ماذا يحدث في بر مصر الآن؟

2005-5-13 | أميمة عبداللطيف ماذا يحدث في بر مصر الآن؟

بالنسبة لبعض المحللين الغربيين سيما الأمريكيين منهم لا تحمل عودة نفر من الإسلاميين إلى تبني العنف من المفاجأة الشيء الكثير. ففي دراسته القيمة عن الإسلاميين والديمقراطية التي أوردها جراهام فوللر نائب مجلس المخابرات القومي السابق بوكالة المخابرات المركزية في كتاب بعنوان "تنمية الديمقراطية في الشرق الأوسط"، تنبأ فوللر بأنه على الرغم من أن جماعات العنف التقليدية مثل الجماعة الإسلامية والجهاد في مصر قد أعلنتا الامتناع عن اللجوء إلى العنف وحافظوا على التعهد الذي أطلقوه منذ العام 1997، وأدركوا أنه ليس بالإمكان إلحاق الهزيمة بالدولة، حتى إن بعض الإسلاميين رأوا في هذا التحول الجذري أنه جاء نتيجة قناعة حقيقية، إلا أن -يضيف فوللر ملحوظة هامة- التوترات السياسية الهائلة في دولة مثل مصر والاستقطاب الإقليمي الحاد وانتشار أعمال العنف التي طالت معظم دول المنطقة والتآكل الهائل في شرعية معظم النظم الأوتوقراطية بالمنطقة، كلها عوامل اعتبر فوللر أنها مرشحة لأن تزيد من احتمال لجوء بعض بقايا الحركات الإسلامية إلى العنف مرة أخرى، ومثل معظم المحللين يرى فوللر بأنه إذا كانت الدولة قد انتصرت علي الحركات العنيفة قبل الحادي عشر من سبتمبر، فإن التاريخ الذي أعقب الهجمات قد فتح الباب مجددا أمام تبني بعض الإسلاميين العنف، وعلى حد قول فوللر فإن حرب الرئيس بوش على الإرهاب وفصول العنف الأمريكي المستمر في العراق كلها عوامل أدت إلي إعادة إحياء الحركات العنفية التي قررت الانخراط في نضال مسلح ضد الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط.

فمثلما أن بوش قرر شن حرب ضد عدو مجهول الاسم والهوية كالإرهاب، يشن هؤلاء حربهم ضد أي أجنبي على الأرض مثلما كان الحال مع ضرب السياح والحافلات السياحية. ورغم أنه قبل الحادي عشر من سبتمبر توصلت معظم الجماعات الإسلامية إلى قناعة بعدم جدوى العنف، إلا أنه بعد الحادي عشر من سبتمبر ونتيجة تزايد "الروح الثورية" كرد فعل لما حصل، فإن النقاش حول جدوى استخدام العنف لإسماع الصوت من عدمه برز من جديد إلى الواجهة، ولا يمكن التنبؤ بالتأثير الذي قد يحدثه النقاش على تطور تلك الجماعات. ويعتبر فوللر كغيره من المحللين بأن أحد أهم الأزمات التي تواجه الحركة الإسلامية هي الاختيار مابين الانخراط في لعبة السياسة أو اللجوء إلى العنف.

ثمة قراءة أخرى قدم لها باري روبين مدير مركز أبحاث العلاقات الدولية ومركز الدراسات بهيرتزليا، وسيصدر قريبا كتاب بعنوان "النضال العربي من أجل الديمقراطية في الشرق الأوسط" ذكر روبين في مقال نشرته مطبعة ورلد بيس هيرالد وعنونها بشكل لافت "ما هو دور مصر؟"، يقول إنه بينما لا زالت مصر هي الدولة العربية الأهم، وبينما الرئيس مبارك قارب انتهاء فترته الرئاسية الرابعة، فإن دور القاهرة في عملية السلام يبدو أكثر أهمية من ذي قبل. ويتساءل روبين: ماذا يحدث في مصر، التي تبدو وكأنها مكان لا يحدث فيه شيئا أبدا. ويعتبر روبين أن الشيء المهم الذي تغير هو تقلص الأهمية النسبية لمصر في العالم العربي. ورغم أن حجم الدولة وتأثيرها الثقافي يؤهلانها لأن تكون أحد الأصوات الأساسية في العالم العربي، إلا أن اليوم، بحسب روبين، فإن السعودية التي تمثل الثقل المالي ومركز الإسلام المحافظ وسوريا هي آخر قلاع القومية العربية، بينما العراق علي حد قوله هي المكان الذي تلتقي فيه الديمقراطيات العظيمة وتجارب التعددية.

ماذا تمثل مصر إذن؟ يطرح روبين السؤال واضحا ثم يجيب سريعا، هي ميزان القوة العربية والاعتدال في التوجه نحو السلام مع إسرائيل ونموذج للاستقرار والجسر بين الولايات المتحدة والعالم العربي.

ولكن هذه الأمور غير متحققة على أرض الواقع كما يرى روبين، لماذا؟ إما لأن مصر لا تريد ذلك أو لأنها غير قادرة علي لعب دور فعال. ويرى روبين أن التغيير الدرامي الذي حدث يعود بجذوره إلى عهد جمال عبد الناصر الذي فشل بحسب روبين في سياسياته الداخلية والخارجية، وحينما أتي السادات لسدة الحكم قرر التركيز على مشاكل مصر فقط، وخلال الربع قرن الماضي يقول روبين بأن مبارك علي ما يبدو قبل بمبدأ أن تحتفظ مصر بدور أقل رغم عدم تلمس أي سياسة علنية تؤكد ذلك، ولكن اتضح أنه من ملف لآخر فإن مصر ارتضت أن تلعب دورا هامشيا، أو بالتأكيد ليس دور القائد، والحقيقة القائمة الآن أنه لا الرياض ولا حتى دمشق أو بغداد أو الفلسطينيين يصغون السمع لما تقوله مصر. أما على المستوى الداخلي فيري روبين وغيره من المحللين الغربيين أن النظام المصري قام باستخدام ثقافة سياسية ديماغوجية، حتى حينما كانت سياستها الخارجية تتسم بالبراجماتية، وهي طريقة استخدمها النظام للحفاظ على المصالح الوطنية والتأييد الشعبي، رغم فشله في تحسين الأوضاع المعيشية للمصريين.

ورغم قيام الدولة بقمع الإسلاميين بشكل شديد، إلا أنها ترتدي مسوح الإسلام والدفاع عنه، وفي الوقت نفسه تقول للغرب بشكل فيه الكثير من الفجاجة أنها تمارس الديمقراطية وتسير بطريق الإصلاح بينما هي في الوقت ذاته تخيف من يحاول الدفع باتجاه الإصلاح. ويتساءل روبين أنه بينما سوف يكسب مبارك معركة الرئاسة الانتخابية، وهذا مما لا شك فيه، إذا قرر الترشح للرئاسة لمدة خامسة، إلا أن التساؤل يبقى مطروحا: هل المعارضة هي البديل؟، فهو يرصد كيف أن المعارضة الوطنية المصرية بما فيها حركة كفاية نفسها هي معادية للسياسات الأمريكية، وأن المتحدث باسم كفاية هو عبد الحليم قنديل الصوت الأكثر معارضة للسياسيات الأمريكية والنظام المصري وهو رئيس تحرير جريدة العربي الناصري، ويضيف بأنه بينما هناك بين صفوف المعارضة معتدلون، إلا أنه بحسب تعبيره مخترقة من قبل الإسلاميين والراديكاليين، وبالتالي فإن أناسا مثل قنديل ومثل الإخوان المسلمين، كبدائل لمبارك ليس من المرجح أن تلقى قبولا أمريكيا. وعليه يخلص روبين إلى القول بأن مبارك سوف يستمر كرئيس للبلاد حتى توافيه المنية أو يختار من يريد لينوب عنه، وهو لن يكون ابنه جمال وإنما ربما يكون جنرال سابق، ففرص الاستقرار في مصر جيدة وإن كانت فرص التطور متضائلة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر