القوات العراقية: الثغرة في الإستراتيجية الأمنيّة الأمريكية؟

2005-5-9 | القوات العراقية: الثغرة في الإستراتيجية الأمنيّة الأمريكية؟

يحتل تدريب قوات الأمن العراقية محورا مركزيا في استراتيجية الرئيس جورج بوش في العراق. و في حدود ما يمكن الكشف عنه من سجلات ذلك التدريب وسط خليط التقارير المتضاربة, فانّ التسلسل الأمني لأحداث الأشهر الثماني عشر الماضية يثير شكوكا خطيرة بشأن الأمل في نجاح هذه الاستراتيجية. إذ تظهر تصورات البنتاغون أنه لم يتم إحراز أي تقدم في السنة الماضية، و ليس هذا فقط بل إن الهوّة بين العدد الاجمالي لقوات الامن العراقية، والعدد المطلوب أن يكون تُشكِّل ضعف حجم الهوّة التي تحدّثت عنها تقارير سابقة قبل أربعة عشر شهرا.

هذا وأفادت التقارير أن العدد الاجمالي لقوّات الأمن قد زاد إلى ضعف ما كان عليه الأمر في الأشهر الثلاث للفترة الممتدة بين تشرين أوّل 2003 وكانون ثاني 2004. وقد ذكر وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في حديث له مع قناة سي ان ان الاخبارية في آذار 24: "إننا نحقّق تقدما جيدا جدا"، و أضاف "لدينا ما يصل إلى أكثر من 200 ألفا من العراقيين الذين تمّ تدريبهم و تجهيزهم". لكن ما لم يشر إليه دونالد رامسفيلد هو أنّ 74 ألفا من أصل 200 ألف الذين ذكرهم كانوا أعضاء في "خدمة حماية المنشآت" -حرّاس أبنية لا تتجاوز مدّة تدريبهم أسبوعا واحدا- ، وأن من بين ضبّاط الشرطة العراقيين البالغ عددهم 75 ألفا من ضمن العدد الاجمال الكلي الذي تمّ ذكره سابقا، هناك 60 ألفا لم يتلقوا تدريبا على الإطلاق، وأنه في ذلك الوقت لم يكن هناك سوى عدد تافه من الجنود المؤهلّين والمدرّبين كلّيا والذين بلغوا 2300 عنصرا فقط.

في تموز عام 2004 قدّم الرئيس السابق لشعبة تدريب قوات الأمن العراقية الجنرال بول ايتون تقويما متشائما إلى حد كبير جدا ، حيث اعترف قائلا: "الأمر لم يتم بشكل حسن"، وأضاف قائلا: "لقد انقضت سنة ونكاد لا نحقّق أي شيء". بعد هذه الفترة بقليل أخذت التقارير الرسمية تشير إلى هذا الواقع. ففي أيلول توقّف البنتاغون عن إصدار التقارير عن قوّات الأمن الغير مدرّبة وانخفض العدد الإجمالي لهذه القوات من 165 ألفا إلى أقل من 100 ألف . وفي ضمن فترة أسبوع إلى أسبوعين من التقارير انخفض العدد الإجمالي لهذه القوات بنسبة 40% ، بينما ارتفع العدد المطلوب للقوات في نفس الفترة تقريبا من 190 ألفا إلى أكثر من 270 ألفا.

الشكل رقم (1)

مجموع قوات الامن العراقية

باستثناء خدمة حماية المنشآت



لقد وجد الأمريكيون الذين حاولوا تعقب الأرقام (بمن فيهم أرفع الضباط العسكريين للبلاد) أنّهم مرتبكون في حالة التباس. ففي 4 ساعات من جلسة واحدة فقط في أوائل شباط 2005، قدّم رئيس هيئة اركان الحرب المشتركة ونائبه تقريرين مختلفين كلّيا عن عدد المقاتلين العراقيين الذين تلقّوا تدريبا و تجهيزا كاملا (48 ألفا – 74 ألفا) أي بفارق 20 ألف شخص. (هكذا ورد في النص الأجنبي مع أنّ الفرق سيكون 26 ألف- المترجم)


وتوضح الرسوم البيانية (2) و (3) (المستندة إلى أرقام رسمية تنشر أسبوعيا على موقع www.defendamerica.mil ، و هو الموقع الذي يتتبع العدد الحقيقي و المطلوب للشرطة العراقية و قوات الجيش العراقي) هذا الالتباس الذي تعزوه إلى تغيير القوات تغيّر لتسمياتها. فما كان يطلق عليه فصائل الدفاع المدني أصبح يسمى بالحرس الوطني، و في بعض الأحيان فإنّ الشرطة هي الشرطة فقط، في حين أنه في أحيان أخرى، فإن الشرطة تعني بالإضافة إلى قوات الشرطة العادية، قوات التدخل المدنية ووحدة الاستجابة للطوارئ وأحيانا تضم أيضا قوات الحرس الوطني وقوّات الوقاية والقوات الخاصّة و أحيانا لا تضّمها. هذا فيما تظهر و تختفي التصنيفات وفق الاستعداد دون توضيح او تفسير. في حين يتم التقسيم في المعطيات في مرحلة معيّنة الى 3 أقسام: غير المدربين, و المدربين جزئيا, و المؤهلين تمام فيما بعد و التي تختفي فيما بعد ليبقى التقسيم منحصرا على فئتي المدربين جزئيا و المدربين، فيما يطلق على القوّات الاخرى في بعض الاحيان اسم القوات العالمة ثمّ يطلق عليها اسم قوّات الخدمة و بعد ذلك قوات تحت الطلب و اخيرا القوات المدربة/تحت الطلب، وكلها مصطلحات ذات معاني مختلفة تؤدي الى الالتباس.


