فوكوياما الشخص -1-

2005-5-25 | د. محمد الأحمري فوكوياما الشخص -1-

(1)

إذا تحدث النقاد عن فكرة فوكوياما وأنها مكررة وموقف طبيعي لكل منتصر، وسبق أن قالتها كل الشعوب التي غلبت، فإن شخصية فوكوياما كأي شخصية لا تتكرر، فبعد التعرف على الشخص ندخل إلى الفكرة؛ جديدة كانت أم معادة، وهنا لا نؤمن بفصل الشخص عن الفكرة، ولا أي مدرسة فكرية عن محيطها، إلا في حالات إن صدقت شذّت، ولم يبن عليها قواعد. وأشير إلى مقاطع قلّ ذكرها عند من سبق في مناقشاتهم هنا، وهي معلومات عامة، دوري فيها دور الجمع والتركيز على ما يهمني، وإن حدث تكرار فهو بسبب حاجة النص إلى التماسك.

هاجر جده لأبيه من اليابان إلى أمريكا واستوطن في لوس أنجلس عام 1950م، حتى لا يجند في الحرب الروسية اليابانية، أما أبوه فقد ولد في لوس أنجلس، وله إلى الآن مطاعم في لوس أنجلس لم يزل يديرها، والده يحمل الدكتوراه في علم الاجتماع، وعمل رجل دين في إحدى الكنائس، ثم عمل بعد الحرب العالمية الثانية مبشرا ثلاث سنوات، ثم عمل في تركيا مدرسا للغة الإنجليزية، وهي مهنة محببة لدى المبشرين، لأنها أحسن المداخل للتبشير. أمه هاجرت لأمريكا عام 1949، ثم استقرت العائلة في نيويورك حينا من الزمن، ولد فرنسيس فوكوياما عام 1952م كان وحيد والديه، ولم يرث من والديه اللغة اليابانية، وفي نيوروك درس في مدرسة خاصة، معظم طلابها من اليهود،وفوكوياما الابن لا يعد متدينا ولا مبشرا، أما أفكاره فتسيح في عوالم كثيرة، لا تبتعد عن الكنيسة، ولا تستسلم لها.

درس بعدها في جامعة كورنيل، ثم في هارفارد، وبعد تخرجه منها لم يعمل في التدريس، وربما لأنه يرى في تدريس العلوم السياسية أو أي علم بعدا عن السياسة العملية؛ ذلك أن السياسة العملية تمارس في الحكومة وفي مراكز الدراسات وفي الشركات، أما الجامعات فإنها تتشبع بدراسة النظريات، وهنا أشير إلى أن الجامعة الغربية عموما مهما تكن نظرية فإنها أكثر عملية من الجامعات في البلدان الضعيفة، وتجد طاقمها في العلوم الإنسانية قريبا من صناعة الحدث.

تتلمذ فكريا ـ ولا أتوقعه تتلمذ شخصيا ـ على شيخ المحافظين الجدد شتراوس الأستاذ اليهودي الذي درس في جامعة شيكاغو، الذي أنتج تلاميذ زادوا عن مائة دكتور، وبقيت بينهم روابط استراتيجية إلى اليوم، وتربطه صداقة متينة ببول وولفوتز، نائب وزير الدفاع السابق، ثم رئيس البنك الدولي حاليا، وهو يهودي متطرف في صهيونيته، و الابن الروحي والوريث لشتراوس، وهناك في شيكاغو كانت المدرسة والتي زامل فيها وولفوتز أحمد الجلبي عام 1964م، ثم ارتبط بهم أيضا الأفغاني خليل زاد، المنتدب للعراق الآن من قبل المجموعة.

ويسوق فوكوياما في مقال له طريف قصة علاقته بالمحافظين الجدد وأنه في التسعينات كانت هناك نواد نشطة في واشنطن العاصمة، منها اللقاء السنوي لمجلة ناشونال انترست -التي نشر فيها مقالة: "نهاية التاريخ" وهي في الأصل محاضرة في جامعة شيكاغو، بالاسم نفسه، ثم أصبحت أصلا للكتاب الموسع في الفكرة نفسها- وكان يحضر هذه الاجتماعات هنري كيسنجر، وبول وولفوتز، وآل كرستول الابن والأب، ودانيال بايبز، وجين كيرباتريك، وتشارلز كروثامر، وإليوت كوهين، وكما يقول فوكوياما: "يستضيف هذا اللقاء المفكرين المحافظين والكتاب والفاعلين، ويحضر اللقاء كل من أصبح يطلق عليهم وصف: (المحافظين الجدد) فيما بعد".

وكما تراهم يهود لا يخالطهم إلا من كان أكثر تزمتا، من أمثال المسيحية الصهيونية كيرباتريك(انظر كتاب: أوراق واشنطن). وفوكوياما الذي سربوا من خلاله بعضا من قناعاتهم لاحقا، وشارك معهم في الأوراق والوثائق التي قدموها والمواقف التي تبنوها من أمثال وثيقة "القرن الأمريكي الجديد" التي أصبحت تمثّل المواقف الرئيسة لمدرسة المحافظين الجدد. وقد حاول فوكوياما أن يبين للناس أنه ليس منهم، ولهذا كتب المقالة المذكورة، حتى لا يحسب على مجموعات اليهود المتطرفين، ولكن للأسف فإنه لم يخرج عن دائرة أصدقائه ومقدميه للمجتمع وللنوادي السياسية، ويدين لهم بالفضل في المناصب، وفي الدعاية التي قدمت له، حتى زيارته لأستراليا كانت بدعوة من المحرر السابق لمجلة ناشونال انترست ـ وهو من العصابة ـ بعد عودته لبلده أستراليا، وهناك قدم محاضرة: "هل ابتدأ التاريخ ثانية بعد 11سبتمبر؟".

وقد سبق له أن كان من المشرفين على قضايا الشرق الأوسط في الحكومة السابقة التي كان فيها بوش الأب، ثم مستشارا من المشرفين على قضايا الدراسات الحيوية والاختراعات العلمية المتعلقة بها في إدارة بوش الصغير، ضمن حكومة المحافظين الجدد. وكان من المتوقع أن يكون واعيا لمصادر دراساته السياسية، وأنه يميز المصادر الصهيونية عن غيرها، ولكنه للأسف يبني فكرته عن العالم العربي والإسلام اليوم من عودته الصريحة للمتطرفين الصهاينة من أمثال دانيال بايبز، وفي دراساته الأخيرة لما بعد 11 أيلول، رأيته يرجع لأراء المتطرفين هؤلاء، وكيف غاب عنه تطرف هذه الفرقة وهو يعلم معارك هؤلاء مع الأكاديميين الأمريكان، من أمثال "جوان كول" الذين رأوا في مشروع بايبز هجوما على حريات الأكاديميين الأمريكان، وقسرا للجامعات أن تسير في خط صهيوني معاد للعرب وللمسلمين، بل بلغ الأمر بهذه العصابة ـ التي يعرفها فوكوياما تماما ـ أن أنشأت موقعا على الإنترنت سمته "مركز مراقبة الجامعات" كامبوس ووتش، مهمته مراقبة المتعاطفين مع العرب والمسلمين، وكتابة التقارير عنهم والتحذير من توجهاتهم، ومن عمل المركز التحذير من كل أستاذ يتعاطف مع العرب ومع قضية فلسطين أو يدرّس كتب إدوارد سعيد، ومن جنود بايبز في هذا شخصيات أكاديمية هم في الأصل ضباط في الجيش الإسرائيلي، أمثال كريمر. هذه هي دائرة فوكوياما وأولئك هم ناشرو مقالاته، وتلك هي مصادره في النقل والتعرف على منطقتنا.

مقالات فوكوياما التي يراقب فيها منطقتنا، وينصح ويوجه بالموقف تجاهها، هذه مراجعها، وتلك بيئتها، ومكان نشر الكثير من مقالاته في مجلة: ناشيونال انترست، التي تتظاهر بأنها لسان حال المصالح الوطنية الأمريكية، بينما هي في الحقيقة ترعى المصالح الصهيونية، وكعادة صهاينة أمريكا يسمون مصالحهم "مصالح أمريكية" والمجلة قام عليها بعض المهاجرين الأستراليين ومتعصبي اليهود، وهذه بيئة يصعب على فوكوياما فيها ألا يكون منحازا لمواقفهم، وهو أيضا لا يستطيع الخلاص من نفوذ صديقه الذي يدافع عنه بول وولفوتز، الذي يرى أن من المهم أن يكون السياسي مراوغا،غائيا لا يبالي بطريقة وصوله لأهدافه، كما فعلوا في تزوير قصص خيالية عن العراق. ولكن فوكوياما يرى أن صديقه هو المفكر الأعمق في الإدارة الأمريكية ولا يحتمل أن ينتقده أحد، ويحوّل اللوم إلى رامسفيلد، وكان فوكوياما ممن يرى عزل رامسفيلد عن وزارة الدفاع، ويصعب على من يهتم بما حدث في الماضي القريب أن يتصور أن يجتمع في قلب إنسان حب وولفوتز وموقف معتدل من قضايا العرب والمسلمين، وهذا لا يعني أن نيأس من عقل وفهم رجل مثله.

هناك منتقدون كثيرون له على المستوى الشخصي، وبعض نقدهم يستحق الاستماع ولو لم يصدق، فيرون أن هذه المحاضرة "نهاية التاريخ" التي أصبحت مقالة ثم كتابا، صنعت له الشهرة والثروة، حتى اتهمه بعضهم بأن الفكرة كانت احتفالا بسقوط روسيا، وعاجلة وموقفا عاطفيا وليس مدروسا، وقد فهم فيما بعد لعبة" "كتاب الساعة"، فأصبح همه أن يخرج كتابا عن كل قضية يكون حديث الناس عنها، لأنها سوف تفتح له السوق والجيوب والإعلام، والشهرة، بقطع النظر عن صحتها ومحتواها، فكتبه التي أعقبت ذلك كانت تصب في الحديث عما يشغل الناس مثل: كتابه عن قانونية البحوث الوراثية، وآخرها عن موضوع بناء الدولة، وهو كتاب يهتم بالحديث الجاري عن بناء الدولة في أفغانستان والعراق.

وعندما نتجاوز ما سبق، فإنه من الملاحظ أنه أصبح صاحب شهرة بعد فكرة، وإن لم تكن جديدة، ولا مهمة ـ كما سيأتي ـ ولكنها كانت فكرة اللحظة، ويهمه ما يهم مثقف مثله، وقد وفرت له عصابة المحافظين الجدد الكثير، وليس لدى غيرهم ما يقدموه له بالحجم نفسه، وهو سياسي قرر أخيرا أن يبعد نفسه عن أن يكون في قائمتهم بعد أن أصبح النقد لهم كثيرا، وأبقى علاقة ودية معلنة وترويجية لأكبر شخصياتهم تطرفا، فهو يروج ويدافع علنا عن بول وولفوتز، وكتب منتقدا بعضهم، وهذا يمنحه حجة الاستقلال الفكري والسياسي.

لم يعهد منه فيما سلف مخالفة السلطة من أجل فكرته بل يبرر ما يحدث، ولا يبدو أنه سيخالف العصابة إلا أن يجد من هو أقوى ليتخلص من ربقتهم، لأنه فعلا ليس منهم جنسا ولا دينا ولا مصالح في الخارج، فذلك أملنا أن نراه حر التفكير والتوجه السياسي. ثم إن تخلص من داء هؤلاء، فهل سينجو من ثقافة الاحتلال للآخرين من الشعوب المستضعفة، وقد أصبحت ثقافة ودينا، يجهل المروجون في عالمنا لليبرالية حقيقة موقف مجايليهم هناك، مما سنأتي بمثال صريح من كلام فوكوياما عليه، في مقال: "فوكوياما الفكرة".

* للمزيد من معرفة أعماله وما يتعلق ببعض ما ذكر تراجع صفحته على الإنترنت، ولمزيد من معرفة بعض التفصيل حول هذا راجع مقالة: "بن بيكر" عنه، ومقالته: "لحظة المحافظين الجدد" المنشور في مجلة ناشيونال انترست، المقالة موجودة على موقع المجلة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

diala

أتمنى أن تضع عنوان صفحة لنقرأها ونقارنه مع نقدك وشكرا


محمد زهيــــــــــــر

لولا التخادل والضعف العربي لما كانت لهاؤلاء الصهاينة وتابعيهم من أمثال الجلبي وخليل زادة مكانة تذكر، ولما كانت للتفاهات التي يكتبونها قيمة تذكر، لكن زمن التخاذل ألعربي وسقوط أنظمته بين براثين الذل والعمالة جعل هاؤلاء يطفون الى السطح، فحتى دويلة الدانمارك، والتشيكا، وغيرهم من البلدان القزمية أصبحوا يقررون لنا ما سنفعله ويرسلون قواتهم لتفرض علينا النظام في شواريع بغداد الرشيد، فأي ذل أكبر من هذا ؟


محمد زهيــــــــــــر

لولا التخادل والضعف العربي لما كانت لهاؤلاء الصهاينة وتابعيهم من أمثال الجلبي وخليل زادة مكانة تذكر، ولما كانت للتفاهات التي يكتبونها قيمة تذكر، لكن زمن التخاذل ألعربي وسقوط أنظمته بين براثين الذل والعمالة جعل هاؤلاء يطفون الى السطح، فحتى دويلة الدانمارك، والتشيكا، وغيرهم من البلدان القزمية أصبحوا يقررون لنا ما سنفعله ويرسلون قواتهم لتفرض علينا النظام في شواريع بغداد الرشيد، فأي ذل أكبر من هذا ؟