على هامش دفتر مظاهرات الإخوان: عودة الوعي بأهمية الآخر المخالف

2005-5-9 | محمود سلطان على هامش دفتر مظاهرات الإخوان: عودة الوعي بأهمية الآخر المخالف

لم أستطع أن أخفي دهشتي وأنا أشاهد بنفسي المئات من منتسبي حركة "كفاية" وهم يتظاهرون أمام مبنى نقابة الصحافيين المصريين، تضامنا مع معتقلي جماعة الإخوان المسلمين، ومنددين بالوحشية الأمنية وهي تغتال أحد كوادر الجماعة وتعتقل واحدا من أبرز قياداتها: الصديق العزيز د. عصام العريان.

وفيما كان المتظاهرون من حركة "كفاية"، يرددون الهتافات التضامنية مع حركة الإخوان، كان المصريون يطالعون صحيفة العربي الناطقة بلسان حال الحزب العربي الناصري، وهي تعرب عن اعجابها بالوعي السياسي الجديد للإخوان، وتبنيهم "خطابا معاصرا وديمقراطيا"، وأثنوا على استجابة الإخوان لمطالب بعض القوى السياسية المصرية، بـ"عدم رفع المصاحف في المظاهرات"!، وأشادت بموقف د. عبد المنعم أبو الفتوح عندما تصدى للمتظاهرين، هموا برفع المصاحف، في مظاهرة إخوانية أمام مسجد النور القريب من العباسية وسط القاهرة. ووصف رئيس تحرير الجريدة عبد الله السناوي، هذا المنحى الجديد بـ" التطور الإيجابي".

الصحيفة الناصرية أوردت في صدر صفحتها الرئيسة، دعوة رئيس الحزب ضياء الدين داود بضرورة الإفراج الفوري عن معتقلي الإخوان المسلمين. وتبنى الناصريون إطلاق صفة "شهيد الحرية" على عضو الإخوان "طارق غنام" الذي لقى حتفه في مظاهرات جرت بإحدى محافظات الوجه البحري، بل إن المانشيت الرئيسي لجريدة الناصريين كان بعنوان "أول شهيد في معركة الديمقراطية"، وخص رئيس التحرير التنفيذي الصديق د. عبد الحليم قنديل عموده الأسبوعي، للحديث عن شهيد الإخوان، مستهلا العمود بقوله "تذكروا هذا الاسم لأنه يذكّرنا فلا ننسى، فطارق غنام هو أول شهيد في معركة التغيير السياسي، ووحده يستحق أن يكون رمزا لمصر الآن".

لم ينس قنديل في ذيل مقالته وتحت عنوان إشارات، أن يبرق رسالة باسم حركة "كفاية" إلى الجماعة قائلا: "عن حركة كفاية: تدين اعتقالات الإخوان لأنها تعتصم بالمبادئ ترفض دعاوى إنقاذ مصر من لندن .. للسبب نفسه".

رأيت أنه من الأهمية أن يُستهل المقال بهذه "الإشارات" لمغزاها ودلالتها على تطور الوعي الحركي سواء لدى النخبة المنتمية لقوى وتيارات غير دينية أو لدى قيادات جماعة الإخوان المسلمين.

ورغم تحفظي الشديد على "حساسية" النخب العلمانبة من ناصرين وغيرهم من التقليد الإخواني المتعلق برفع المصاحف في المظاهرات، فإن استجابة الإخوان الفورية، بوضع هذه "الحساسية" موضع اعتبار، يعد مؤشرا مهما على إدراك الجماعة لسوءات "الاستعلاء التنظيمي" ومضاره وخطورته على احتياجاتها الأساسية من دعم و تعاطف قوى اجتماعية مهمة.

استطاعت جماعة الإخوان بلا شك بالتظاهرات الأخيرة، أن تفرض على الجميع احترامها، سواء من القوى التي بينها وبين الحركة "ثارات تاريخية" مثل الناصريين، أو من القوى العلمانية المناهضة للدور السياسي للدين، أو من بعض المحسوبين على ما يسمون بـ" الأمريكيين الجدد"، حتى إن مأمون فندي، وهو موظف بالبنتاجون، ودخل عالم الكتابة السحري، وخاصة في "الأهرام" كبرى الصحف العربية انتشارا وتأثيرا، من بوابة المديح والثناء على "عقلانية" النظام السياسي المصري، كتب في الشرق الاوسط 9/5/5، مستنكرا ما تعرض له الإخوان المسلمون في مصر، محذرا الحكومة -التي يعود لها الفضل في تلميعه صحفيا- من أن البديل الموضوعي لخيارات الإخوان السلمية هو "أبو مصعب الزرقاوي" أو "باشندي" الشاب المصري ابن التسعة عشر ربيعا الذي فجر نفسه مؤخرا وسط القاهرة.

ويبدو لي أن اتساع حركة المعارضة في مصر الآن، ومحاولتها الدءوبة إحراز المزيد من المكاسب، بنزولها إلى الشارع، أعاد إلى القوى السياسية المصرية، وعيها بأهمية العلاقات التكافلية بين القوى المعارضة للنظام بغض النظر عن انتماءاتها أو وزنها السياسي.

كانت المشكلة الحقيقية المزمنة التي تعاني منها الجماعة السياسية المصرية، هي عدم إدراك قيمة التعدد والتنوع في القوى السياسية، وتأثيره الإيجابي إذا ما أُحسن توزيع أدواره على المسرح السياسي المصري. إذ كانت المعايير الحاكمة في هذا الإطار، والمحددة لنظرة كل جماعة سياسية، لنظيراتها من الجماعات الأخرى، هو ما تمثله من تعبير تنظيمي لقوى اجتماعية موجوده بالفعل في الشارع، وهو المعيار الذي أفضى إلى نمطين لا ثالث لهما في تأطير شكل العلاقة بين القوى السياسية المصرية، وهي: إما القطيعة وإما الاستعلاء. وإذا ما اجتمعت هذه القوى في مشهد واحد، شرع كل منهم في "ركوب الآخر" وتخطي رقاب الجميع، ليكون هو وحده في الصدارة وعلى المنصات أمام كاميرات "الدعاية الفضائية".

هذه النزعة المظهرية لا زالت موجودة وبقوة حتى الآن، ولقد لاحظت بنفسي حضورها وتجلياتها بشكل واضح في "حركة كفاية"، ولقد أفضى بعض قياداتها لي شخصيا بهذا الصراع، واشتكى لي إسلاميون من أن "يسار الناصريين" يحاولون اختطاف الحركة، و قال آخرون إن "إسلامي حزب العمل" يبحثون عن تأسيس حركة جديدة بديلة، بعد أن اختطف "كفاية" اليساريون والنصارى!!

بل إن البعض أسر لي أنه قرر عدم المشاركة في فعاليات "كفاية"، لأنها اختطفت بالفعل من قبل الأقباط!!، وهو قرار غريب غير مدرك أبعاد التطورات الخطيرة التي ألمت بمكونات المجتمع المصري و علاقته بمفهوم الإنتماء لـ"الدولة". والذي كشف عنه الصدام بين الكنيسة والسلطة على خلفية إسلام زوجة قسس مصري تم تسليمها للكنيسة وإكراهها على التراجع عن دينها الذي اعتنقته عن رضى بدون إكراه.

والمثير للدهشة هنا هو أن موقف الأقباط من كفاية هو ذات موقفهم من المشاركة في الأحزاب السياسية القائمة، إذ لم نشاهد في الحركة إلا وجهين ثابتين في العمل العام في مصر وهما "جورج إسحاق" و"أمين اسكندر"، الأول ناشط سياسي وعضو اللجنة التنفيذية بحزب العمل الإسلامي والثاني نشاط ناصري، خرج مؤخرا من الحزب العربي الناصري بعد خلافات مع رئيسه ضياء الدين دأود. فيما غابت وجوه كثيرة عن المشاركة، كانت نشطة في مرحلة ما قبل تصاعد المعارضة لحكم الرئيس مبارك، مثل د. رفيق حبيب والصديق العزيز هاني لبيب.

والملاحظ هنا عزوف الأقباط عن المشاركة، في أي نشاط سياسي وطني، يجري تحت حضانة الجماعة الوطنية المصرية، فيما تنامى التفاف الأقباط بما فيهم المثقفون الأقباط حول الكنيسة بديلا عن الدولة، وحول البابا شنودة كـ"رئيس" للأقباط يدين له الجميع حتى العلمانيون منهم بالولاء والطاعة، بديلا للرئيس الرسمي للبلاد!

كان هذا التحول يجري في الخفاء وبالتدرج من غير أن يشعر به الرأي العام في مصر، حتى أُكتشف فجأة مع أول اختبار حقيقي، لمفهومي الانتماء والمواطنة عند الأقباط، في الحوادث التي صاحبت إسلام وفاء قسطنطين.

اكتشف الجميع هنا أن عزوف الأقباط عن المشاركة السياسية من خلال الأطر والمؤسسات الوطنية، أحالهم بالتبعية إلى الإستسلام لـ"المشروع الطائفي" للكنيسة المصرية في عهد البابا شنودة .

ومن ثم فإن غياب الحضور القبطي عن فعاليات كفاية وغيرها من مظاهر التعبيرات السياسية الوطنية الأخرى، مؤشر بالغ الخطورة، يعني أن الكنيسة لا زالت هي مناط الولاء والبراء عند نصارى مصر وليست الدولة أو المجتمع المدني المصري. ومع ذلك نرى ونسمع أن بعض الإسلاميين غاضبون من وجود "إثنين" من الأقباط في حركة كفاية، فيما كنا نتمنى أن ينخرط فيها وفي غيرها من الأحزاب السياسية الأخرى العشرات منهم، بدلا من الارتماء في محاضن الطائفية البغيضة، والتي أفرزت اتجاهات جديدة لا تتسم فقط بجرأتها على تحدي الولاية القانونية والدستورية للدولة على كل مؤسساتها بما فيها الدينية، وإنما بتنامي ظواهر أخرى "خطرة" لا نريد الإفصاح عنها في هذا السياق.

أعتقد وبتأملي لتداعي الأحداث عقب مظاهرات الإخوان الأخيرة، أن معيار الوزن السياسي وحده لم يعد المرجعية الوحيدة في تقدير واحترام الآخر المخالف سياسيا، فإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين تملك الوزن الجماهيري، فإن القوى الأخرى الأقل قدرة على الحشد والتأثير في الشارع، تملك "النخبة" التي لها أوزانها الاعتبارية داخل مصر وخارجها، ولا يستطيع النظام تحمل سداد فاتورة وتكلفة إيذائها وقمعها وتحجيمها، ومن ثم فإن حضورها ولو كان من قبيل التعاطف والتأييد والدفاع، هو قيمة كبيرة في سياق إحراج السلطة وكف أذاها عن الجماعة. فالأخيرة تحتاج إلى "النخبة" لهذا السبب، والثانية -بل الجميع بما فيها السلطة- تحتاج إلى الجماهير في اللحظات الأخيرة وساعة الحسم. نأمل أن تكون مظاهرات الإخوان السلمية الجريئة والقوية والجسورة، هي مرحلة المراجعة واكتشاف قيمة وميزة وحيوية الآخر المخالف أيديولوجيا والمشارك في ذات الهم الوطني العام.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر