تفجيرات مصر.. أكثر من تساؤل؟!

2005-5-2 | طارق ديلواني تفجيرات مصر.. أكثر من تساؤل؟!

لا يمكن فهم سياق التفجيرات والهجمات التي تشهدها مصر إلا على أساس أن ثمة أياد خفية تحاول تحريك المياه المصرية الراكدة وركوب موجة الأحداث المتسارعة في البلاد لإحداث أو فرض تغيير ما أو ربما للتغطية على شيء ما. كما لا يمكن قراءة الحدث المصري بمعزل عن تسلسل الأحداث في سوريا ولبنان ..القاسم المشترك هنا هو وجود حركات الرفض الشعبي للأنظمة القائمة..

أغلب وسائل الإعلام وكعادتها سلمت بحقيقة أن التفجيرات والهجمات في مصر هي تعبير عن الإرهاب الذي عاد ليطل برأسه مجددا، وراحت تقارير وتحليلات تسهب في الحديث عن جيل ثالث من "الإرهابيين" في مصر وعن الطابع "النسائي" لهجمات إرهابية للمرة الأولى.

محاولة التشويه الإعلامي للإسلاميين وفرض حضورهم في الأحداث بقوة كانت بادية تماما من خلال تعمد الحديث عن تنفيذ أحد الهجومين من قبل فتاتين منقبتين!!

فيما انبرى المراقبون المعنيون بالحركات الإسلامية المسلحة إلى الإشارة أنه منذ اندلاع أعمال العنف في مصر في عقد الثمانينيات من القرن الماضي وتصاعدها في عقد التسعينيات إلى أن توقفت في العام 1997، ظلت المشاركة النسائية في إطار تلك الأعمال محصورة في إيواء ناشطين فارين من التنظيمات المسلحة كالجماعة الإسلامية والجهاد أو نقل معلومات أو تكليفات من شخص إلى آخر، خاصة المعتقلين في السجون المصرية.

بل إن البعض أسهب في الحديث عن الدور النسوي في العنف و"الإرهاب" ليتطرق إلى مشاركة العنصر النسائي على مدى العقود الماضية في العمليات الفدائية التي نفذتها فتيات في فلسطين وجنوب لبنان.

في حين أن آخرين توصلوا إلى استنتاج سابق لأوانه مفاده أن العملية النسائية التي شهدتها القاهرة جاءت على "الطريقة الشيشانية".

والحقيقة أن كل هذا الكلام محاولة لإقحام الجماعات الإسلامية المصرية التي أسقطت خيار العنف من حساباتها وصولا باعتقادي إلى محاولة توريط تيار إسلامي بعينه وهو تيار "الإخوان" الذي يعد أحد الأركان الأساسية غير المباشرة لحركة "كفاية" الرافضة لاستمرار حكم مبارك للمصريين، وإن كان الإخوان يعملون بشكل منفرد بل ويغازلون السلطات المصرية أحيانا على هذا الصعيد ..

تعليقات الصحف الحكومية المصرية أرجعت سلسلة التفجيرات التي شهدتها القاهرة وتفجيرات طابا التي سبقتها بأشهر إلى حالة الاحتقان الإقليمية الناجمة عن الاحتلال الأمريكي للعراق والإسرائيلي لفلسطين، خاصة أن كل هذه التفجيرات كانت تستهدف أجانب. فيما اعتبرت أخرى هذه الهجمات.. حافزا للإصلاح وتبني المزيد من الخطوات الإصلاحية.

ورغم أنني لا أتفق مع بعض المحللين الذين يقولون بأن هذه الحوادث تنبئ كلها عن عودة العمليات الإرهابية إلى مصر في شكل جديد يصعب معه معرفة هوية منفذيه وأهدافهم الحقيقية. إلا أن الملفت هو شكل هذه الهجمات وطابعها "الانتحاري"، وهو نمط جديد لم تعرفه مصر من قبل، ربما مرده لو صحت التكهنات هو خروج جيل من الشباب المصري المحبط اليائس الغاضب والسبب أمران:


الأول هو حالة الفوضى الإقليمية، والثاني مشاعر الكراهية ضد الأجانب عموما والأمريكان خصوصا منذ الغزو الأمريكي للعراق.

الفرصة جد مواتية للنظام المصري الآن لإسكات حركة كفاية وصوت الرفض الشعبي عموما، باعتبار أن لا صوت يعلو فوق صوت الأمن المستباح في شوارع القاهرة، بحيث يصعب الحديث الآن عن إلغاء قانون الطوارئ أو السماح للتظاهرات العلنية أو الاستمرار في خطوات إصلاحية كبيرة. وإذا ما سلمنا جدلا بأن ما يحدث هو من عمل تنظيمات، فإنه من الضروري الإشارة إلى أن هذه المجموعات صغيرة محدودة وضعيفة وقليلة الأعضاء وغير منظمة، مرتبكة ومتخبطة وعفوية في تحركها ورد فعلها.

فالجماعات الإسلامية المصرية أعلنت مبادرة وقف العنف عام 1997 وتعاونت مع الحكومة المصرية وهي مكشوفة أمنيا وضعيفة، فهي إذا مستبعدة لأنها ما عادت تؤمن فقط بعدم جدوى العنف، ولكنها أيضا أعلنت هذا في كتب المراجعات التي أصدرها قادتها في السجون، فضلا عن أن هذه التنظيمات فقدت قدرتها الفعلية وانتقل بعضها خارج مصر مثل جماعة الظواهري التي تحالفت مع القاعدة، الأمر إذا عمل فردي ليس أكثر من مجرد امتداد للعمليات التي وقعت بسبب غزو العراق. واللافت أن موجة التفجيرات الأخيرة التي تطال العالم العربي منذ سنوات كلها تأتي كرد فعل مباشر للتسلط الأمريكي في المنطقة.

وبحسب أحد المحللين، فإن اللافت أكثر أن هذه العمليات أصبحت "ذات طابع إقليمي" لا محلي، وليست موجهة ضد أنظمة الحكم بشكل أساسي وإنما هي رد على السياسات الأمريكية.

وأما ما يحدث على الساحة المصرية وما سيحدث لاحقا، فليس أمام النظام المصري إلا تبني خيار الإصلاح، فقد أثبت خيار العنف والقوة فشله في السابق خاصة وأنه، أي "النظام المصري"، الآن بين مطرقة الأمن وسندان الإصلاح.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر