الأردن.. حالة من الاستقطاب الشديد تعكس معالم مرحلة مختلفة

2005-5-14 | محمد سليمان الأردن.. حالة من الاستقطاب الشديد تعكس معالم مرحلة مختلفة

يشهد الأردن منذ شهور حراكا سياسيا متزايدا منذ تشكيل حكومة عدنان بدران، وتتمثل أبرز معالم هذا الحراك في المعارضة الشديدة التي تواجهها حكومة بدران من قبل النواب المحسوبين على الموالاة الدائمة ويعكسون الثقل السياسي للعشائر الأردنية، في حين يتسم موقف المعارضة التقليدية الإسلامية بالضبابية والغموض وإن كانت المؤشرات تذهب باتجاه عقد صفقة بينهم وبين الرئيس الجديد.

هذا الانقلاب في المناخ السياسي الأردني يعكس —في حقيقته- صدى حالة الاستقطاب والجدل الداخلي الكبير حول المرحلة القادمة واستحقاقاتها منذ زيارة الملك الأخيرة إلى واشنطن؛ إذ تشير كثير من المعلومات إلى انتقادات حادة وجهتها أوساط سياسية وإعلامية بخصوص الحالة السياسية الداخلية الأردنية. الانتقادات الأميركية التي لم يتعود النظام الأردني -الحليف المقرب- على سماعها تركزت حول قضايا الإصلاح السياسي الداخلي وضرورة القيام بتغييرات رئيسة أهمها التحول باتجاه الملكية الدستورية ووجود رئيس وزراء منتخب، وعدم تدخل الأجهزة الأمنية بتفاصيل الحياة السياسية وتحسين حالة الحريات العامة وحقوق الإنسان. لكن الرسالة الأخطر من واشنطن —كما يقرأها كثيرون- تتمثل بإعادة إنتاج الدور السياسي للأردنيين من أصل فلسطيني وتهيئة الأوضاع السياسية في الأردن لتناسب المرحلة النهائية من المفاوضات والاتحاد الكونفدرالي —شكلا- الفدرالي مضمونا، الأمر الذي يعني إعادة توزيع الحصص في مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع المرحلة الجديدة، بما يعني زيادة التمثيل الفلسطيني، وهو ما عكسه تكوين حكومة بدران وزيادة عدد الوزراء من أصل فلسطيني بشكل ملفت.

إلاّ أن الخطأ الذي أصاب عملية تشكيل الحكومة -وتمثل في غياب واضح لتمثيل الجنوب- حرّك مخاوف وهواجس الأردنيين من المطالب الأميركية ومعالم المرحلة القادمة، فبالإضافة إلى التحرك النيابي كان هناك تحرك مواز من قبل هيئات وفعاليات أردنية سواء في المعارضة ذات الصبغة الشرق أردنية أو حتى في أوساط قوى وشخصيات محسوبة تقليديا على النظام والعشائر. وفي هذا السياق ظهرت المبادرة الأردنية والتي رأت أن حكومة عدنان بدران تمثل محاولة لتفكيك الأردن وتكريس لمفهوم الوطن البديل وانعكاس لما يسمى بالاتجاه "النيوليبرالي" المدعوم من واشنطن، والذي —وفقا لأصحاب هذه المبادرة- يمثل كمبرادور نفعي يتحجج بمسألة الحقوق المنقوصة للفلسطينيين في الأردن. وقد انصب احتجاج المعارضة الأردنية العشائرية الجديدة على شخصية وزير المالية باسم عوض الله والفريق الاقتصادي، وطالب النواب والقوى السياسية التي تقف خلفهم بإقالته. مما فجر صراعات علنية بين القوى والشخصيات السياسية في العلن والسر، مما زاد من حالة التكهنات حول موقف أركان نظام الحكم.

في المقابل تفاجأت الأوساط السياسية بإقالة مدير المخابرات العامة سعد خير وعدد من المسئولين الكبار في الدائرة، وتزايد الحديث عن عملية إعادة الهيكلة، ووجود توجه جديد بخصوص عمل الدائرة ودورها في الحياة العامة في الأردن. كما ذكرت العديد من التقارير وجود توجهات رسمية لسياسات جديدة كإلغاء مبدأ "الحصص في القبول الجامعي"، وكذلك وجود نشاط حالي لـ "الأنوروا" وكلها مؤشرات على إعادة إنتاج النفوذ السياسي في مؤسسات الدولة والحياة السياسية بشكل عام بحيث يكون هناك توازن بين نسبة الأردنيين من أصل أردني والأردنيين من أصل فلسطينيي.

من خلال السجال السياسي والإعلامي المعلن والخفي، وحالة الاستقطاب الشديد التي بدأت تسيطر على الحياة السياسية الأردنية يبدو موضوع العلاقة الأردنية- الفلسطينية هو الموضوع الرئيس والذي يشكل المعضلة الحاضرة الغائبة في جوهر عملية الإصلاح السياسي المطلوبة. إلاّ أن مناقشة هذا الموضوع على الرغم من أهميته الكبرى ما زالت في إطار من الاستحياء الإعلامي والثقافي أو رهنا للنزعات والتيارات اليمينية الإقصائية المتبادلة بين الطرفين، ولم تظهر بعد أية مقاربات عميقة تشكل حلا تاريخيا واقعيا لهذه المعضلة، على الرغم من بعض المحاولات الإعلامية أو السياسية من ضمنها ورشة عمل أقامها قبل سنوات مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وبعض الدراسات المتواضعة بهذا الشأن.

إلاّ أن ياسر الزعاترة نشر مؤخرا على موقع الجزيرة نت مقالا توفيقيا يحاول أن يوازن من خلاله بين هواجس الأردنيين ومطالب الفلسطينيين ومراحل الحل النهائي بالدعوة إلى صفقة تاريخية. لكن أهم ما يمكن التقاطه من مقال الزعاترة (المعروف كأحد كتاب الأخوان المسلمين المعدودين في الأردن) أنه اعترف ضمنا بعدم وجود أية رؤية أخوانية لصيغة العلاقة وأثر ذلك على الإصلاح السياسي، على الرغم أن الأخوان كما يرى الزعاترة من المفترض أنهم يمثلون الوسط العام الذي يضم الأردنيين والفلسطينيين. إلا أنه فيما يبدو لعجز في خطاب الجماعة السياسي وضحالة القدرات الفكرية التنظيرية لديها وغلبة ذوي الأصول الفلسطينية في تكوينها التنظيمي لم تتمكن من تقديم أية رؤية تعبر عنها كأكبر تنظيم سياسي تفترض أبجديات العمل السياسي أنهم يمتلكون رؤية تجاه معضلة الإصلاح السياسي الأردني ومقومات الوحدة الوطنية المطلوبة، إلا أنهم ما زالوا مكتفين بلغة الشعارات البراقة التي تبعدهم عن مناقشة التفاصيل العملية المطلوبة للوصول إلى حل تاريخي بمثابة الإجماع الوطني.

على العموم تبدو المرحلة القادمة حبلى بالتغييرات الكبرى وبالتحولات السياسية الداخلية، ولعل انقلاب تيارات الموالاة إلى معارضة كبيرة وتيار المعارضة إلى المماطلة والمهادنة ما هو إلا بداية لتغييرات أكبر وأخطر!..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر