آخر الأخبار

فوكوياما: مثقف الاحتلال 2-2

2005-6-2 | د. محمد الأحمري فوكوياما: مثقف الاحتلال 2-2


(من المراقبة لكثير من توجهات الثقافة الأمريكية نلاحظ أنها تتجه باتجاه الثقافة البريطانية في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية العشرين، حين كان يتجه المثقفون إلى مهنة الموظف الاستعماري).

نتابع جوانب مهمة من مواقفه السياسية ومهاده الفكري، فهو يقرر في أماكن عديدة ولاءه لقادة المحافظين الجدد، ثم يكتب لهم الإرشادات، ويعيب عليهم التقصير في بناء الشخصية التابعة الخنوعة للشعوب المحتلة، وستجد فيما يلي من المقال شواهد ذلك، وقد تركت الكثير مكتفيا بالإشارة لبعض المقالات، ومنها مقالة: "هل ابتدأ التاريخ مرة أخرى" على موقعه في الإنترنت، وفي مقابلة مع إليزابيث ليفي بعد صدور كتاب اللحظة كما-يسخر منه خصومه-: "بناء الدولة: الحكم ونظام العالم في القرن الحادي والعشرين"، يشير بالدولة إلى الدولتين اللتين هدمتهما أمريكا 'أفغانستان والعراق' وغيرهما، وكيف يعاد بناؤهما. يعترف للكاتبة "أنه يفضل الصهيوني المتطرف بول وولفوتز من المحافظين الجدد الذي كان -كما يقول- مديرا للجامعة التي كان يعمل فيها"، وسبق لفوكوياما أنه كان مع أساتذته من المحافظين الجدد من ضمن قائمة الذين قدموا خطاب طلب غزو العراق في يوم 12 سبتمبر 1م، (راجع مقال الإسلام وأمريكا أعداء أو خصوم) بقلم لال خان، من الشبكة.

ولم يكن تصرفه ذلك فيما تبين للجميع لاحقا إلا موقفا إمبرياليا استعماريا، ونحن في هذه الحالة أبعد عن أن نحترم له هذا، ولا كل الأحرار في العالم، ولا أنصار الحرية ولا المدعون بالليبرالية من الشعوب المغلوبة على أمرها. وإن لم يكن هكذا، فهو موقف متفان في خطة المحافظين الجدد، ذلك أن أساتذته الصهاينة يرون ذلك، وهي عقدة موجودة مع الأسف لدى كثير من المثقفين الأمريكان -بشتى توجهاتهم، الدينية والسياسية- إذ يملي عليهم الصهاينة بزعمهم أن بقية الأمريكان والغربيين لا يعرفون العرب ولا المسلمين ولا الشرق الأوسط، فهم يتولون تعريفهم، ودلالتهم في المنطقة المخيفة العالم الإسلامي.

وبهذا يصادر الصهاينة الأمريكان حق أي مثقف أمريكي في معرفة المنطقة بنفسه، وهذا العذر الذي نصطنعه لفوكوياما، على الرغم أنه غير معذور، كيف وقد تولى منصب التخطيط السياسي للحكومة الأمريكية وتعرف عن قرب عليها.

من المراقبة لكثير من توجهات الثقافة الأمريكية نلاحظ أنها تتجه باتجاه الثقافة البريطانية في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية العشرين، حين كان يتجه المثقفون إلى مهنة الموظف الاستعماري، فنرى الكاتب المتقن لفنون حكم الشعوب الأخرى وتركيعها وإخضاعها، وزرع عدم الثقة فيها والتعامل معها كموضوع للدراسة، والبحث والفهم، فهي مصدر طاقة وقوة ونفوذ وغنيمة تحتاج إلى حسن إدارة الموارد. وذلك ما تجدونه من زخم الكتب الغريبة والدراسات والرحلات، ودراسات المجتمعات المغلوبة على أمرها، ولم يكن لنا من دور في هذه القصة الطويلة التي بدأت أمريكا تفتح أبوابها علينا إلى نفس هذه القصة مكرورة، فبعد الاحتلال الفرنسي والإيطالي والبريطاني، جاءت الإمبراطورية الأمريكية بمستشرقيها الإداريين لتتحدث عن المستعمرات وثقافتها، في قصة مكرورة ممجوجة ثقيلة الدم رديئة الإخراج.

تقولون كيف تقول هذا عن فوكوياما؟ أقول لقد خلع لباس الثقافة والفكر في أحد مقالاته التي وجدتها وأنا أبحث عن مقالاته في الإنترنت، كتب لينذر قومه أنهم لم يعرفوا ثقافة الشعوب المغلوبة على أمرها، ولم يدرسوها، ولم يستبطنوا مجتمعاتها، ولم يعرفوا لغاتها، فلم يكن في "السي آي آيه" من يعرف لغة البشتون إلا نحو أربعة أشخاص، وليس من السفراء الأمريكان من يعرف العربية إلا ندرة، وينظر لحكومة بلاده أن عليها أن تربي الشعوب الأخرى بحيث ترى الأمور من المنظار الأمريكي، حرفيا يقول: "لن نستطيع أن نشارك أو ننشر تأثيرنا حول العالم إلا إن نكون قادرين على تدريب غير الأمريكان ليروا الأشياء من منظورنا، أو نساعدهم ليكتسبوا الوسائل العقلانية التي تجعل التحليل الهادئ -أو النزيه- ممكنا" ثم يدعو إلى الدراسة الإقليمية للعالم العربي والإسلامي.

ما الذي نتوقعه فأخلفنا الظن؟ وما الذي لم نتوقعه؟ وماذا يحسن بنا أن نفهم من هذا؟

إن كنا نطلب من فوكوياما أن يفهمنا، فهو يحب أن يفهمنا فعلا، وكثير من المستعمرين والمحتلين من الفرنسيين والبريطانيين واليهود والإيطاليين بذلوا جهودا صادقة لفهمنا، ولفهم الأفارقة والهنود والآسيويين والهنود الحمر وجميع الشعوب المقهورة، ولم نزل موضع دراساتهم منذ تعالت مصالحهم الاقتصادية والدينية والسياسية في بلادنا.

ما الذي لم نتوقعه؟ لم نتوقع أن فوكوياما كاتب تقارير ودارس إمبريالي كسابقيه ومعاصريه ولاحقيه همه أن يسخر المعرفة للسيطرة على الشعوب الضعيفة، وذلك مصدر نقمته على الكتّاب الذين عرفوا الاستشراق والاستعمار والإمبريالية بدقة، مما جعل أمثال فوكوياما يحذرون منهم تحت أكذوبة أن هؤلاء يبالغون في تصوير المثقف الغربي الحكومي غالبا كواحدة من وسائل المستعمرين تحت ستار الثقافة. وهذه قصة حية ولم تمت.

وهو بكل قوة وصراحة يروج لسيطرة الاحتلال وجعل الاحتلال وثقافته تقبل بطريقة علمية وثقافية تجعلنا نفكر تفكيرا عقلانيا هادئا، ولكن العقلانية الهادئة كما يسميها هي أن نقبل كل شيء عندهم وأن نفكر مثلهم؟ حسنا فهل يسمحون لنا أن نفكر مثلهم؟ قد نتمنى ولكن ذلك مستحيلا، إلا إذا فهمنا أن التفكير مثلهم يعني أن نفكر بمصلحتهم وضد مصلحتنا، وقد نجحوا في ذلك، وإلا فلماذا لم يفكر الأمريكان في الثورة الأمريكية -أو حرب الاستقلال- كما يفكر الإنجليز المحتلون لأمريكا ويفكرون بمصلحة الملك والتاج البريطاني ويكونون مواطنين صالحين مثقفين متعقلين ولا يثورون على الملك، وهو يشاركهم الدين والجنس نفسهما؟

هم لم يكونوا عقلانيين ولا مثقفين ولا متنورين، فيرضخوا للمستعمر البريطاني؟ بل دخلوا في ظلام الإرهاب والثورة والعنف والتمرد كما تفعل المستعمرات، فإن انتصرت كانت ثورة العدل والحرية ومبتغى الإنسانية وغاية تطورها، وإن فشلوا كانوا عصابات إرهاب وعنف مدمرة.

وكما يقول البريطانيون وقتها؛ فقد انتصر المجرمون والهاربون من السجون والمتطرفون والمهووسون دينيا بإقامة "كيان للمارقين"، أعداء المدنية، -كما كانوا يعيرونهم- سمّوه بـ 'الولايات المتحدة الأمريكية'، وأحرق البريطانيون مكتبة الكونجرس 1812م، ليبقوا هؤلاء المارقين مجموعات متوحشة جاهلة فاقدة للأمل وللمعرفة، وعاودوا محاولات تدمير أمريكا عدة مرات تماما كما فعل الأمريكيون مع مكتبة بغداد، ومع محاولات التدمير المتكررة منذ 199.

وكل كلام اليوم عن الديمقراطية والحضارة فذلك في بهدف تجميد الغنيمة وتبريدها وجعلها تفكر بمصلحة أمريكا، كما يكرر فوكوياما اقتراحات قرون من قبله، وقد أصبحت هذه الأفكار تجري في دمه وتكوينه فلا يعرف غيرها ولا يستطيع فهم الأمور بغير هذه الطريقة، مثل الذين يقاومون الاحتلال والذين قاوموا الاحتلال البريطاني في أمريكا يفكرون بهذه الطريقة ولا يكذّبون أحدا، إن المصلحة والفطرة تمتزجان بحيث يصعب الفصل بينهما! لماذا يريدنا أن نفكر بمصلحته؟ وندوس مصالحنا ومصيرنا؟ وهل المكافأة والألقاب الجذابة التي سوف يهبونها لنا في حال قبلنا عن رضا مثل ألقاب: "مثقفين، وواعين، وأذكياء، وأمناء وليبراليين، ومتنورين، وتقدميين، وديمقراطيين، ومن سكان العالم الحديث، وإلى آخر الألقاب التي يمتدح بها السادة عبيدهم المطيعين، المؤهلين أن ينعموا بالخمول في المستعمرات.

وقد عجبت مرة لنص كتبه جبران خليل جبران يصف فيه الألقاب التي يطلقها السيد الأمريكي على عبيده المطيعين السود، فكلها تمجيد له كلما أغرق في عبوديته، وإذا لاحت عليه تصرفات أو سيماء الحر الكريم، أطلقت عليه ألقاب الوحشية والتخلف والتمرد والمروق، والفرق أن ألقاب العبيد بالأمس كانت تطلق على من يتمرد في داخل القارة، واليوم خرجت من القارة ليوصف بها الخارجون على الطاعة في الخارج كما يلقي السيد.

أكاد أقول إن فوكوياما لم يفكر بعقل إجرامي وهو يصنع ويردد تلك المفاهيم، إنه استجاب فقط لنداء الثقافة الغربية التي تسكن كيانه وتحاصر عقله، وتستبد بكل شيء، إنه منسجم مع ثقافته ومع ثقافة الاحتلال واحتقار المغلوبين، ثقافة وفكرا وسلوكا.

مثله مثل الكتاب المهتمين والدارسين للمستعمرات، سواء كتب تقريرا، أو أرشد لقرار، أو وقع على بيان صهيوني طلب توجيه قوات لغزو المتمردين في بغداد أو غيرها، إنه يمثل بالنسبة لنا ثقافة المستعمر المستبد وإرشاداته، وهي تقارير معادة، لا يختلف فيها كاتب تقرير عن آخر، غير أن لفوكوياما جانبا آخر غير الشخصية الاستعمارية وفكرتها:

موقفه من الإسلام.

يصنف فوكوياما على أنه علماني، وليس مهتما بالدين، على الرغم من كونه ابن قسيس مبشر، تولى التبشير حتى في خارج أمريكا، ولا نلحقه بثقافة والده، ولا ندينه بثقافة خلّص أصدقائه من المتعصبين الصهاينة، المروجين له. ولا نلومه في أن نحمله عبء الثقافة الغربية المسيحية والعلمانية تلك التي تكره ابتداء الثقافة الإسلامية، وتكره رموزها وأشكالها وتاريخها، لسبب عميق في تركيبة ثقافة هؤلاء، أنهم ينشأون في الكنيسة أو الشارع على كراهية الذين سلبوا منهم مهد المسيحية، هذا عند المتدينين، وعند العلمانيين نحن متعصبون، أصحاب دين يمتهن الإنسان، دين غريب وعدواني، وإن ذهبت في ثقافتهم يمينا أو شمالا فإن المكتبة الغربية تنشئ أهلها على كراهية المسلمين، وقد عرفت هذا من معايشة طويلة ومناقشة لشتى الفئات. وقلة جدا من يسلم من وباء ثقافة الكراهية للمسلمين، أو تكون عنده الشجاعة على تجاوزها، وهم موجودون دائما.

نتجاوز ذلك ونقرأ له يقول: "صحيح أن الإسلام يشكل أيديولوجية متسقة ومتماسكة شأن الليبرالية والشيوعية، وأن له معاييره الأخلاقية الخاصة به ونظريته المتصلة بالعدالة السياسية والاجتماعية. كذلك فإن للإسلام جاذبية يمكن أن تكون عالمية، داعيا إليه البشر كافة باعتبارهم بشرا لا مجرد أعضاء في جماعة عرقية، أو قومية معينة. وقد تمكن الإسلام في الواقع من الانتصار على الديمقراطية الليبرالية في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، وشكل ذلك خطرا كبيرا على الممارسات الليبرالية حتى في الدول التي لم يصل فيها إلى السلطة السياسية بصورة مباشرة. وقد تلا نهاية الحرب الباردة في أوروبا على الفور تحدي العراق للغرب، وهو ما قيل (عن حق أو عن غير حق) إن الإسلام كان أحد عناصره"، ويستمر في القول: "غير أنه بالرغم من القوة التي أبداها الإسلام في صحوته الحالية، فبالإمكان القول: إن هذا الدين لا يكاد يكون له جاذبية خارج المناطق التي كانت في الأصل إسلامية الحضارة. وقد يبدو أن زمن المزيد من التوسع الحضاري الإسلامي قد ولى. فإن كان بوسع الإسلام أن يكسب من جديد ولاء المرتدين عنه، فهو لن يصادف هوى في قلوب شباب برلين، أو طوكيو، أو موسكو، ورغم أن نحو بليون نسمة يدينون بدين الإسلام (أي خمس تعداد سكان العالم) فليس بوسعهم تحدي الديمقراطية الليبرالية في أرضها على المستوى الفكري. بل إنه قد يبدو أن العالم الإسلامي أشد عرضة للتأثر بالأفكار الليبرالية على المدى الطويل من احتمال أن يحدث العكس، حيث إن مثل هذه الليبرالية قد اجتذبت إلى نفسها أنصارا عديدين وأقوياء لها من بين المسلمين، على مدى القرن ونصف القرن الأخيرين. والواقع أن سبب الصحوة الأصولية الراهنة هو قوة الخطر الملموس من جانب القيم الغربية الليبرالية على المجتمعات الإسلامية التقليدية"، 56-57.

ثم يمتدح تركيا لأنها "الدولة الوحيدة التي طرحت التراث الإسلامي جانبا في صراحة تامة، واختارت مع بدايات القرن العشرين إقامة مجتمع علماني"، 193 وفي نص آخر يقول: "ولم تكن حركة إحياء الأصولية الإسلامية التي ظهرت مع الثورة الإيرانية عامي 1978 ، 1979 مجرد حالة من حالات استمرار "القيم التقليدية'" في العصر الحديث. ذلك أنه كان قد سبق خلال المائة عام الماضية أن ألحقت الهزيمة الساحقة بهذه القيم العفنة المتهاوية. وإنما كانت حركة الإحياء هذه تأكيدا جديدا للحنين إلى مجموعة من القيم الأكثر عراقة ونقاء يقال إنها كانت قائمة في الماضي البعيد، وأنها غير القيم التقليدية للماضي القريب الذي ثبت فسادها، وغير القيم الغربية التي نقلت إلى الشرق الأوسط في صورة شوهاء، وفي كل هذا نرى تشابها أكثر من أن يكون سطحيا بين الأصولية الإسلامية والنازية الأوربية.. ولا يمكن إدراك قوة الإحياء الإسلامي إلا إن أدركنا عمق الجرح الذي أصاب كبرياء المجتمع الإسلامي بسبب فشله المزدوج في الحفاظ على تماسك المجتمع التقليدي، والتمكن من تمثل تقنيات الغرب وقيمه"، 21 .

إن موقفه السابق موقف عنصري متعال، فهو صاحب القيم المنتصرة على أي حال، وهي أفكار يشعر المسلمون تجاهها بالجرح لخسرانهم لقيمهم، والإسلام أيديولوجية لا تجذب أحدا، من الشعوب العليا في برلين، أو طوكيو، أو موسكو؟؟

ترى لماذا يجن جنون الحكومات الغربية من انتشار الإسلام، ومدارسه، وتسن القوانين التي تمنع مظاهره وتمنع انتشاره، وتجرم أهله، وتطارد دعاته؟ ثم هو يعبر صراحة وضمنا عن كراهته لهذا الدين الذي نشأ على كراهته، ثم يبجل تركيا التي اطرحت الإسلام الذي يكرهه!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر