آخر الأخبار

مناظرة فكرية حول منتدى دافوس: العالم بين الماكدونالدز وكسرة الخبر

2005-5-21 | محمد سليمان مناظرة فكرية حول منتدى دافوس: العالم بين الماكدونالدز وكسرة الخبر

على شواطئ البحر الميت يجتمع حوالي ألفين من قيادات العالم السياسية والاقتصادية والثقافية في منتدى عالمي أطلق عليه دافوس (نسبة إلى منتجع دافوس في سويسرا) يتناقشون في مواضيع وقضايا العالم الساخنة والحيوية، ويتبادلون الآراء السياسية والمصالح الاقتصادية. بينما يتجمع عدد من السياسيين والمثقفين الأردنيين في جمعية مناهضة العولمة في حي "الويبدة" (على إحدى تلال عمان)، يتحاورون في موضوعات المنتدى، وينتقدون سياساته التي تمثل (بالنسبة لهم) العقل المفكر للعولمة الرأسمالية.

وفي موازاة ذلك أيضا يجتمع قادة أحزاب المعارضة والفعاليات السياسية الأردنية في مقر حزب جبهة العمل الإسلامي في عمان ليناقشوا أوراق عمل يقدمها عدد من هؤلاء القياديين تربط بين المقاومة بأشكالها المتعددة ومواجهة المشروع الأميركي في المنطقة!. والفعاليات السابقة تعقد في الوقت الذي تودع فيه مدينة البتراء الأثرية أصحاب جائزة نوبل العالمية الذين توافدوا إلى المدينة الوردية، وانهوا مؤتمرهم بالتحذير بأن "العالم في خطر". مزيج الألوان –هذا- في المشهد الثقافي والسياسي في الأردن، يشهد على تجليات العولمة وتضارب الآراء والمواقف الأيدلوجية والسياسية والاقتصادية حولها في بلد صغير محدود الموارد الطبيعية يبحث عن طريق النمو والتقدم لتوفير فرص العمل ومواجهة تحدي البطالة ومعدلات الفقر ورفع سوية الاقتصاد. فيتكرر السؤال والجدل بين المثقفين والسياسيين: هل العولمة الرأسمالية تنفع الإنسانية وبني البشر أم هي وبال عليهم؟ وهل تتمثل مصلحة الأردن بالاندماج بالسوق العالمية ومواكبة مؤتمرات العولمة وتنفيذ توصيات المؤسسات المالية الدولية أم في اختيار طريق استراتيجي آخر؟..

ازدواجية الجواب على السؤال السابق ظهرت بمفارقة واضحة عندما غرق عشرات الرؤساء ومئات الاقتصاديين والخبراء المشاركين في مؤتمر دافوس 2 في موجة ضحك عارمة، حين روى رئيس البنك الدولي (آنذاك) "جيمس وولفنسون" أنه التقى مواطناً إثيوبيا أبلغه بأنه نجح أخيراً في بيع عنزة عبر الإنترنت وهذا ‏"‏التبادل الإلكتروني‏"‏ للماعز ‏- برأي وولفنسون‏-‏ كان دليلاً على انتصار العولمة‏.‏ بيد أن ضحك المشاركين تحول إلى دهشة، حين حذر "بل كلينتون" من اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء بسبب العولمة‏،‏ مدللاً على ذلك بالقول: إن مليار شخص يعيشون بأقل من دولار في اليوم‏،‏ أو يصرفون في السنة أقل مما يصرفه مليونير في ليلة واحدة في أحد الفنادق الفخمة‏.‏ في حين قال بل غيتس (الاقتصادي الشهري)‏:‏ ‏"إن الحقوق الصحية الأساسية للبشر أكثر أهمية للعالم من الحصول على مدخل إلى الإنترنت"‏‏.‏ فتبرّع بنحو 75 مليون دولار لدعم توزيع اللقاحات في دول العالم‏.

المفارقة السابقة تطرح بقوة الجدل حول مؤتمر دافوس؛ إذ يرى مؤيدوه أنه فرصة لقادة العالم وكبار الرأسماليين والمثقفين ودول العالم الثالث للاجتماع واللقاء والحوار لتطوير وسائل التعاون الاقتصادي وتوفير حياة أفضل للناس ومواجهة التحديات والأخطار التي تهدد العالم. وبناء شراكة عالمية تخدم كل المجتمعات والدول بما في ذلك الدول الفقيرة والغنية والمؤسسات الاقتصادية. كما لا تقف قضايا دافوس عند الجانب الاقتصادي إنما تشمل الجوانب السياسية والثقافية وتتناول قضايا خطيرة كالصراعات الدولية والإصلاحات الهيكلية وقضايا الفساد والعنف والتطرف، لإدراك الفرص والأخطار والتحديات العالمية وبناء إدراك أفضل للتعامل معها.

بينما يرى المعارضون للمؤتمر أنه يمثل الوجه الآخر غير الرسمي لهيمنة الدول الكبرى على العالم، وأنه يمثل -في المحصلة- الفلسفة الرأسمالية للدول الكبرى التي تريد توظيف العولمة لخدمة هذه الدول على حساب الدول الفقيرة، والتي لم تستفد شيئا من مؤتمرات دافوس، ولم تجد في توصيات وسياسات هذا المؤتمر حلولا لمشاكلها، ولم تقدم دول الشمال الكبرى الغنية تنازلات وفرصا اقتصادية حقيقية لدول الجنوب الفقيرة. الأمر الذي دفع بالسياسيين واقتصاديين من دول الجنوب –شاركوا في مؤتمرات دافوس- تسألوا عن قدرة دولهم على المنافسة العملية في الاقتصاد العالمي.

أما القضايا والمواضيع التي تطرح في دافوس، فيرى المنتقدون أنها لا تمثل أولويات لـ "حديقة العالم الخلفية"، بل مصالح العالم المتقدم الذي يحاول معالجة التحديات والتهديدات لمصالحه السياسية والاقتصادية ولأمنه من وجهة نظره هو. ويدلل المعارضون على هذه الفكرة بطبيعة التمثيل والمشاركة في دافوس؛ إذ يحضر عدد كبير من قادة العالم المتقدم وأصحاب الشركات العالمية العملاقة، وهم الذين يملكون دفع ثمن الحضور المرتفع، ويمثل لهم المؤتمر فرصة للقاء السياسيين والتعرف على البيئة الدولية لجني الأرباح بشكل أفصل، ففي المؤتمرات السابقة كان 99% من اكبر 5 شركة عالمية كبرى موجودة في الدول الكبرى الصناعية مقابل شركتين فقط في كل الشرق الأوسط، وهي نسبة تؤشر على الخلل في التمثيل يجير قرارات وسياسات المؤتمر لصالح الدول الغنية على حساب الدول الفقيرة والتي تدفع دوما فاتورة الأرباح التي تجنيها الدول الغنية والمتقدمة.

مخرجات وتوصيات دافوس تتوافق مع الرؤية الغربية الليبرالية وتؤدي إلى خسائر كبيرة للدول الفقيرة، في نظر المعارضين له وينتمي عدد كبير منهم إلى مدرسة "التبعية"؛ التي تلقي بمسؤولية الحالة الاقتصادية الهشة في دول العالم الثالث على سياسات دول العالم الغني المتقدم. ويرى أنصارها أن توصيات المؤتمرات الاقتصادية الكبرى بما فيها منتدى دافوس، تؤدي إلى كوارث كبيرة وإلحاق أضرار فادحة بالاقتصاد الكلي في دول العالم الثالث، وإلى خلل في ميزان المدفوعات والميزان التجاري، وتدمير القاعدة الإنتاجية الوطنية الصناعية والزراعية، وانخفاض فرص العمل، وازدياد الفوارق الاجتماعية، وهيمنة الطابع الاستهلاكي.

الانتقادات السابقة والسعي إلى التخفيف من خطورة السياسات الرأسمالية على الطبقات المهمشة والفقيرة وعلى دول العالم الثالث ظهرت من خلال حركات مناهضة العولمة ومؤتمراتها وندواتها. أما الرد على دافوس فكان بميلاد المنتدى الاجتماعي العالمي الذي عقد دورته الأولى في "بورتو اليجرى" بالبرازيل في يناير 21، ثم تواصلت بعد ذلك دوراته الثانية والثالثة في نفس المدينة، ودورته الرابعة بالهند في يناير 24، ثم عاد إلى البرازيل مرة أخرى، وطرحت في الدورات الأربع الأولى سياسات بديلة للعولمة الرأسمالية تحت شعار (عالم أفضل ممكن). وتقوم فكرة المنتدى الاجتماعي على بناء بدائل سياسية واقتصادية للعولمة الرأسمالية ورؤى تعكس مصالح دول الجنوب في مواجهة دول الشمال.

منظرو الرأسمالية ودعاة السوق الحرة والقطاع الخاص ومروجو العولمة لا يرون في حركات مناهضة العولمة إلا تعبيرا عن اتجاهات راديكالية هامشية، أو كما يصفهم المفكر المعروف "فوكوياما" بأنهم من اليسار الجديد الذي يبحث عن دور في السياسات العالمية والمحلية، في إشارة إلى أزمة اليسار فكريا وسياسيا بعد انهيار الكتلة الشيوعية.

أما في العالم العربي، فكانت المشاركة في المنتدى الاجتماعي العالمي المناهض لدافوس محدودة جدا مقارنة بمشاركة دول أميركا اللاتينية والدول الإفريقية. لكن في المقابل انتشرت حركات اجتماعية وسياسية مناهضة للعولمة ترى منتدى دافوس في سياق العولمة الرأسمالية المتوحشة. وتضيف انتقادات أخرى لانتقادات الحركات اليسارية العالمية، بالتحديد حول الصراع العربي- الإسرائيلي معتبرة أن دافوس قناة خطيرة من قنوات التطبيع بين العرب وإسرائيل، وأنه محاولة لتجاوز البعد السياسي والهروب من استحقاقات الحل النهائي إلى الجوانب الاقتصادية، ويؤكدون على ذلك من خلال توصيات دافوس الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط والمشاركة الإسرائيلية الفاعلة فيه، إذ يرعى منتدى دافوس المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالتنسيق مع "مركز شمعون بيريس للسلام".

وقد شهدت السنوات الأخيرة انتشارا كبيرا لحركات مناهضة العولمة في العالم العربي، فقد بدأ التحضير للمنتدى الاجتماعي العربي وتوسعت دائرة المشاركة العربية فيه على هامش ندوات المنتدى الاجتماعي العالمي في البرازيل، وعقدت اللجنة التحضيرية للمنتدى اجتماع لها في القاهرة في مثل هذا الشهر من العام المنصرم، ثم أعلن عن تأسيسه في 6 كانون الثاني من هذا العام. وجاء في الصيغة الافتتاحية للبيان الذي صدر بمناسبة اجتماعات المنتدى: "تعاني الشعوب العربية معاناة كبيرة من إملاءات العولمة الليبرالية الجديدة التي سخرت المؤسسات المالية الدولية لفرض برامج التثبيت والتكيف الهيكلي التي استهدفت إزاحة الدول القومية من الحياة الاقتصادية وإعفاءها من مسئولياتها الاجتماعية، وعرقلة عملية التنمية الوطنية لصالح فتح الأسواق العربية أمام السلع والخدمات ورؤوس الأموال القادمة من المراكز الرأسمالية الكبرى، وقد أفضى هذا إلى حدوث اختلالات هيكلية كبرى على كافة الأصعدة، مثل تفاقم الديون الاحتيالية، وتفكيك القاعدة الصناعية والزراعية والخدمية في البلدان العربية، واتساع البطالة والفقر والتضخم والفساد وحرمان الإنسان العربي من حقوقه الأساسية في التعليم والصحة والعمل والفرص الاقتصادية المتكافئة".

على هامش المنتدى الاجتماعي العربي الموازي للمنتدى الاجتماعي العالمي المناهض لدافوس، تأسست العديد من حركات مناهضة العولمة في دول العالم العربي, كما شهد الأردن مؤخرا ميلاد جمعية مناهضة العولمة الرأسمالية في الأردن في أواخر العام المنصرم، والتي يؤكد مفكروها أنها لا تعارض العولمة وترى أنها أمر واقع لا مفر منه، لكنها تعارض السياسات الرأسمالية التي تتبناها الشركات متعددة الجنسية والدول الكبرى وتكون سببا لزيادة التبعية وتدهور الحالة الاقتصادية في دول العالم الثالث بشكل كبير.

المناظرة والجدل السابق حول دافوس العالمي والعولمة الرأسمالية مهمة بحد ذاتها، وحركات مناهضة العولمة في العالم العربي، على الرغم أنها ما زالت نخبوية، ولم تستطع إلى الآن أن تتحول إلى حركات شعبية تدافع عن حقوق الطبقات الفقيرة، أو أن تقدم رؤية واقعية للبدائل الوطنية للسياسات الرأسمالية –كما يعترف العديد من قادتها-. إلاّ أن لها أهمية فكرية وتاريخية تتمثل بمحاولة لفت الانتباه إلى الجانب الاجتماعي المتضرر من العولمة الرأسمالية، وانعكاسات ذلك على الطبقات الفقيرة والمعدمة. وهو الأمر الذي انتبه له "كلاوس شواب" (مؤسس المنتدى السويسري) فأكد على ضرورة إصلاح مسار العولمة في بعدها الاجتماعي، وزعم أن منتدى دافوس بمثابة "الضمير الاجتماعي للاقتصاد العالمي".

بالتأكيد حركات مناهضة العولمة ومعارضو دافوس يرفضون ادعاء "كلاوس" السابق، لكن أفكارهم وجهودهم تعد بحق بمثابة حركات اجتماعية إنسانية في العالم؛ تحمل هموم الفقراء والباحثين عن كسرة الخبز وتدافع عن حقهم في الحياة الكريمة، وفي فرص العمل العادل في الوقت الذي يبشر فيه العالم الرأسمالي بعصر الماكدونالدز والتقدم الاقتصادي...


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

د . رامي محمد ديابي

سبحان الذي تطاول حلمه على من جعلوا الأرض عبودية لجلب المال لهم واسعباد العباد بكل أنواع القهر ...
وسبحان الذي خلق التمر لكي لا يجوع الناس فأخفته الآلهة الجديدة من اليمين المتصهين من حكام التلمود فلا ترى في بوستر اليوم العالمي لمكافحة الجوع سوى القمح !!!
وكم تشبه الأيام تلك الأيام الغوابر يوم وقف الناس على شرفةالملكةالبريطانية شارون فسألت الوزراء عن سبب غضب الناس فقالوا لها ..الناس يشكون الجوع ولا يجدون الخبز فقالت لهم الملكة شارون فليأكل الشعب البتزا هوت والماكدونالد !!