آخر الأخبار

مصير روسيا!

2005-5-11 | خالد حسن مصير روسيا!

إن السؤال الذي يفرض نفسه، في الذكرى الستين لانتصار الحلفاء على النازية، يتعلق بمستقبل علاقة روسيا بالغرب.

من وجهة النظر السوفيتية، فإن الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة كارثة ونصر في آن. الكارثة شملت أخطاء شنيعة في تقديرات جوزيف ستالين الدبلوماسية والعسكرية، التي أدت إلى احتلال الأجزاء الواسعة للإتحاد السوفيتي من قبل الألمان. أما النصر، فلأن الإتحاد السوفيتي لم يكسب الحرب فقط (بمعية حلفائه)، وإنما برز بعد الحرب أيضا باعتباره القوة الأوراسيوية المهيمنة -حدوده تصل عمليا إلى وسط ألمانيا- بالإضافة إلى كونه قوة عالمية. وأصبح المتحدي الوحيد للمنتصر "الكبير" الآخر في الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة.

لكن اليوم، ثمار انتصارات 1945 تبخرت. ودائرة نفوذ موسكو لن تمتد إلى وسط ألمانيا. بل إنها في الحقيقة، غير قابلة للتوسع أصلا ولا يمكنها أن تمتد حتى داخل الاتحاد السوفيتي السابق. إن دول البلطيق، أوكرانيا، القوقاز وآسيا الوسطى، كلها "تتزحزح" عن السيطرة الروسية. بل إن موسكو ليست متأكدة حتى من إمكانية حفاظ الكرملين على الاتحاد الروسي. ومن وجهة نظر موسكو، فإن الجيل الحالي "ضيع" النصر و"خان" تضحيات جيلها "العظيم".

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه عندما حل مفهوم "الوفاق" في العلاقة بين المعسكرين خلال عقد السبعينيات واحتك قسم من المجتمع السوفييتي، المحكم الإغلاق آنذاك، بالعالم الأميركي، تغيرت الأمور تدريجيا. لقد بدأت تتحطم أسطورة تفوق الاشتراكية على الرأسمالية. وأصبح سروال "الجينز" ومشروب "كوكا كولا" بمثابة الرمز لعالم آخر. وقد عبر الدبلوماسي والمحلل السياسي الأميركي جورج كينان، عن التطور الحاصل بالقول بأن النظام السوفييتي قد انهار في اليوم الذي بدا واضحا أن الأهداف التي يسعى لتحقيقها إنما هي "عقيمة ودونكيخوتية".

القيادة السوفيتية والروسية الجديدة لم تستوعب هذا الدرس إلا في إطار اللامبالاة أو التشويش. ميخائيل غورباتشوف، بوريس يلتسين والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جميعهم اتبع سياسة محسوبة، ترسخت في عقولهم باعتبارها حقيقة لا تقاوم. وقد اعترف قادة "الكا جي بي" بأن الاتحاد السوفيتي انزلق إلى كارثة اقتصادية واجتماعية، بسبب أمرين: أولا، عدم كفاءة الاقتصاد السوفيتي، فالجغرافية والإيديولوجيا تحالفتا لتأسيس نظام خاطئ أصلا. ثانيا، قرار الولايات المتحدة في الثمانينيات بمهاجمة هذا الضعف مباشرة بتعجيل السباق نحو التسلح، الأمر الذي شكل أزمة لا يمكن تداركها.

صحيح أن الإتحاد السوفيتي كان فقيرا، لكنه يشكل قوة من الناحية الجغرافية السياسية والإستراتيجية. ولكي يحتفظ بتلك القوة الإستراتيجية، كان لا بد أن يكرس كمية هائلة من الطاقة الاقتصادية لتحمل قواها العسكرية والقطاعات الاقتصادية التي تسندها. وارتفعت كلفة سياسة توازن الرعب الإستراتيجي وهددت بقية الاقتصاد بالانهيار. بسرعة جدا، أصبح الإتحاد السوفيتي أفقر وأضعف.

واتخذت موسكو قرارا إستراتيجيا أساسيا لإبقاء الإتحاد السوفيتي من خلال إعادة موازنة العلاقة بين الجغرافية السياسية والاقتصاد. وحاول غورباتشوف تطبيق هذه السياسة بإنهاء الحرب الباردة مُقابل انتقال التقنية والاستثمارات من الغرب. لكنه فقد السيطرة على الوضع لسببين: أولا، بغض النظر عن مستوى الاستثمار والمساعدة الغربية، تصلب الأنسجة الاقتصادية للإتحاد السوفيتي كان شاملا وكاسحا، بحيث لا تستطيع موسكو أن تستعمل الأموال الغربية عمليا في أي إطار زمني ذي مغزى سياسي. ثانيا، عد سماح الولايات المتحدة للسوفييت بالتعافي من ضعفه.

واشنطن من جانبها، ضغطت لانتزاع مكاسب أكبر: أولا، شكلت تحالفات، سرية وعلنية، في أوربا الشرقية التي بدأت تتطلع إلى التحرر من القبضة السوفيتية الضعيفة. الثانية، هيأت الأجواء الحيوية في إثر خسارة الاتحاد السوفييتي لإمبراطوريته الأوربية الشرقية، أدت إلى شلل غورباتشوف وبروز يليتسين وانهيار الإتحاد السوفيتي. وفقدت موسكو ليس فقط ما ربحته في الحرب العالمية الثانية، ولكن أكثر بكثير من ذلك أيضا.

مدد يليتسين سياسات غورباتشوف وعمقها. وكان يتصور بأن المنافع الاقتصادية التي كانت "أندروبوف" يبحث عنها، يمكن أن تتحقق بسرعة أكبر لو أن روسيا لم تكن مسئولة عن الأحوال الاقتصادية في الجمهوريات السوفيتية التي تخلفت بأجيال عن روسيا نفسها. في الواقع، واصل يليتسين استبدال الجغرافية السياسية بالعلاقات الاقتصادية مع الغرب.

وتمنى الروس تحسين أوضاعهم المعيشية. وبينما كان هناك نشاط اقتصادي كبير، فإن الثروة لم توزع. حيث إن حياة الروس خارج موسكو وسانت بيترسبورغ، بالإضافة إلى المسنين والذين ما كانوا بين النخب التغريبية، ازدادت سوءا وقسوة.

وعجز يليتسين عن الحراك الفعال، حيث إنه ما كان هناك دفع اقتصادي مقابل هبوط روسيا الجغرافي السياسي. فقبل انهيار الشيوعية، كانت روسيا فقيرة لكنها قوية جدا. بعدها، جمعت روسيا بين الفقر والضعف بشكل مثير للشفقة. وعليه، كان لابد لموسكو أن تكافح من أجل التمسك بروسيا نفسها.

الجغرافية السياسية ليست لعبة عواطف ومشاعر، والولايات المتحدة أبعد ما تكون عن الأحاسيس، إنها موغلة في القسوة والسيطرة. فقد عملت بالضبط ما قام به الروس في الماضي: ضغطت بمصالحها، من خلال استعمال مختلف الآليات، مثل توسيع منظمة حلف شمال الأطلسي، حيث عززت تأثيرها أولا في أوربا الشرقية، ثمّ انتقلت إلى الإتحاد السوفيتي السابق نفسه، وتحديدا في بلدان البلطيق. وزادت واشنطن تأثيرها في القوقاز عبر توثيق العلاقة مع جورجيا وآخرين. وتحرك الأمريكان نحو آسيا الوسطى أولا، من خلال تطوير موارد الطاقة هناك، ثم، كأثر جانبي لهجمات سبتمبر، عبر انتشار القوات الأمريكية ودوائر المخابرات في كافة أنحاء المنطقة.

وأحدث الضعف الروسي فراغا، فيما تحركت الولايات المتحدة بعناد لملئه. وصل بوتين إلى السلطة في أعقاب نزاع كوسوفو، الذي تعاملت من خلاله واشنطن مع المصالح الروسية باللامبالاة والاحتقار. ما كان يريد معاكسة مذهب "أوندروبوف"، لكنه عزم على تقنينه فقط. وتوقع أن لا تتكرر أبدا تجربة كوسوفو، التي هاجمت فيها الولايات المتحدة صربيا —التي يعتبرها الروس صديقا- بدون أخذ المصالح الروسية بالحسبان. وعزم بوتين أيضا أن يعكس نتائج الفوضى الاقتصادية خلال التسعينيات، لكنه لم ينو إحداث أي تغيير أساسي.

بكلمة أخرى، أراد بوتين أن تكون عنده كعكته ويأكلها أيضا. فلم يرد تغيير أسس العلاقات الروسية الأمريكية، وإنما أراد ببساطة إعادة موازنتها، والهدفان ينقض أحدهما الآخر.، إذ إن العلاقة لا يمكن أن تكون متوازنة ثانية، حيث إن روسيا ما كان عندها الثقل لتعيد التوازن إلى العلاقات. فاقتصاديا، بقت مشلولة. عسكريا، غلب عليها العجز. والمحصلة الجغرافية السياسية، هبوط لا يمكن أن يتوقف. وخلال السنوات الست الماضية، كان بوتين يبحث عن الكأس المقدسة: لا كلفة، وحل آمن لمشاكل روسيا.

واتبعت الولايات المتحدة سياسة ثابتة منذ رونالد ريغان وإلى جورج بوش الابن. أراد منع، تحت أية ظروف، عودة ظهور روسيا كقوة إقليمية مهيمنة ومتحدِ عالمي محتمل. فكلينتون وجورج دبليو بوش عملا على زيادة التأثير الأمريكي بشكل منظم في الدائرة التي يسميها الروس "دول الجوار"، بينما في نفس الوقت يسهلان استمرار العطل الاقتصادي. وبتعبير أدق، سمحوا للضعف الروسي أن يتعمق ويتأصل لتشكيل فراغات، يمكن لأمريكا أن تتحرك في نطاقها.

ونتيجة لذلك برزت هذه الحقائق: أُطيح بالرئيس الجورجي ادوارد شيفرنادزة من السلطة، حين اقتحم الألوف من المتظاهرين المنظمين البرلمان، وطالبوا بوضع نهاية للفساد. أما في قيرغيزستان، فقد انتهى حكم أكاييف الذي دام 15 عاماً، حينما تجمع حشد غير متجانس من 2 ألف شخص، وعلى النحو نفسه تمرد الأوكرانيون على انتخابات مزورة، الهدف منها تنصيب المرشح المفضل لموسكو في سدة الرئاسة، أما الحشود في قيرغيزستان، فلم يكونوا يتظاهرون ضد انتخابات برلمانية غير سليمة في فبراير ومارس، وإنما كانوا يترجمون إحباطهم من الحالة الاقتصادية المتردية لدولة معتمدة على العملات الأجنبية المحصلة إلى حد كبير من منجم ذهب والصيد وقاعدتين عسكريتين أجنبيتين، إحداهما روسية والأخرى أمريكية.

وفيما كان قادة المعارضة في جورجيا وأوكرانيا يمثلون الطموحات بتحقيق استقلال حقيقي، وقدموا برامج منسجمة، فإن قادة المعارضة القرغيزستانية كلهم كانوا رفاقا سابقين لأكاييف وانفضوا عنه بسبب رغبتهم في المزيد من السلطة.

وتبدو الأسباب الجوهرية للصراعات في وسط آسيا اقتصادية وإقليمية أكثر منها سياسية، كما أنها مرشحة أكثر للتأزم بفعل القلاقل الراهنة.

لكن نقطة "التوقف" استقرت في أوكرانيا، حيث استغلت واشنطن القوات المؤيدة للغرب هناك لتشكيل حالة تكون فيها، بدلا من موسكو، القوة الأجنبية الأكثر تأثيرا في العاصمة كييف، بما في ذلك إثارة النقاش حول انخراط أوكرانيا في منظمة حلف شمال الأطلسي. وإذا أصبحت أوكرانيا —التي تحد روسيا من الجنوب- عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي، فإن روسيا قد تفقد القدرة على الدفاع. ومع تزايد القوة الأمريكية في آسيا الوسطى، فإن من شأن هذا وذاك أن يهدد موقع روسيا في القوقاز.

ولعل هذا يفسر لماذا بوتين أشار إلى انهيار الإتحاد السوفيتي مؤخرا بقوله: "الكارثة الجغرافية السياسية الأعظم في القرن العشرين".

وليس واضحا ما إذا كان الروس يملكون الإرادة للتعافي. ويبدو بوتين في صراع مرير مع "شياطين" الداخل والخارج، ووريثه ليس ظاهرا. على أية حال، إذا حاولت روسيا التعافي، فمهم أن يتضح متى سيكون هذا، لأن الفرصة قد لا تتاح مستقبلا.

الهبوط الروسي والاستغلال الأمريكي للوضع قادا إلى نقطة التوقف. إذا أوكرانيا فقدت موسكو، فإن جورجيا قد تصبح القوة المهيمنة في القوقاز، وإذا امتدت الأحداث في قرغيزستان إلى بقية آسيا الوسطى —وهذا يمكن تصوره-، فإنه من الصعب تخيل بقاء الاتحاد الروسي.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، فإنه يصبح مفهوما لماذا عززت ووسعت الولايات المتحدة من دائرة نفوذها في الاتحاد السوفيتي السابق خلال الشهور القليلة الماضية. ومن جانب آخر، فإنه يمكن لروسيا أن تتعافى، لكن فقط إذا ضبطت التوقيت. خاصة وأنه ليس لدى الولايات المتحدة رغبة في رؤية روسيا تتعافى، لذا، فإنها لا تنوي إعطاءها وقت. روسيا قريبة من مرحلة اليأس، لكن ليس بعد. وأي نافذة مفتوحة اليوم، فإنها ستغلق غدا.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر