آخر الأخبار

شهر الانفجارات في القاهرة: على من تقع المسؤولية؟!

2005-5-1 | محمود سلطان شهر الانفجارات في القاهرة: على من تقع المسؤولية؟!

بعد أقل من شهر على انفجار الأزهر في السابع من شهر إبريل الجاري الذي أودى بحياة مصريين وسياح أجانب، هز قلب القاهرة ثلاث انفجارات ظهر اليوم السبت 3/4/25، في ميدان عبد المنعم رياض بالتحرير، ميدان السيدة عائشة، وفي مصر القديمة. في واحدة من أسوأ أعمال العنف التي شهدتها مصر منذ ما يقرب من سبع سنوات.

أعادت الانفجارات الثلاث من الجديد طرح الأسئلة التي أثيرت عقب انفجار الأزهر ليل الخميس 7/4 ومن له المصلحة في إثارة اضطرابات أمنية في هذا الوقت بالذات وفي عام الانتخابات التشريعية والرئاسية، والتي يتقدمها احتقان سياسي وأزمات اجتماعية واقتصادية خانقة، أفرزت ما يعرف بـ"الكتلة السياسية الثالثة" -غير محسوبة لا على النظام السياسي الحاكم ولا على الأحزاب السياسية القائمة- تتبنى الفكرة الشبيهة بنظرية القيادي الجهادي الراحل "عصام القمري" القائلة بضرورة "كنس السلم من أعلى"، في إشارة إلى أن الاصلاح لم يعد مجرد تعديل مادة أو مادتين في الدستور أو تخفيف القيود المفروضة على ممارسة الحقوق السياسية، وإنما وفق رؤية هذه الكتلة الجديدة، بتغيير شامل يبدأ برأس النظام وينتهي بقاعدته المشكلة من القوى والأجنحة والفصائل المستفيدة منه.

قد يعتقد البعض أن شهر الانفجارات جاء على "هوى الحكومة" أو "هدية" سقطت عليها من حيث لا تحتسب، قد تنقذها من استحقاقات "كابوس الإصلاح" الذي ما انفك يغادر ليلها ونهارها مصحوبا بضغوطات داخلية وأخرى خارجية.

قد تبدو الأمور للوهلة الأولى على هذا النحو، وهو الانطباع الذي خلف شكوكا تحدثت عنها الصحف المصرية المحلية، حول صدقية الرواية الرسمية لحادث الأزهر، حتى إن صحيفة الدستور المستقلة في عددها 2/4/25، نشرت في صدر صفحتها الأولى تعليقا على الرواية الرسمية بعنوان تهكمي ساخر قائلة :"بيان الداخلية: سمك ولبن وتمر هندي"، غير أن تتبع التعليقات الأولية من قبل الخبراء المتخصصين في شؤون الحركات الإسلامية، وأساتذة العلوم السياسية في الجامعات المصرية، رغم أنها وضعت الحدث في سياقه الإقليميى مع شقيقاته في قطر والسعودية والكويت والعراق، باعتباره رد فعل على الجرائم الأمريكية وحليفتها الإسرائيلية في المنطقة، إلا أنهم ربطوا الحدث أيضا بحالة الاحتقان السياسي في مصر، خاصة وأن منفذي العملية ينتمون إلى الجيل الذي ولد في حضانة الفقر والبطالة وإغلاق قنوات التعبير السياسي بـ"الضبة والمفتاح"، فضلا عن ترك كل الملفات التي تخص المستقبل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والوظيفي للمصريين في يد "أجهزة الأمن"، وهو تفسير يجعل الحدث في حد ذاته "عبئا" على النظام وليس "منحة" من السماء.

ستوجد بالتأكيد أصوات من مصلحتها تعليق الحدث على المشجب العراقي والفلسطيني وحسب، وتحييد التطورات المصرية الداخلية إزائه، في منحى يستهدف تبرئة النظام السياسي المصري من استفزاز مواطنيه واستغضابه، بجموده وتسويفه ومماطلته في رفع وصايته الأبوية القمعيه على المجتمع المصري.

لم يعد السؤال الآن المطروح هو: من وراء هذه الأحداث؟! ولكنه بات يسأل عن دور الدولة في حماية المشاعر الجمعية من استفزازات السلطة لها: فعشية الانفجارات كانت الدولة، تلتف على مطالب القضاة في إقرار قانون السلطة القضائية الجديد، والذي يطالب القضاة بإقراره قبل الانتخابات الرئاسية التشريعية القادمة، والذي يتيح للقضاة الإشراف على الإنتخابات من ألفها إلى يائها، للحيلولة دون تزوير وتزييف إرادة الناخبين. وهي محطة من سلسلة طويلة من المحطات الاستفزازية التي تثير حنق الرأي العام واستيائه. وفي هذا السياق أيضا وعشية التفجيرات تم الكشف وعلى لسان وزير الزراعة الحالي عن أن وزارته في عهد وزيرها السابق يوسف والي، أدخلت خمس أنواع من المبيدات المسرطنة إلى البلاد، فيما لم تتحرك الدولة لإحالة الوزير إلى القضاء، رغم طلب محكمة الجنايات في وقت سابق من النيابة العامة التحقيق مع والي بشأن مسؤوليته في استيراد مبيدات اسرائيلية مسرطنة والتي كشفت عنها محاكمات "ذراعه الايمن" د.يوسف عبد الرحمن، وفي ذات الوقت قضت إحدى المحاكم بحبس ثلاث صحافيين، بتهمة سب وقذف وزير اتهمته صحف عدة بـ"الفساد"، فيما ظل الوزير بعيدا عن أية ملاحقات قضائية بشأن ما نسب إليه من فساد!!.

بالإضافة إلى أن التفجيرات الثلاث جاءت عقب نشر أول تقرير للمجلس القومي لحقوق الإنسان -وهو جهة حكومية- اعترف فيه بارتكاب أجهزة الأمن لتجاوزات مروعة ضد مواطنين كانوا قيد الاعتقال أو التحقيق. ويذكر هنا في هذا السياق أيضا وبحسب مصادر أمنية مصرية أن منفذ الانفجار في ميدان عبد المنعم رياض بالتحرير اليوم، هو أحد المطلوبين على خلفية الهجوم، الذي وقع في 7/4 بمنطقة حي الأزهر، وأوضحت المصادر أن منفذ الانفجار، هو أيضاً ابن عم أحد المطلوبين على خلفية هجوم حي الأزهر، والذي تم اعتقاله

-أول أمس- وقد توفي في السجن جراء التعذيب، وقد حملت هذه المعلومات بعض المراقبين في القاهرة على تفسير الحدث باعتباره عملا انتقاميا ردا على مقتل ابن عم منفذ الانفجار داخل السجن.

فضلا عن أن انفجار التحرير والسيدة عائشة ومصر القديمة، جاء بعد أيام قليلة من بث التليفزيون المصري ثلاث حلقات لمدة سبع ساعات وعلى ثلاث أيام متتالية، سجلها الإعلامي المصري عماد الدين أديب مع الرئيس مبارك بمناسبة احتفالات مصر بـ"عيد سيناء". سبقتها حملة دعائية واسعة النطاق واعدة المصريين بمفاجئات كبيرة سيفجرها الرئيس للمصريين في حديثه التليفزيوني خاصة وأن الإعداد لها كان مثيرا، وغير مسبوق في تاريخ الدعايات الرئاسية في العالم، حيث استُعين بمخرج سينمائي شهير "شريف عرفة" وموسيقي مصري يتمتع بشعبية كبيرة "عمار الشريعي". فيما توقفت الحياة بالكامل تقريبا في مصر، خلال الساعات الثلاث التي كان الرئيس فيها على شاشات التليفزيون، إذ كانت عيون الناس معلقة بالشاشة الصغيرة منتظرين "المفاجئات" التي وعدوا بها، غير أن الحلقات الثلاث انتهت بدون أية مفاجئة تذكر، ما ترك مرارة في الحلق وغضبا واستفزازا جديدا جعل الشارع المصري أكثر توترا وقابلية للإثارة وربما للاشتعال.

فإذا كانت غالبية التكهنات فسرت الحادث الأخير باعتباره، إحدى تجليات "الغضب الشعبي" على ما يحدث في العراق وفي فلسطين، فإنه بالتأكيد -بالإضافة إلى ذلك- سليل استفزازات داخلية، تتعلق بالالتفاف على الإصلاح والمماطلة في الوفاء باستحقاقاته، واختزال مصائر العباد والاستخفاف بها والإبقاء عليها باعتبارها "ملفا أمنيا" تبرأ منه السياسيون، المشغولون إما بـ"البزنس" الخاص وإما بقطع الطريق أمام القوى الجديدة لتداول السلطة معها، بكل ما هو مشروع وغير مشروع.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

Mohammed ElSharkau

الحالة الأقتصادية الرديئة للاقتصاد المصري والضغط النفسي و الأقتصادي علي المصريين و الضلال والنفاق الأعلامي و فشل الوزراء في إداراتهم و مع ذلك هم باقون في مناصبهم .
أذكر مقولة للشيخ عبد الحميد كشك:
أن مصر دولة بولسية من كثرة مابها من أجهزة أمنية.
كل هذه الأجهزة الأمنية لحماية من الشعب أم الحكومة.
الشعب هذا غير صحيح هي مصلطة علية لليل نهار
ومع ذلك هم فاشيلون في معرفة ما يحدث داخل
مصر .....
شكرا ياأخي علي هذا المقال القيم


nadia

جزاكم الله خير الجزاء على هذا التحليل البارع


Abu Raed

Let us work hard for the bright future of Islam.