مستقبل العلاقات الإسرائيلية الصينية

2005-5-24 | عبدالله صالح مستقبل العلاقات الإسرائيلية الصينية

تواجه إسرائيل هذه الأيام خيارات صعبة فيما يتعلق بتطوير علاقاتها مع الصين، فرغم وجود مصالح أمنية واقتصادية مباشرة تدفع باتجاه دعم علاقاتها بالصين، فإن لديها مخاوف متزايدة من ردود الفعل السلبية والمعارضة القوية لهذه العلاقات من جانب واشنطون.فإسرائيل في حاجة إلى تسويق صناعاتها العسكرية، وبناء علاقات سياسية جيدة مع بكين، ولكنها مع ذلك لا يمكن أن تضحي بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

التوتر في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية عاد ليطل برأسه مؤخراً، بسبب ما تسرب من أنباء حول قيام إسرائيل بتوقيع صفقة جديدة مع الصين، يتم بمقتضاها بيع عدد من الطائرات الهجومية من طراز "فالكون" المطورة، والتي سبق أن باعت إسرائيل خمس طائرات منها إلى الصين في منتصف التسعينيات.هذه الطائرات قادرة على تدمير محطات الرادار والمدفعية المضادة للطائرات، وتخشى الولايات المتحدة من تأثير هذا التعاون العسكري على التوازن الاستراتيجي الدقيق بين الصين وتايوان بالإضافة إلى المصالح الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادي.

وقد شهدت علاقات إسرائيل العسكرية مع الصين انتعاشا كبيرا منذ الثمانينات، خاصة مع شعور الصين بحاجتها إلى التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، والتي استفادت كثيراً من التعاون الإستراتيجي مع واشنطن، فضلا عن تراجع مبيعات الأسلحة الإسرائيلية في تلك الفترة إلى جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية.وإضافة إلى تشابك المصالح الأمنية والعسكرية بين الصين وإسرائيل، فإن إسرائيل تنظر باهتمام إلى السوق الصيني الواسع والمتعطش للسلع والخدمات المتقدمة، الذي يمكن لإسرائيل أن تحتل موطئ قدم فيه.وقد مهدت العلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين لتطبيع العلاقات وتبادل التمثيل الدبلوماسي في يناير عام 1992.

العلاقات الإسرائيلية الصينية ظلت غائبة حتى قرب أواخر السبعينات، بل إن العداء كان هو السمة المميزة لهذه العلاقات، بالنظر إلى أن إسرائيل كانت طوال سنوات الحرب الباردة جزءاً من شبكة الدفاع الغربي في مواجهة الشيوعية، فضلا عن أن الصين كانت تميل تقليديا إلى تأييد العرب سياسيا وعسكريا خلال هذه السنوات.أضف إلى ذلك أن تحرر إسرائيل من إمكانية إقامة علاقات جيدة مع الصين إبان الحرب الباردة، جعلها تنفتح على الدول الآسيوية التي تكن العداء للصين مثل تايوان والهند.فقد قدمت إسرائيل خلال الحرب التي نشبت بين الصين والهند عام 1962، أسلحة بريطانية الصنع للهند، كما تحدثت عدة تقارير عن تنامي التعاون الهندي الإسرائيلي في مجال الأبحاث النووية.

أيضا قامت إسرائيل بتزويد تايوان بأسلحة خفيفة خلال السنوات الممتدة منذ عام 1949 وحتى عام 197، ومؤخرا أثيرت قضية احتمال قيام إسرائيل ببيع صفقة رادارات متطورة وصواريخ مضادة للصواريخ لتايوان، وهو أمر لا يمكن أن تتسامح فيه الصين، التي لازالت تعتبر تايوان جزءا لا يتجزأ من أراضيها، وتقيس عمق علاقاتها الدولية والإقليمية مع أي طرف بموقفه من قضية تايوان.

الولايات المتحدة غضت الطرف كثيرا عن تجارة الأسلحة الإسرائيلية للصين، حيث اعتبرت واشنطن أن مبيعات الأسلحة الإسرائيلية تساهم في توطيد أركان الدول اليهودية وتزيد من مكانتها الإقليمية والدولية.ولكن مع نهاية الحرب الباردة أدركت واشنطون أن العلاقات العسكرية بين تل أبيب وبكين تشكل تهديداً لمصالحها في آسيا، حيث تساعد الصين على لعب دور عالمي متزايد على نحو يهدد النفوذ الأمريكي.

كانت تل أبيب قد وقعت مع بكين في أواخر التسعينات صفقة لبيع خمس طائرات تجسس هجومية متطورة من دون طيار، تستخدم ضد الأهداف المعادية الحساسة، مثل محطات الرادار، وأجهزة المراقبة بأنواعها، لكن الولايات المتحدة طلبت من حليفتها المدللة وقف هذه الصفقة، استناداً إلى أن مثل هذه الأسلحة قد تشكل خطرا على أمنها، خاصة إذا تم نقلها أو بيعها لدول غير صديقة مثل كوريا أو إيران، واضطرت إسرائيل آنذاك للاستجابة للضغوط الأمريكية.

وما كادت تهدأ هذه الأزمة، حتى عادت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية للتوتر من جديد، عقب اصطدام طائرة تجسس أمريكية بطائرة عسكرية صينية في ابريل من العام 2، ونشرت عدة صحف أمريكية صوراً تكشف أن الطائرة المقاتلة الصينية التي اصطدمت بالطائرة الأمريكية كانت مسلحة بصواريخ جو -جو من طراز "بيتون -3"، وقد تسربت هذه الصور عن طريق وزارة الدفاع الأمريكية، التي قالت مصادر من داخلها أن هذه الصور التقطت قبل ذلك بواسطة طيارين أمريكيين خلال مناورة في بحر الصين الجنوبي.وقد أثار نشر هذه الصور الجدل داخل الإدارة الأمريكية حول صفقات الأسلحة الإسرائيلية للصين ، ومنها صفقة "صواريخ بيتون -3"، والتي أنكرتها تل أبيب.

تانج جاكسون عضو مجلس الدولة الصيني زار إسرائيل في ديسمبر الماضي ودعا رئيس الوزراء آرييل شارون لزيارة بكين. كانت هذه الزيارة هي الأولى من نوعها على هذا المستوى منذ أكثر من خمس سنوات، الأمر الذي أثار مخاوف واشنطن من زيادة التعاون العسكري الإسرائيلي الصيني، واحتمالات تسرب التكنولوجيا الأمريكية إلى الصين.

إسرائيل من جانبها تسعى لاستعادة ثقة بكين، في ظل العزلة والانتقادات الدولية التي تواجهها حالياً، بسبب إفراطها في استخدام القوة تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، كما تعتبر إسرائيل أن هذا النوع من التعاون هو مؤشر جيد لقياس علاقاتها مع العالم الخارجي،حيث تلعب المبيعات العسكرية دورا محوريا في علاقات تل أبيب بالعديد من الدول، وعلى رأسها تركيا والهند.

العلاقات الصينية الإسرائيلية ورغمأنها مرشحة لمزيد من النمو خلال الفترة المقبلة لأسباب اقتصادية وأمنية تخص البلدين، فإن هذه العلاقات أيضا معرضة للتراجع والانتكاس، بسبب تشابكها وتأثرها بالعلاقات الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب، فإذا كانت إسرائيل بحاجة إلى الصين، فإنها أكثر احتياجا إلى الولايات المتحدة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر