الإصلاح السياسي ليس مجرد لحظة

2005-5-31 | محمد أبو رمان الإصلاح السياسي ليس مجرد لحظة

انتعشت الطموحات بفجر عربي جديد للديمقراطية والإصلاح السياسي، وصدّرت الصحف الأميركية والغربية عناوينها بالتبشير بالربيع الديمقراطي العربي القادم وراء "انتفاضة الأرز" في لبنان، والنشاط السياسي الشعبي المصري، والانتخابات البلدية في السعودية، وكثير من التطورات السياسية التي اعتبرت جميعها مقدمة لعصر جديد قريب.

لكن ما لبث أن أصيب المراقبون والسياسيون بخيبة أمل كبيرة؛ فهذه التطورات لحقها حالة من التراجع الشديد: الانتخابات اللبنانية سيطرت عليها الاعتبارات الطائفية والشخصية، ولم تبن على مفاهيم المواطنة والعمل السياسي المدني، والحكومة المصرية تحايلت على الشعب بإصلاحات شكلية، واستفتاء مفرغ من مضامينه الحقيقية، وعادت إلى سياسة التصفية ضد القوى السياسية المعارضة، واعتقالات بالجملة وانتهاكات لحقوق الإنسان واعتداء على الصحفيات. أما سورية التي تنتظر القوى السياسية ويرقب المثقفون فيها نتائج مؤتمر حزب البعث العاشر، فإن المقدمات لا توحي بتفاؤل كبير، إذ اعتقل أعضاء "منتدى القامشلي" (ثم أفرج عنهم) كما جرت اعتقالات بحق ناشطين سياسيين آخرين.

العديد من المحللين يرى في التطورات الأخيرة انتكاسة سياسية وعودة إلى الوراء، ومحاولة بائسة لاختراق الحالة الراهنة. لكن هذه القراءة تتعامل مع موضوع الإصلاح من خلال ما يبرز على السطح السياسي ومن المعالم العامة للمشهد، وهذا لا يكفي للتحليل السياسي واستنباط دلالات الاتجاهات والاحتمالات القادمة، فهناك تغيرات بنيوية وجوهرية في الحالة السياسية العربية ستفرز -حتما- تغييرا سياسيا خلال السنوات القادمة، ستحدد معالمه من خلال تفاعلات داخلية وخارجية.

أبرز التغيرات التي أصابت الحالة السياسية العربية الراهنة، وتوحي بنهايتها، تتمثل بانهيار قاعدة التحالفات الداخلية والخارجية التي كانت تسندها، وتشكل الروافع السياسية لها. هذه الروافع وإن قامت على قاعدة من الولاءات والعلاقات الاجتماعية والسياسية والتحالفات الإقليمية والدولية، إلاّ أنها اتخذت بعدا سياسيا آخر سواء في القضايا والشعارات المرفوعة كالقومية والوحدة والاشتراكية أم في حروب التحرير وادعاءات التنمية، وكلها عناوين سقطت على محك الواقع والتطبيق العملي، وأظهرت مخرجات الواقع السياسي العربي فشلا واضحا وسوء إدارة داخلية جعل من الدول العربية في ذيل قائمة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة في المؤشرات والأرقام العالمية.

وعلى خلاف ما يراه كثير من المحللين اليوم، فإن التغيير السياسي قريب من المنطقة، بل هو متأخر عن استحقاقاته أكثر من عقد من الزمن؛ فالشعوب العربية تشعر بحجم الأزمة ودواعي التغيير وضرورته، وأهمية الخروج من المستنقع الذي وصلت إليه منذ سنوات طويلة، لكن حركتها وقدرتها ارتبطت بالخوف من سيف الأمن المسلط عليها من جهة ومن غياب مطالب الإصلاح وراء دعاوى الصراع مع إسرائيل والأحلام الأيدلوجية من جهة أخرى. أما الجديد فهو أن العامل الدولي تحول بعد أحداث أيلول من عامل مساند للنظم العربية، ومتجاهل للقضايا الداخلية المرتبطة بحقوق الإنسان والديمقراطية، ومتواطيء بإغلاق هذه الملفات في كثير من الأحيان؛ إلى عامل محفز للتغيير والإصلاح السياسي والديمقراطي، والخروج من الحالة السياسية الراهنة، مهما كانت النتائج، وهو تطور مهم وإيجابي على كل الحالات يحسب في سياق دعم حركة التغيير وليس العكس.

لكن من الخطأ أنّ نعول كثيرا على العامل الخارجي والضغوط الدولية، ونتوقع منها أن تحرق المراحل السياسية، وتعفي الشعوب والقوى السياسية العربية من خوض غمار المخاض السياسي المطلوب، وهو استحقاق لا بد منه للوصول إلى الإصلاح والتغيير، ويتطلب حالة من المدافعة والجهود الداخلية المتتابعة للوصول إلى "صفقة" بين النخب الصاعدة ومنظمات المجتمع المدني والفئات الساعية إلى الإصلاح وبين النخب المسيطرة تتراجع فيها الأخيرة عن امتيازاتها ونفوذها ومصالحها شيئا فشيئا لتتسع دائرة المشاركة في صنع القرار والمحاسبة، ويستكمل الإصلاح أدواته وآلياته ومقوماته، وهي عملية متواصلة مرحلية، تكتسب خلالها الشعوب مفاهيم جديدة بنضالاتها المتواصلة، وتبنى تقاليد للعمل السياسي مختلفة، وقواعد جديدة للنظم السياسية العربية.

من هنا، فإنّ الأحداث الجارية والمدافعات بين النظم والقوى والحركات السياسية العربية هي مؤشرات واضحة على نمو الوعي السياسي العربي، وإعادة إنتاج المطالب الشعبية العربية. إذ لم يعد الإصلاح السياسي في العالم العربي مطلبا دوليا أدركت الإدارة الأمريكية أهميته من أحداث أيلول، بل أصبح وعيا عربيا موازيا ولد من رحم معاناة وفشل السياسة العربية، وأهم ملامحه القناعة بأن تحقيق المطالب الكبرى لن يتم إلا من خلال شعوب تمتلك حريتها وحقوقها السياسية، وتشارك في صناعة سياساتها..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر