البنتاغون 'يتخبط' في العراق!

2005-5-1 | البنتاغون 'يتخبط' في العراق!


تفاقمت الأزمة التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق بسبب عجز قواتها المسلحة عن التصدي لأعمال المقاومة والحد من أعمال العنف والفوضى التي تشهدها البلاد، واضطر البنتاجون للعمل على زيادة عدد المجندين بالقوات المسلحة الأمريكية بنحو 3 ألف جندي، وإقرار العديد من الحوافز والامتيازات للجنود، فضلاً عن اعتماده المتزايد على قوات الاحتياط والجنود المرتزقة، الذين يفتقرون إلى المهارات القتالية العالية، وأصبحت قوات الاحتلال تدرك أنها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الانتصار على المقاومة العراقية وتحقيق الاستقرار الأمني في العراق، أو الانسحاب في أقرب وقت ممكن، وترك المسئولية الأمنية للقوات العراقية.

إن ما تتعرض له القوات الأمريكية على يد المقاومة العراقية من هزائم متوالية يشكل ضربة قاصمة، ليس فقط للمشروع الأمريكي في العراق، بل وللسياسة الأمريكية العالمية أيضاً. فهدف السّيطرة الأمريكيّة الأحاديّة على العالم يعتمد بدرجة كبيرة على واقع قوتها العسكريّة وصورتها لدى دول وشعوب العالم، والتي تأثرت سلباً بما تواجهه من تحديات في العراق.

لقد اضطرت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" إلى تهريب الجنود الأمريكيين المصابين من العراق إلى الولايات المتحدة تحت جنح الظلام، لتلافي التغطية الإعلامية السلبية التي قد تؤدي إليها إعادة الجنود المصابين علنا، لأن ذلك سيسلط الضوء على الخسائر البشرية في صفوف الجنود الأمريكيين الذين يُقتلون في العراق، على الرغم مما أعلنه بعض المسئولين الأمريكيين من أن ذلك يرجع لضغوط ناجمة عن كثافة الرحلات الجوية، وليس تكتيكا متعمدا للتقليل من حجم التغطية الإعلامية التي قد تسيء إلى الجهد العسكري الأمريكي في العراق.

ومما يزيد من حدة المأزق الأمريكي أن أكثر من 4% من القوات الأمريكية المتمركزة في العراق والتي يبلغ قوامها 15 ألف جندي، هم من عناصر الحرس الوطني والجيش الاحتياطي. وإلى جانب أن هذه القوات ليست على المستوى القتالي المطلوب، فإن نسبة كبيرة منهم ترفض الاستمرار بالخدمة الإضافية عندما تنتهي خدمتهم الإجبارية، لاسيما مع تفاقم حالة الفوضى الأمنية في العراق. وهو ما يعوق قدرة الولايات المتحدة على استبقاء القدر الكافي من القوات الأمريكية للحفاظ على الاستقرار الأمني، خاصة مع تزايد عدد الضحايا الأمريكيين جراء أعمال العنف والتفجيرات التي تشهدها الساحة العراقية يومياً، والتي أصبحت معها الأوضاع خارج نطاق السيطرة.

إن ما واجهته الولايات المتحدة من انتكاسات خلال عامين من الاحتلال العراقي، لم يكن ليخطر على بال أحد من مسئولي إدارة بوش، الذين كانوا واثقين من أن القوات الأمريكية قادرة على إزاحة نظام صدام حسين بسهولة، ليصبح الطريق ممهداً لقيام نظام ديمقراطي موالي لهم. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد توقعت -حسب ما نشرته الواشنطن بوست- انخفاض القوات الأمريكيّة في العراق وأفغانستان من نحو 2 ألف جندي في وقت الغزو إلى حوالي 125ألف بحلول سبتمبر 23، ثم إلى 5 ألف بعد ستّة أشهر، إلى أن يصل حجم القوات الأمريكية -بخلاف القوات اللازمة لحماية القواعد الدائمة- إلى ما يقترب من الصفر بنهاية عام 24.

وبالتأكيد، فإن تقديرات البنتاجون ثبت أنها كانت خاطئة، خاصة بعد تصاعد أعمال المقاومة العراقية منذ صيف عام 23، رداً على الممارسات الوحشية لقوات الاحتلال وما قامت به من تدمير بالغ للقرى والمدن والأحياء السكنية. وفي مطلع عام 24 أصبح عدد القوات الأمريكية في العراق نحو 15 ألف جندي، وهو ضعف العدد الذي توقعه البنتاجون، وذلك بخلاف قوات المرتزقة والقوات التابعة لشركات الأمن الخاصة والمستأجرة من جانب البنتاجون للقيام بمهام أمنية في العراق، والتي تزايد الاعتماد عليها بصورة كبيرة في العراق وأفغانستان، على نحو كشف عمق الأزمة التي تواجهها القوات الأمريكية، والتي دفعت البنتاجون إلى اتخاذ قرار بزيادة حجم القوات الأمريكية العاملة لمواجهة ما تتعرض له الولايات المتحدة من تهديدات في الخارج.

