مستقبل السياسة الخارجية الروسية

2005-6-1 | عبدالله صالح مستقبل السياسة الخارجية الروسية

حرصت روسيا خلال السنوات القليلة الماضية على تعزيز وجودها ومكانتها الإقليمية والدولية، ومواجهة التغلغل الأمريكي المتزايد في منطقة آسيا الوسطي والقوقاز، من خلال تدعيم علاقاتها بالعديد من الدول الكبرى المرشحة لكي تكون قوى عظمى على الساحة الدولية مثل الصين والهند وبعض دول الاتحاد لأوربي. ولكن هل تفلح هذه السياسة في التصدي لسياسات واشنطن التوسعية في هذه المنطقة الغنية بثرواتها النفطية والمعدنية؟، وهل بإمكان روسيا استعادة وضعية القوة العظمى التي فقدتها بانهيار الإمبراطورية السوفيتية..أم أنها بحاجة لتبني سياسة أكثر برجماتية، تراعي المعطيات الإقليمية والدولية، وتحاول الاستفادة مما تتيحه من إمكانيات، من أجل أن تصبح لاعبا دوليا هاما خل العقود المقبلة.

في خطابه للشعب الروسي مؤخراً، تحدث الرئيس بوتين عن انهيار الاتحاد السوفيتي باعتباره كارثة كبرى، أدت إلى تراجع روسيا عن دورها والتزاماتها تجاه الدول السوفيتية السابقة على نحو أتاح الفرصة للغرب وللولايات المتحدة للتدخل في الشئون الداخلية لها. وقال: "إن التغلغل الأمريكي في مناطق النفوذ الروسية يهدد مصالح روسيا وأمنها القومي".

خلال عقد التسعينيات وبدايات القرن الحادي والعشرين، تعرضت روسيا للعديد من الضغوط الدولية والإقليمية، اضطرتها لاتخاذ موقف دفاعي قوي عن مناطق نفوذها داخل الجمهوريات السوفيتية السابقة في القوقاز وآسيا الوسطي، في مواجهة تصاعد الثورات الشعبية التي تمخض عنها تولي حكومات ذات توجهات موالية لأوربا والولايات المتحدة، وهو ما تمخض عنه ضعف النفوذ الروسي في هذه الجمهوريات، خاصة مع تصاعد الضغوط والمطالب من أجل إجراء الإصلاح الديمقراطي، والتخلص من الحكومات التي مازالت متأثرة بالنهج السوفيتي.

ومع ذلك، ظلت روسيا تتمتع بنفوذ اقتصادي واسع في جورجيا وأرمينيا وأوكرانيا الشرقية وفي كثير من جمهوريات آسيا الوسطى، وإن كان هذا النفوذ بدأ يتراجع رسميا في مواجهة الضغط الشعبي المتزايد في هذه الجمهوريات بإجراء إصلاحات اقتصادية وتحقيق الديمقراطية. ومن جانب آخر، فإن وجود الملايين من العرقيات الروسية داخل الجمهوريات السوفييتية السابقة يعطي موسكو ميزة قد تعوض إلى حد ما التراجع في قدراتها العسكرية. ومع ذلك فإن العوامل العرقية والاقتصادية لا تهتم بها موسكو كثيراً عند اتخاذها لقرارات السياسة الخارجية، رغم أن هذه العوامل تبدو حاكمة لمستقبل روسيا، التي أصبحت تواجه بيئة سياسية وإستراتيجية سريعة التغير.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991، حاولت روسيا أن تظهر كقوة عظمي وريثة للإمبراطورية السوفيتية، وكانت هذه المحاولة تبدو طبيعية إلى حد ما بالنسبة لدولة كانت تعد أقوى منافس للولايات المتحدة تقريبًا في المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية حول العالم، لكن تدهور الأوضاع في أعقاب انهيار الإمبراطورية السوفييتية، دفع الولايات المتحدة للسعي إلى تجريد موسكو من كل مقومات القوة العظمى سياسياً وعسكريا، في مقابل منحها بعض المعونات الاقتصادية، التي اعتبرها الكثير من الشعب الروسي بمثابة إهانة لبلدهم، التي يعتقدون أنها مازالت قوة كبرى مؤثرة على الساحة الدولية.

السياسة الخارجية الروسية حاولت في المرحلة التالية لانهيار الإمبراطورية السوفيتية الحيلولة دون انفراط عقد الدول السوفيتية السابقة، ولو بصورة جزئية ولكن تدهور الأوضاع الاقتصادية والعسكرية والسياسية، أدى إلى تراجع دور روسيا وعجزها عن تحدي الولايات المتحدة، التي بدأ نفوذها يتزايد في الجمهوريات السوفيتية السابقة ودول أوربا الشرقية. صحيح أن روسيا مازال لها دور عالمي وإقليمي مهم، لكن هذا الدور لا يمكن أن يشكل امتدادا للإمبراطورية السوفيتية. ومع ذلك، فإنه يمكن لروسيا في ظل هذه الظروف أن تجد لنفسها دوراً إقليميا ودوليا متزايدا كلاعب رئيسي، بتكلفة أقل من تلك التي كانت تدفعها الإمبراطورية السوفيتية. فقد تكبد الاتحاد السوفيتي ثمناً باهظاً للحفاظ على مكانته كقطب عالمي، ولم يستطع توظيف مكانته الدولية ونفوذه العالمي لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، بل على العكس فقد كان يتحمل أعباء اقتصادية هائلة للحفاظ على وضعيته العالمية كقطب منافس للولايات المتحدة.

المسئولون الروس يعتقدون أن وجود عالم متعدد الأقطاب يشكل بيئة اقتصادية ملائمة لتحقيق المصالح القومية لروسيا، وتدعيم مكانتها الإقليمية والعالمية،

ولهذا سعت روسيا خلال السنوات الأخيرة لبناء شبكة من التحالفات مع القوي الكبرى المحتمل أن تتحول إلى أقطاب عالمية خلال العقد أو العقدين القادمين، مثل الصين، والهند، والاتحاد الأوربي، والاستفادة من هذه التحالفات لتعزيز وضعها ومكانتها الإستراتيجية، والحد من تغلغل الوجود الأمريكي في مناطق النفوذ الروسي التقليدية.

بعض التقارير تشير إلى أن الأهمية الإستراتيجية لروسيا مرشحة للتزايد خلال المرحلة المقبلة، بسبب مواردها الطبيعية الوفيرة من النفط والمعادن، فضلاً عما لديها من أسلحة ومعدات عسكرية ورثتها عن الإمبراطورية الروسية، وإذا استطاع الاقتصاد الروسي تحقيق قدر معقول من النمو، فإن بإمكانه جذب العديد من الاستثمارات الأجنبية، بما يتيح لروسيا دعم مكانتها الإقليمية والدولية.

محاولات روسيا لبناء شبكة من العلاقات القوية مع القوى الدولية الصاعدة مثل الصين والهند واليابان، والاستفادة منها في تدعيم نفوذها ومكانتها ومواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في آسيا الوسطي والقوقاز، تواجهها بعض القيود، على رأسها وجود العديد من الخلافات ومصادر الصراع فيما بين هذه الدول، فضلاً عن مطامعها في ثروات ومصادر الطاقة بجمهوريات القوقاز وآسيا الوسطي، وهو ما يشكل مصدر قلق للولايات المتحدة، التي تسعى لتدعيم وجودها وعلاقاتها بدول المنطقة.

وبطبيعة الحال، فإن روسيا لا يمكن أن تقبل العمل كوسيط لتسهيل ضخ موارد وثروات جمهوريات القوقاز وآسيا الوسطي، لصالح أي من هذه القوى الكبرى، فهي تعتبر هذه الجمهوريات بمثابة مناطق نفوذ لها، ترتبط ارتباطا وثيقا بأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية والإستراتيجية، ولعل وجود الملايين من المواطنين الروس على أراضي هذه الجمهوريات، فضلاً عن الاعتماد الاقتصادي الكبير للجمهوريات السوفيتية السابقة على روسيا كأكبر شريك تجاري لها، يؤكد استمرار الدور والنفوذ الروسي القوي بهذه الجمهوريات لسنوات قادمة.

التغلغل الأمريكي في القوقاز وآسيا الوسطى، نجم عنه تقلص نفوذ روسيا ومكانتها الإقليمية، وإضعاف علاقاتها بالعديد من الدول والجمهوريات السوفيتية السابقة، لا سيما وأن روسيا لم تعد قوة عظمى، ولا يمكنها مواجهة الولايات المتحدة، مهما عقدت من تحالفات وروابط، خاصة في ظل العروض المغرية التي يمكن أن تقدمها واشنطن لهذه الدول، وما يمكن أن تمارسه عليها من ضغوط للقبول بمطالبها.

إن لجوء روسيا لبناء تحالفات سواء مع الصين أو الهند أو الاتحاد الأوربي أو حتى إندونيسيا أو البرازيل، من أجل زيادة نفوذها وتأثيرها العالمي، يقوم على افتراض استمرارية السياسة التي ينتهجها بوتين منذ توليه الرئاسة عام 2000، وهو ما قد لا يحدث بالضرورة، إذ ربما يفضل خلفاء بوتين، مع انتهاء ولايته في 2008 ، عدم المضي قدماً في استكمال سياسته. ومع ذلك فإن التغيرات الإستراتيجية المتوقعة في البيئة العالمية خلال العقدين المقبلين تتيح مكاسب وخيارات مفيدة لروسيا، يمكن أن تستغلها لتعظيم دورها ومكانتها العالمية والإقليمية، بدلا من محاولة السيطرة على الأحداث العالمية على طريقة الاتحاد السوفيتي السابق، حيث يمكن لروسيا أن تتبنى سياسة براجماتية عملية، تتعامل بواقعية مع المعطيات العالمية والإقليمية، وتحاول تعظيم الفرص والمزايا التي تتيحها، وتقليل المخاطر والتهديدات المحتملة لمصالحها وأمنها القومي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر