المسيحيون الليبراليون والتقدميون ضد المحافظين!

2005-5-6 | محمد سليمان المسيحيون الليبراليون والتقدميون ضد المحافظين!

شهدت السنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا لدور الدين في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية الأميركية، وحظيت توجهات إدارة بوش بالجدل السياسي والإعلامي الأكبر. وكان هناك الكثير من الدراسات والأبحاث حول المحافظين الجدد وتوجهاتهم الدينية والخلط بين الأهداف السياسية والمعتقدات الدينية المرتبطة بنهاية الكون وعودة المسيح..الخ.

كما تشير العديد من التحليلات والمقالات السياسية إلى دور "كارل روف" منسق الحملة الانتخابية للرئيس بوش في الزج بالكنائس ورجال الدين في الانتخابات. وإقحام المسائل الدينية والأخلاقية في هذا المجال، واستثمار عاطفة الناس الدينية في تحقيق انتصار بوش على كيري.

في المقابل انعكس تزايد دور العامل الديني -في السياسة الأميركية- على إدراك شريحة كبيرة من النخب السياسية والرأي العام في العالم العربي والإسلامي، إذ أخذ العديد ينظر إلى التوجه الجديد، وما ارتبط به من عودة الروح الدينية إلى السياسة الأميركية من خلال منظور الحرب الدينية واستدعاء مفهوم "الحروب الصليبية"، وقد صدرت العديد من الكتب والدراسات التي لا ترى في السياسة الخارجية الأميركية سوى انعكاس للروح الدينية واستهداف العالم الإسلامي أو الإسلام بشكل عام.

لكن السؤال الذي يطرح في هذا السياق هو: إلى أي مدى يعكس الخلط بين المفاهيم الدينية والسياسية ورؤى المحافظين الجدد المدعومين من "الإنجيليين الأصوليين" إجماعا في التوجهات الدينية\\ السياسية في الولايات المتحدة؟ أو حالة من التوافق على هذه الرؤى داخل الكنائس المسيحية هناك؟..

الجواب على هذا السؤال يقدمه الراهب البروتستانتي الليبرالي الأميركي جيم بيركلو؛ إذ يرى أن حالة الاستقطاب في المجتمع الأميركي الملحوظة في الآونة الأخيرة لا تقف عند حدود السياسة؛ إنما أصبحت ملحوظة في الجانب الديني، فقد أدت سياسات المحافظين الجدد وتحالفهم مع الكنيسة المحافظة إلى ردة فعل في أوساط دينية أميركية وبشكل خاص بروتستانتية، فقاموا بتشكيل حركة دينية نشيطة ضد بوش والمحافظين، حيث ظهرت هذه الحركة بوضوح شديد في "تجمع الكنائس الليبرالية البروتستانتية" وفي ما يعرف بمركز المسيحيين التقدميين. وعلى الرغم من اعتراف بيركلو أن حركته تمثل الأقلية المسيحية وليس الأكثرية، لكنه يعيد الفضل إلى بوش في توحيد الكنائس والقوى الدينية المعارضة ضد سياساته ورؤاه الدينية والسياسية.

هناك العديد من نقاط الخلاف الكبيرة بين المسيحيين التقدميين والليبراليين وبين المسيحيين المحافظين، وتمتد نقاط الخلاف من الجوانب الدينية المرتبطة بالعقائد إلى المواقف السياسية والثقافية والسياسات الاجتماعية وتعريف القضايا الخلقية. أما على صعيد السياسة الداخلية، فتعكس المسيحية الليبرالية إلى حد كبير مواقف الحزب الديمقراطي بينما يتحالف الجمهوريون مع المسيحية المحافظة، وقد شكلت قضية زواج المثليين والإجهاض أحد أهم مسائل الاختلاف؛ إذ أيد الليبراليون الإجهاض وحقوق المثليين بينما عارضها المحافظون وجندوا وحشدوا المجتمع الأميركي ضدها. كما يختلف الجانبان في تحديد دور الدين في السياسة الخارجية، إذ يرفض الليبراليون الربط بين سفر الرؤية وبين نهاية التاريخ وسؤال التحالف بين الصهيونية والمسيحية الأصولية، بما في ذلك اعتقاد الإنجيليين الأصوليين أن المسيح لن يعود قبل القيام بأعمال تاريخية ووقوع أحداث سياسية بما في ذلك إعادة بناء هيكل سليمان.

ويشير جيم بيركلو إلى رواية left Behind، والتي طبعت على مستوى واسع وأخذت شهرة شعبية كبيرة على الرغم من ضعفها الفني والأدبي، لكنها تعكس إلى درجة كبيرة رؤية المسيحيين المحافظين للسياسة ولنهاية العالم. ومن المناظرات الأخيرة بين المحافظين والليبراليين المناظرة المرتبطة بـFilibuster وهو حق مكفول في السياسة الأميركية لحزب الأقلية بالاعتراض على تعيين الرئيس للقضاة والمناصب العليا. إذ انتقد واعترض الديمقراطيون في الكونغرس على تسمية الرئيس بوش لقضاة محافظين لرئاسة المناصب القضائية، وأثار اعتراض الديمقراطيين ومحاولتهم تعطيل قرار بوش حفيظة القوى الدينية المحافظة، فنظمت فعاليات ضد الديمقراطيين ووصف بعض قادتهم من يؤيد الـ Filibuster بعدم الإيمان. في المقابل نظم الليبراليون مسيرة تؤيد الديمقراطيين وتعارض تعيين هؤلاء القضاة.

وإذا كان المسيحيون الليبراليون والتقدميون ما يزالون أقلية داخل الكنائس الاميركية، إلا أنهم قد نشطوا كثيرا في الفترة الأخيرة، وبدأوا يتوحدون ويعبرون عن أرائهم في المنتديات والكتب ومواقع الانترنت، وتزايد دورهم في التواصل مع الناس وتنظيم حالة المعارضة الدينية لسياسة بوش والمحافظين الجدد والكنائس المحافظة، ومن الواضح تماما أنهم يمثلون اتجاها دينيا سياسيا مقابلا للمحافظين الجدد في صعود متواصل. ويعكسون من ناحية أخرى حالة من الاستقطاب الديني الشديد في المجتمع الأميركي مواز تماما لحالة الاستقطاب السياسي والثقافي، الأمر الذي يعزز بشكل كبير حالة الانقسام والاختلاف الداخلي التي خلقها المحافظون الجدد داخل مختلف شرائح المجتمع الأميركي ومؤسساته.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

هشام عبدالرحمن

جزى الله الاستاذ محمد سليمان خيرا على اثارة هذا الموضوع ، الا اننى ارى ان الحراك الدينوسياسي (ديني/سياسي) في اميركا يجب ان ننظر له نحن معاشر المسلمين نظرة مختلفة تماما.

فاليمين الصهيوني المسيحي في الولايات المتحدة سيظل و لفترة طويلة هو المتحكم في السياسات الامريكية تجاه العالم الاسلامي و ذلك لعده اسباب:

اولى هذه الاسباب هو الحالة السياسية الراهنة في الولايات المتحدة ، فالحزب الجمهوري سيظل و لفترة غير قصيرة متحكما في غرفتي الكونجرس الامريكي ، فاتجاهات الناخب الامريكي الحالية و الاغلبية العددية داخل غرفتي الكونجرس تضمن للحزب الجمهوري اغلبية مريحة لسنوات قادمة ( اغلبية 55 مقابل 44 في غرفة الشيوخ و 232 مقابل 202 في غرفة النواب).
ثاني هذه الاسباب انه حتى و ان تم تهميش اليمين المسيحي المتحالف مع الصهيونية من خلال الانتخابات و لم تعد لهم الغلبة على الساحة السياسية الا انهم سيظلوا ، حتى فهذه الحالة ، المحركين للسياسة الخارجية الامريكية تجاه العالم الاسلامي ، ذلك انهم الوحيدون على الساحة الداخلية المهتمين بمسائل العالم الاسلامي مما يجعلهم ليس فقط الخبراء بل يجعلهم في موضع المساومة مع غيرهم على الساحة السياسية في مجال السياسة الخارجية و غيرهم – الليبراليون في هذه الحالة – لا يهمهم في كثير او قليل ما يحدث خارج الحدود. اضرب هنا مثالا بالانتخابات البريطانية ، فالناخب البريطاني العادي لم يهتم بما يحدث في العراق حين الادلاء بصوته ، الناخب البريطاني انتخب حزب العمال (الليبرالي) ليس لسياسته خارج الحدود و لكن للسياسات الاقتصادية و مجمل انجازاتهم الداخلية على الرغم من معارضة اغلبهم للتدخل البريطاني في العراق. فيستطيع بليرـ مثلا ـ ان يضمن تصويت الاقلية المؤيدة ـ على اساس ديني - للتدخل في العراق ، في حين يضمن تصويت الليبراليون و المواطن العادي لسياساته الداخلية.
اردت ان افصل الحديث في هذا الموضوع لتوضيح ان اىّ تغيير في السياسة الخارجية في الولايات المتحدة لن يحدث تلقائيا نتيجة غلبة الليبراليون على المتطرفون في دهاليز الكنائس الامريكية ، بل الامر سيظل دوما كما كان رهن بحركة المسلمين في بلادهم و مهاجرهم دفاعا عن حقوقهم.