الشكل رقم (2)

حالة التدريب في الشرطة العراقية


و مع هذا فان الرسوم البيانية تكشف الغموض الذي لف الموضوع وتشير إلى أن تقدّما بسيطا فقط وذي قيمة قد تحقّق. فعلى سبيل المثال يظهر الرسم الخاص بقوة الشرطة العراقية خطّين أساسيين: الخط الاعلى "يمثل اجمالي الأرقام المذكورة في التقارير" ويعكس المعطيات التي تستخدم في عدد لا يحصى من خطب المسؤولين و نقاط الحديث كدليل على أنّ التدريب يمضي قدما. أما الخط الأسفل "يمثل عدد المدربين" و الضباط الذين تلقوا بالفعل قدرا من التدريب. وقد بقي هذا الخط ولمدّة أربعة عشر شهرا تقريبا قريبا جدا من الحد الأدنى .

وحتى أولئك الذين تلقوا تدريبا، فإنهم لم يتلقوا الكثير منه. إن العرف المتّبع في تدريب شرطة الأمم المتّحدة يبلغ على الأقل 12 أسبوعا. وبحسب تقرير صدر مؤخرا عن وزارة الخارجية الأمريكية، فإن ثلثي ضباط الشرطة العراقيين المدربين والبالغ عددهم 51 ألفا كانوا قد تلقوا تدريبا لمدّة ثلاث أسابيع فقط. بالإضافة إلى ذلك، وبغض النظر عن الحاجة الماسة إلى مزيد من الضباط المدربين، فإنّ نسبة تقل عن 15% من أصل مبلغ 1,9 مليار دولار تمّ تخصيصا لتدريب قوّات الشرطة للفترة ما بين تشرين أول 2003 وآخر عام 2004 ، قد صرفت بالفعل.

و تكشف الرسوم أنّ الكونغرس و الرأي العام يحتاجان بشدة إلى إجابات على عدد من الأسئلة مثل: ما مدى الصعوبة التي تنطوي عليه هذه المهمة، وما هي تكاليفها؟ لماذا سارت الأمور على هذا النحو السيء؟ ما هي الاحتياجات المطلوبة للتصرف على نحو مختلف؟ كم سيلزم من السنوات حقا للوصول إلى العدد الطلوب؟ لماذا يتمّ الانفاق ببطء على مثل هذه المهمة ذات الأولوية؟ هل القوات التي تسمى "مدربة" هي مدربة بالفعل بالمعنى الحقيق للكلمة؟ أم أن الرجال الذين يوضعون في الشوارع هم أولئك الذين من المرجح أن يفروا من الخدمة مع تجهيزاتهم الجديدة عند أول شعور بالخطر الحقيقي؟ ما هي معدلات الفرار من الخدمة من كل هذه القوى, و ما هي معدلات الاختراق من جانب المتمردين المناهضين للحكومة؟

و يبدو أن هناك اتّجاها واحدا ثابتا: فأعضاء الكونغرس من الحزبين ممن زاروا العراق في بعثة تقصي الوقائع، ذكروا في تقاريرهم أنّ قلّة ضئيلة فقط من التقديرات تتطابق مع ماتمّ ذكره في واشنطن. وقد عبّر عن ذلك السناتور مارك دايتون، وهو ديمقراطي من مينيسوتا، عندما تذمّر قائلا: "إنّه من المستحيل الحصول على إجابات موثوقة، ويمكن الاعتماد عليها من الجيش أو الإدارة الأمريكية" في اجتماع سري مع مسؤوليين رفيعين في البنتاغون.

الشكل رقم (3)

حالة التدريب في الجيش العراقي



هذا فيما ردّ رامسفيلد من الدفاع بقوله "من الخطأ الفادح أن نقول إنّ هناك أي احد يضلل أي أحد آخر"، و بينما قد يكون ذلك صحيحا، فقد أضاف الوزير "الأرقام هي مجرد أرقام، أمّا القدرات و الإكانيات لتنفيذ الأمور فهي شيء آخر يختلف عن ذاك". لكنّ رامسفيلد لا يمكنه أن يكون صادقا في كلتا الحالتين، فإما أن تكون الأرقام التي يذكرها هو والرئيس كدليل على التقدم تعني شيئا ، وإمّا أن هذه الأرقام لا تعني شيئا. فإذا كانت لا تعني شيئا على الإطلاق على النحو الذي توحي به بصورة متزايدة الأعداد و التقديرات المتناقضة، فعندها يجب علينا التشكيك في الحقائق التي تستند إليها الإستراتيجية الأمنية الأمريكية في العراق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر