إخوان مصر وسوريا: اتصالات مع الغرب أم تقديرات واقعية؟!

2005-5-20 | محمود سلطان إخوان مصر وسوريا: اتصالات مع الغرب أم تقديرات واقعية؟!


أخذ الجدل حول تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس"، والمسئول الأول عن إدارة التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية "ريشارد هاس"، فضلا عن توصيات الاتحاد الأوربي في لوكسمبورج، حول ضرورة الحوار مع الإسلاميين "المعتدلين" في العالم الإسلامي، وعدم الالتفات إلى ما كان يسمعه ويقرئه العالم بشأنهم، من تقارير تكتبها الأنظمة المستبدة والديكتاتورية في العالمين العربي والإسلامي، أخذ هذا الجدل، سبلا متعددة ما بين مشكك ومتفائل، غير أن رد الفعل عند الإسلاميين الحركيين، خاصة القوى التي ترغب منها في تداول السلطة مع شركائها داخل البلد الواحد، والمبثوثة في فعاليات وأنشطة المجتمع المدني السياسي، كان أكثر ردود الفعل تفاؤلا، بل إن بعضهم بلغ به التفاؤل مبلغ الإسراف في تقدير درجة الحماس الأمريكي لفكرة الحوار مع الإسلاميين، ولا يدري أحد على وجه التقريب سر هذا التفاؤل، وما إذا كان مرده إلى "التعلق الطفولي" البرئ في "قشة" التصريحات الأمريكية، أم لوعود حقيقية تلقاها الإسلاميون خلف الأبواب المغلقة، من خلال اللقاءات المتعددة التي تجمع إسلاميين مع وفود صحفية وسياسية غربية، لا تتقطع على مدار العام الواحد. أم من خلال وساطات رسمية حقيقية في عواصم غربية، كما تردد مؤخرا حول قيام الناشط الإسلامي السويسري طارق رمضان، بالوساطة بين الإخوان والإدارة الأمريكية والغرب على وجه الإجمال، وهي الأخبار التي تواترت متزامنة مع حوار الرئيس مبارك المثير للجدل لصحيفة السياسة الكويتية، والذي اتهم فيه الإخوان صراحة بأنهم "يتصلون بالأمريكيين" .

لقد أثار التصعيد الإخواني الأخير في مصر، الكثير من علامات الاستفهام، حول مغزى ودلالة توقيته الذي جاء متزامنا مع التوجه الأمريكي الأوروبي الجديد إزاء الإسلاميين "المعتدلين". ولعله من الأهمية أن نلاحظ التباين الواضح بين تكتيكات إخوان سوريا وإخوان مصر، فيما يتعلق بمسألة التعاطي مع ملف الإصلاح، فهي تكتيكات تأتي متسقة تقريبا مع رؤية صناع القرار في أوربا وأمريكا، بشأن سيناريوهات التغيير التي يرغبون فيها -أو يتوقعونها- على الساحتين السورية والمصرية. ففي الوقت الذي نلحظ فيه توجه الأداء السياسي لإخوان سوريا، نحو تبني خطاب غير متسامح مع النظام السوري من جهة، والمجاهرة بوجود ترتيبات لا ندري حجمها ولا شكلها ولا أبعادها مع الجانب الغربي من جهة أخرى، ما يعكس انطباعا بغياب المراهنة على النظام السوري في الإصلاح المرغوب، ويجعل تكهنات التغيير أقرب ما تكون إلى "النموذج العراقي"، نجد على الجانب الآخر في مصر، خطابا إخوانيا يراهن على التغيير من داخل النظام ذاته، ففي حين يتهم الإخوان النظام بـ"الفشل" وبـ"الديكتاتورية"، نجدهم يقرون له بالتوقير ويهاجمون الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، ويتهمها المرشد العام للجماعة محمد مهدي عاكف بـ"طول اللسان" لأنها "شخصنت الصراع" مع النظام بسبب رفع لافتات "لا للتوريث لا للتجديد"، وأن مبارك هو "ولي الأمر الذي يجب طاعته "، وفي الوقت الذي تسير فيه الجماعة المظاهرات المطالبة بالإصلاح في أكثر من عشر محافظات، ويعتقل النظام المئات من كوادرها وقادتها، نجدها لا تمانع في قبول التجديد لمبارك أو في انتقال السلطة من بعده إلى نجله "جمال"، وليس لها أية تحفظات سواء كان مبارك الأب أو مبارك الابن على رأس السلطة في مصر، طالما تفهم مطالب الجماعة، وشرع في إدخال إصلاحات سياسية مقبولة من وجهة نظرها، حتى وإن جاءت على مقاس الحركة وليس على رغبة بقية النخب السياسية المؤثرة في المشهد السياسي المصري من خارج دائرة الحكم.

والحال أن هذا الخيار الإخواني في مصر، والذي يراهن على "النظام" رغم شيخوخته وترهله السياسي، هو رهان لا يخلو من تقويم ذكي، لحال التكهنات بل والتوقعات، لشكل الإصلاح المتوقع في مصر، سواء التي تتكهن به النخبة المصرية، أو تلك التي تنتظرها القوى الغربية من القاهرة، وهي في مجملها تعتمد على قراءة موضوعية، للقوى الحقيقية المؤثرة في أي حراك سياسي كبير قد يحدث على ضفتي النيل، وأهمها أن مصر دولة بيروقراطية كبيرة، لا يحسم صراعاتها الداخلية إلا النخبة والمؤسسات، ولعل ذلك ما يتفهمه النظام ويعيه جيدا، وهو في ذات الوقت ما يفصح عن سر فزعه وهلعه من حركة "كفاية"، رغم أنها لا تتعدى المئات من منتسبيها، وذلك لأنها "تعبير نخبوي" -لا شعبي- عن الاتجاهات السائدة داخل النخبة المصرية، بشأن الموقف من وجود مبارك ذاته على رأس الحكم، ولا فرق في ذلك ما إذا جاء الرئيس بالاستفتاء أو بالانتخاب. ويفصح كذلك عن سر استنفار النظام الأمني المبالغ فيه، أمام النقابات المهنية، رغم أن حشد الأخيرة لأعضائها في أية مظاهرة احتجاجية يكاد يعد على أصابع اليد .

لا شك أن مصر لها خصوصية فريدة في هذا الإطار، والتي تعطي لـ"المؤسسة" قوة ضغط تغيرية كبيرة، رغم قلة عدد المنتسبين إليها، هذه الخصوصية تحمل النظام عادة -وقت الأزمات الداخلية- على اللجوء إلى خيار "حرب المؤسسات" أو اختراقها من الداخل، بغية إضعاف وحدتها الداخلية، التي هي سر قوتها وتأثيرها السياسي. وعلى سبيل المثال فإن المؤسسات الصحفية القومية الكبرى التي تُصدر صحف الأهرام والأخبار والجمهورية، تعتبر أمضى "أداة إجهاضية" في يد النظام السياسي المصري، ضد أية تحرك من قبل نقابة الصحافيين ، قد يجلب المتاعب للنظام أو يحرجه أمام العالم في إطار حرية التعبير وحرية الصحافة، فالأهرام "الحكومية" وحدها، تملك أكثر من نصف أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين، وهو النصاب القانوني اللازم لتمرير أي تشريع أو قرار، يستهدف مصالح جموع الصحافيين المصريين.

ولقد لعبت هذه المؤسسات الثلاث دورا كبيرا في إضعاف مكانة النقابة المهنية والسياسية، وقد بات من المعروف الآن أن مجالس إداراتها أقوى من مجلس نقابة الصحافيين، وهو اختلال في ميزان القوى يجعل الدولة هي الطرف الأقوى في أي خلاف مع الجماعة الصحافية في مصر.

وفي ذات هذا السياق، لجأت الدولة مؤخرا إلى لعبة "حرب المؤسسات" لإجهاض انتفاضة القضاة المصريين، التي اشترطت إدخال إصلاحات جوهرية على قانون سلطة القضاء، يتيح لهم الإشراف الكامل على الانتخابات في مصر، ويحول دون تزوير إرادة الناخبين، وعلق القضاة قرارهم بالإشراف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة، إلى أن تستجيب السلطة لهذه المطالب، وهو القرار الذي وضع النظام في مأزق يهدد شرعيته ودستوريته، ما يمهد إلى وجود أزمة دستورية في البلاد، تكون مبررا لإسقاط النظام أو تغييره، ومن هنا تظهر خطورة مشاركة "مؤسسة القضاء" في التجاذبات السياسية السائدة في مصر، باعتبارها أداة تغيير سياسي مهمة، قد تُعجل بانهيار النظام المصري، حال تنفيذهم لتهديداتهم بشأن تعليق الإشراف على الانتخابات.

وللالتفاف على هذا القرار وإجهاضه، جرى اختراق المؤسسة من داخلها، من خلال إشراك مجلس القضاء الأعلى -وهو مؤسسة يعين أعضائها وزير العدل- طرفا مغايرا لما اتخذه القضاة من قرارات في جمعيتهم العمومية يوم الجمعة 14/5/4، ليصدر المجلس بيانا يشكك في شرعية قرار القضاة بتعليق إشرافهم على الانتخابات، في خطوة اعتبرت إجهاضية، تبتغي وجه النظام لا وجه الإصلاح. هذان نموذجان ذكرتهما على سبيل المثال لا الحصر، للدلالة على أن التغيير في مصر مناط بالنخبة والمؤسسات لا بالحراك الجماهيري رغم أهميته ساعات الحسم وفي اللحظات الأخيرة، وهي خصوصية تجعل التغيير دائما يأتي من داخل النظام لا من خارجه هو ما يتفهمه جماعة الإخوان في مصر، ويراهنون عليه، ولذا نلحظ عادة حتى في أكثر لحظات الصدام والإيذاء الأمني لها، تمسكها بـ"شعرة معاوية" في لعبتها مع السلطة. وهو ذات الرهان -استنادا كما قلنا إلى خصوصية الحالة المصرية- الذي يراهن عليه الغرب فيما يتعلق بشكل ووتيرة الإصلاح الذي يتمناه في القاهرة.

بيد أن هذه القراءة لا تعني أن ثمة اتفاقا رسميا، بين الإخوان -سواء في سوريا أو في مصر- وبين القوى الغربية على صيغة التغيير في الحالتين السورية والمصرية، إذ يبدو أن رهان تلك القوى على البديل الإسلامي الأكثر تمثيلا، في إدارة البلدان العربية والإسلامية، عوضا عن الأنظمة الديكتاتورية القائمة الآن، لا يزال موضع جدل أو مناقشة داخل أروقة صناعة القرار، ولم يصل فيما يبدو إلى درجة القرار الإستراتيجي أو القرار بإجراء اتصالات رسمية، بل يبدو أن الرهان على القوى العلمانية في العالم لعربي، لا يزال هو الرهان الأكثر ترجيحا، إذا خير الغربيون، عند المحطات الفاصلة، بين التيار العلماني والآخر الإسلامي، ويتضح ذلك من خلال رصد ردود فعلهم المتباينة إزاء أية ملاحقات أمنية أو قضائية يتعرض لها علمانيون أو إسلاميون، إذ كيف قامت قيامتهم عندما أُعتقل العلمانيان: د. سعد الدين إبراهيم وأيمن نور في مصر، فيما لا يحركون ساكنا إزاء اعتقال القيادي الإخواني د. عصام العريان والمئات من كوادر الجماعة، وبالمثل لم يصدر منهم تعاطفا "مناسبا" رغم قسوة الأحكام التي صدرت مؤخرا بحق ثلاثة إصلاحيين في السعودية، وموقفهم المخزي إزاء الجزار الأوزبكي كريموف الذي ذبح نحو ألف مواطن، بحجة اشتراكهم في تمرد حزب التحرير الإسلامي!!

أحسب أن الإسراف في تقدير حسن نية القوى الغربية، في التعاون مع الإسلاميين "المعتدلين"، تحتاج إلى تريث وإعادة مراجعة، خاصة بعد الحوادث الأخيرة التي يتعرض لها الآن أخوان مصر واصلاحييو السعودية، وبعض الإسلاميين السورين الذي عادوا إلى بلادهم بعد العفو غير الرسمي الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

احمد

يا ناس كفايه ظلم لجماعة الاخوان المسلمين
كيف يحدث تعاون بينهم وبين اعدائهم الامريكان
وهم ليس لهم حقد على مبارك ولا يسعون لاقالته بل يطلبون منه ان يسعى لتطبيق شرع الله ورحمة الناس مما هم فيه


Ahmed

المتابع للأحوال في مصر هذه الأيام يرى كم تتلهف جموع الشعب من أجل الحصول على أي قدر من الديموقراطية ليتسنى لها ممارسة أنشطتها في حرية ودون خوف من الإعتقال والخطف . أما موضوع تأييد مبارك أو عدمه فهذا أمر آخر الكل يطلب الديموقراطية والحرية ولكن لا أحد يكن العداء لشخص مبارك الكل يستنكر أفعاله التي إذا صححها فلن تكون هناك أي مشكلة ، أما الحوار مع الأمريكيين فليس له أي أهمية لأن الأمريكان يفهمون وجهة نظر الإسلاميين جيداً ويعرفون أوليات أولئك الإسلاميين . أولويات الإسلاميين التي تتعارض مع مصالحهم ولذلك يسعى الأمريكان إلى إختلاق المشاكل بين الإسلامييين وحكوماتهم وينسون أن الإسلاميين لن يتكاتفوا أبدا معهم ضد حكوماتهم


ناصر الكسواني

أعتقد أن الحركات الإسلامية في عالمنا الإسلامي لديها فكرة خاطئة عن أمريكا وكذلك الأمريكان لديهم فكرة خاطئة عن الحركات الإسلامية.
لا بد للحركات الإسلامية أن تحاور أمريكا لتفهم أمريكا ولا بد لأمريكا أن تحاور الحركات الإسلامية كي تفهم هذه الحركات.
وللنظر إلى العراق وإلى الخطأ الذي وقعت فيه هيئة علماء المسلمين من الإنعزال عن ساحة الحوار حتى بدت وكأنها المدافعة عن نظام صدام والمساندة للإرهاب الذي يقع على أرض العراق باسم المقاومة وتحرير الأرض.
علينا أن نفهم الإسلام جيداً ونفهم الواقع الذي نعيش جيداً وبناء على ذلك تكون أفعالنا أو ردات أفعالنا لنصل في يوم إلى صناعة الحدث الذي نريد لا الذي يراد لنا.