وقد بذل مسئولو وزارة الدفاع الأمريكية جهوداً كبيرة خلال الشهور الماضية لزيادة عدد الجنود المرشحين للخدمة، من خلال زيادة المكافآت والحوافز الممنوحة لهم، وممارسة العديد من الضغوط على المجندين العاملين لمنعهم من ترك الخدمة، إضافة إلى استدعاء أكثر من 55 جندي من قوات الاحتياط الفردي، وهم الجنود الذين أتموا خدمتهم الاحتياطية ولم يعد لديهم أي استعداد للعودة للخدمة مجدداً، وكما تشير التقارير، فإن أكثر من ثلث هؤلاء يرفضون العودة للخدمة مرة أخرى رغم إغرائهم بالعديد من الحوافز والامتيازات.

وعلى الجانب الآخر، فقد ثبت عدم صحة تقارير إدارة بوش التي ادعت، منذ قرابة عام، وجود 26 ألف جندي عراقي مدربون جيداً، سيجري احلالهم محلّ القوّات الأمريكيّة، فمن ناحية، كان أداء هذه القوات متدنياً للغاية في المعارك الكبيرة في كل من الفالوجة والنجف ومدينة الصدر، فقليل من هذه القوات شارك بفعالية في أعمال القتال بالاستعانة بالأسلحة والمعدات الأمريكية، أما الباقون فهم إما رفضوا دخول هذه المعارك، أو لاذوا بالفرار عندما اشتد وطيسها.وبحلول خريف عام 24، وبينما كانت الولايات المتحدة تدعي وجود 135 ألف جندي عراقي مدربين وجاهزين لتحمل المسئولية، فإن مسئولاً عسكرياً أمريكياً أخبر مراسل النيويورك تايمز "جون بيرنز" أن عدد القوات العراقية المدربة لا يتعدى 15 جندي، وهذا ما ظهر بوضوح في المعركة الثّانية للفالوجة, عندما اضطرت القوات الأمريكية للاستعانة بوحدات من الميليشيا الكرديّة للقتال معها ، بعدما واجه الجيش الأمريكي العديد من حالات التمرد والهروب من جانب العراقيين الذين تم تدريبهم على يد القوات الأمريكية.

وخلال الشهر الماضي ادعت الولايات المتحدة أن نحو 145 ألف جندي عراقي جاهزون لتحمل المسئولية الأمنية بدلاً من القوات الأمريكية، وهو الادعاء الذي فنده المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية في حديثه لمراسل الديلي تليجراف البريطانية "لاجارديا أنتون" عندما أشار إلى أن عدد هذه القوات لا يزيد عن 5 ألفاً بحال من الأحوال، والباقي مجرد "أشباح" تتلقى رواتب من دون وجود فعلي. وكثير من هؤلاء هم من بقايا الحرس الوطني القديم، الذين تلقوا قدراً محدوداً من التدريب ولا يمكن الاعتماد عليهم.

ويبدو أن الخيار الذي يلقى قبولاً من جانب قطاع كبير من الرأي العام الأمريكي وهو خيار الانسحاب، مازال مرفوضاً من غالبية إدارة بوش. وطبقًا لـ "زبيجنيو برزيزينسكي" مستشار الأمن القوميّ الأمريكيّ السّابق، فإن تجنّب هذا الخيار سيتطلّب إجراء زيادة كبيرة في عدد القوات الأمريكية، قد تصل إلى 5 ألف جندي، إضافة إلى اعتمادات إضافية تصل إلى 5 بليون دولار.

وبطبيعة الحال فإن الأزمة التي تواجهها الولايات المتحدة نتيجة العجز في عدد القوات العاملة في العراق، يمكن أن تدفع باتجاه الاستعمال المتزايد للقوات الجوّيّة الأمريكيّة ضدّ معاقل المقاومة، وهو ما سيترتب عليه زيادة معدلات سقوط الضحايا المدنيّين، بالإضافة إلى تدمير البيوت والمناطق حيثما تكون المقاومة قويّةً، وهذا ما سيؤدي بدوره إلى زيادة حجم الدعم الشعبي للمقاتلين، في مقابل تزايد الضغوط على القوات الأمريكية وتفاقم الأزمة التي تعانيها في العراق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر