة"، ولم يكن مفاجئا أن الحزب حشد ناخبيه في دائرتي الجنوب اللبناني تحت مسمى التصويت ضد القرار 1559، فقد كان خروج ناخبي الجنوب بحق عن قناعة بأن الانتخابات قد أضحت استفتاء على إبقاء سلاح المقاومة، والجنوبيون أكثر من غيرهم يدركون مغزى أن يبقي سلاح المقاومة رادعا من خروقات إسرائيل المتكررة لسماء لبنان وأراضيها.

ورغم صرامة نظام حزب الله والتزامه الحزبي الدقيق، إلا أنه يمكن القول بأن التحالفات، التي اختارت قيادة الحزب أن تتعهد بها، لم تكن تلقى قبولا في كامل الصف الشيعي المنضوي تحت لواء الحزب، وقد برزت بعض المظاهر في الجولة الانتخابية الأولى التي أجريت في دوائر بيروت الثلاث، تعكس ذلك. فقد قام بعض الناخبين الشيعة بالتشطيب على أسماء بعض المرشحين التابعين لتيار المستقبل، والذي تحالف معه حزب الله عبر تسمية مرشحه محمد شري في بيروت على لائحة الشهيد رفيق الحريري، وذلك لصالح مرشحين آخرين مثل التصويت للمرشح ذي التوجه الناصري القومي المستقل نجاح واكيم على حساب النائب عاطف مجدلاني من تيار المستقبل، وتشطيب النائبة غنوة جلول أيضا عن تيار المستقبل، وقد هدد هذا الأمر تحالف حزب الله مع المستقبل، ودفع حسن نصرالله بحسب مصادر قريبة من الحزب بأن يعقد اجتماعا عاجلا مع كل أعضاء ماكينته الانتخابية مشددا عليهم بضرورة ألا يتكرر هذا الأمر في الجولات اللاحقة، لأن التزام الحزب بالتحالف مع تيار المستقبل يجب أن يمتد ليشمل كل قواعد الحزب ولا يجب أن يعترض عليه أحد.

ورغم ما وشي به عدم التزام الناخبين الشيعة بنوع من عدم الرضي الصامت عن تحالفات الحزب الجديدة، إلا أن قياديي الحزب رفضوا اعتبار أن الأمر يكشف عن خلاف في الرؤية بين قيادات الحزب وبين قواعد الناخبين وشددوا على أن الأمر لا يخرج عن كونه "خطأ إجرائي"، بحسب نواف الموسوي رئيس العلاقات الخارجية بالحزب. بل واعتبرت بعض مصادر الحزب بأن تضخيم ماحدث ليس سوى محاولة أمريكية لخرق التحالف الذي أسسه الحزب مع أقطاب المعارضة.

ثمة تحالف آخر أقامه حزب الله مع حركة أمل الشيعية برئاسة نبيه بري وهو تحالف ضم القوتين الشيعتين الأكبر في لبنان ووصف بأنه "عرس الوحدة الشيعية"، كما تبدى في لائحة الجنوب الموحدة، وللمرة الأولى يتشكل تحالف انتخابي بين الفريقين اللذين كانا بالأمس في موقع صراع على من له السيادة على شيعة لبنان. ويعد هذا التحالف داخل الطائفة الواحدة من أهم التحالفات التي أفرزتها الانتخابات. ورغم أن التحالف أمن لكل من حزب الله وأمل فوزا ساحقا ب ثلاثة وعشرون مقعدا هي نصيب الجنوب في المجلس النيابي البالغ عدد مقاعده 128 مقسمة بالتساوي بين مسيحيي لبنان ومسلميها بحسب اتفاق الطائف. وتؤكد مصادر في كل من الحزب والحركة على أن التحالف يتخطي البعد الإنتخابي ليصب في خانة الوقوف بوجه الأجندة الخارجية التي تفرض علي لبنان. ذلك أنه ثمة شعور طاغ داخل الطائفة الشيعية بأنها المستهدفة بأي مشروع أمريكي للبنان ورغم الحرص الشديد الذي يبديه أقطاب الطائفة مختزلين بحزب الله وحركة أمل علي التأكيد علي الوطنية والهوية اللبنانية للمقاومة إلا أن ذلك لم يخفف من وطأة هواجس الخوف لدي قطاع من اللبنانيين –مسيحيون بالأساس- من سلاح حزب الله.

ورغم النفي المتكرر لقادة الحزب والتأكيد على أن سلاح المقاومة هو "سلاح كل اللبنانيين من أجل دحر الإحتلال ومواجهته وليس سلاحا إستقوائيا لفئة علي فئة وهو موجه لعدو يستهدف كل اللبنانيين"، بل ويعتبر قادة الحزب بأن العقلية التي تنظر للسلاح بشكل طائفي هي "عقلية ميليشاوية".

وقد شابت الجولتان الأولى والثانية ظاهرة مقاطعة قطاع كبير من مسيحيي لبنان لعمليات الإقتراع، حيث سجلت أدنى معدلات حضور الناخبين في مراكز الإقتراع المنتشرة بالمناطق ذات الثقل المسيحي، مثل الأشرفية ببيروت التي سجلت مابين 7 إلي 9 في المائة، وبين جزين في الجنوب التي سجلت نسبة لا تتعدي 3 بالمائة وتعكس هذه النسب المتدنية نوعا من الاحتجاج المسيحي الصامت على القانون الذي تعقد بموجبه الإنتخابات والمعروف بالقانون رقم 2، رغم أن هذا القانون يعطي المسيحيين نوعا من التمييز الإيجابي على حساب المسلمين، بمعنى أنه بينما كل 25 ألف ناخب مسلم ينتخبون نائبا واحدا، هناك 18.5 ألف مسيحي ينتخبون نائبا. والمقاطعة لم تكن مسيحية بامتياز، وإنما تم رصد حالة من العزوف لدى قطاعات كبيرة من الناخبين السنة أيضا الذين لم يقبلوا على انتخابات بيروت بالنسبة، التي كانت متوقعة رغم الحشد العاطفي الهائل للماكينة الإنتخابية لتيار المستقبل ولسعد الحريري نفسه، الذي ظل يحث ناخبيه حتى آخر لحظة على الخروج والتصويت. عكس هذا العزوف شعورا لدى قطاعات واسعة من اللبنانيين بأنه "بنا أو بغيرنا سوف تتم الانتخابات".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر