سؤال العلاقة مع العالم.. نحو رؤية أخرى

2005-4-30 | محمد سليمان سؤال العلاقة مع العالم.. نحو رؤية أخرى

ثمة مناظرات متعددة في العالم العربي حول العلاقة مع الآخر، ويأخذ هذا الجدل أحيانا صيغا مختلفة ومتنوعة كالحوار العربي- الأوروبي والعلاقة بين الحركات الإسلامية والولايات المتحدة وأسئلة التبعية والهيمنة وغيرها من القضايا التي تحظى باهتمام إعلامي وسياسي واسع وكبير. وفي الوقت الذي لا يمكن أن نتجاهل فيه البعد السياسي والعسكري، إلا أن هناك أبعادا أخرى يمكن أن يمثل الاهتمام بها ودراستها مجالا إيجابيا ومفيدا لنا في العالم العربي بالتحديد. وهنا لا بد من ملحوظتين رئيستين الأولى أنني لا أعني بالآخر فقط الغرب وإنما العالم بأسره بما فيه من ثقافات متنوعة ومتعددة، والثانية أنني خصصت العالم العربي؛ لأن كثيرا من دول ومجتمعات العالم الإسلامي غير العربية، قد تجاوز النفق السياسي، ودخلت في طور جديد من التنمية الاقتصادية والنهوض الصناعي، ولم تبق حبيسة سؤال الهوية والسلطة. فعرفت يقينا أن الهوية لا تعني دوارانا حول الذات — على حد تعبير الفضل شلق- ولكنها عطاء موصول لتحقيق الذات. ولو بقيت تلك المجتمعات أسيرة الأسئلة التي نغرق بها أنفسنا —في أغلب الأوقات- لما تطورت، وحققت ما حققت.

في التاريخ العربي الحديث مررنا بلحظة تاريخية مشاكلة للحظة الراهنة في كثير من الوجوه؛ فقد كان هناك احتلال عسكري واستبداد سياسي هيأ المناخ المناسب له، وشروط ثقافية واجتماعية قدمت ردا حضاريا باهتا وضعيفا، لكن هذا لم يمنع تيار من المثقفين والمفكرين العرب آنذاك من محاولة تشكيل رؤية مختلفة للغرب وصياغة أسئلة صحيحة شكلت مداخل متميزة وأنتجت ثقافة ومعرفة وأفكارا كنا نود أن نستمر في طرحها ومحاولة الإجابة عليها لولا ظروف تاريخية وسياسية حالت دون ذلك. وقد تمثل السؤال المفتاح آنذاك في الصيغة التي طرحها الأمير شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ ولو قدر لنا أن نطرح السؤال اليوم لاقتصرنا الأمر على العرب: لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ وهناك كثير من الأسئلة المشابهة والتي شكلت في جوهرها محاولة أخرى للتعامل مع مشكلات الهيمنة الغربية وسوء الوضع الداخلي كالسؤال الذي طرحه المفكر الراحل أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟.

وقدم الفكر العربي والإسلامي مقاربات متعددة للإجابة على المشكلات الحضارية وأسئلة النهضة والتخلف والضعف، ومن ذلك مقاربة مالك بن نبي في شروط النهضة، ومقاربة المفكرون النهضويون العرب بالتمييز بين الجانب السياسي والجانب الحضاري في العلاقة مع الآخر، ولعل أطروحة الصديق عماد الدين شاهين "الغرب بعيون مسلم: محمد رشيد رضا" تسجيل دقيق لصورة وإشكاليات العلاقة كما رآها الفكر النهضوي العربي، وقد أحسن شاهين باختيار وصف دقيق لهذه الرؤية وهو "الرؤية المزدوجة"؛ التي ترى جانب الهيمنة السياسية والعسكرية والرأسمالية النفعية والروح المادية الاستهلاكية. لكنها لا تتغافل عن الجوانب الخلاقة الإبداعية في تلك الحضارة وأسرار التقدم الصناعي والاقتصادي والنمو واحترام الفرد وحقوقه وحرياته..الخ. ورؤية محمد عبده لمسألة انهيار الحضارة الغربية —أو انهيار أميركا كما يرى الآن بعض الإسلاميين- توضح إلى درجة كبيرة هذه الرؤية، إذ يرى عبده: أن هذه الحضارة بقدر ما تحمل أعراض المرض وجراثيمه بقدر ما تمتلك من عوامل القوة والصحة التي تعطي مزاجها القدرة على المقاومة والممانعة والتغلب على أمراضه.

واليوم، هناك الكثير من القضايا التي يجب أن تشغل بالنا وأن تكون سجالا لمناظراتنا أهم وأخطر من المناظرات التي تطغى علينا؛ في كثير من الأوقات فأميركا قوة رأسمالية تسعى للهيمنة والسيطرة على الموارد، وتحقيق مصالحها بالضرورة يتناقض في كثير من الأحيان مع مصالحنا. وهناك قوة يمينية تقودها اليوم ويبدو واضحا البعد الديني العدائي في سياستها الخارجية. لكن أميركا في المقابل لها وجه آخر هو المؤسسات السياسية والاقتصادية والعمل والمثابرة لتحقيق التقدم واحترام حقوق الإنسان وكرامته والقدرة على وضع التنوع والاختلاف العرقي والديني والمذهبي في إطار من الوحدة السياسية الثقافية بما لا يلغي الخصوصيات، وأميركا تعني البحث العلمي المبدع والمؤسسات الثقافية والإعلامية. ودول أوروبية تعني الرعاية الاجتماعية وفرص العمل والإبداع في الجانب الجمالي في العمران والحياة. والإنسان الغربي المستهلك؛ هو نفسه القادر على إدارة حياته اليومية وهو الذي يعمل لتحقيق حياة كريمة له. والمفكرون هناك أيضا يشغلون أنفسهم لتطوير حياتهم وتحسين شروط معيشتهم ومعيشة أبنائهم ويخططون لفترات طويلة للوصول إلى ذلك. ولا تمنعهم اختلافاتهم السياسية من التوافق على مصالحهم الاستراتيجية والقومية.

قد يقول قائل الأمثلة المذكورة هي في الغرب؛ إذ إن هناك شروط الإبداع متوافرة للأفراد، أما نحن فما زلنا نعيش صدى الصراع مع الحكام. حسنا —لو قبلنا جدلا بهذه الحجة- لنأخذ أمثلة أخرى: اليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية منهارة وكوريا الجنوبية كذلك، لكنهما خلال فترة قصيرة ومحدودة استطاعتا تحقيق تقدم اقتصادي ونمو هائل خرج بهما من نفق التخلف والضعف. وقد سأل أحد المفكرين الأميركان عالما يابانيا عن سر التقدم الصناعي والاقتصادي في اليابان، فأجابه بأنهم عندما خسروا معركتهم مع أميركا في ساحات الحروب نقلوا الصراع إلى المعمل. والنموذج الصيني اليوم مثال واضح على الرعب وما يمثله للإدارة والاقتصاديين الاميركان، إذ تغزو البضائع الصينية العالم. وهناك أيضا النموذج الماليزي الإسلامي فاستطاع تحقيق تقدم اقتصادي وصناعي هائل وتجاوز الكثير من المشكلات والمصاعب، وأخيرا التجربة التركية خلال حكومة العدالة والتنمية إذ تجاوز الحزب في فترة قياسية أخطر أزمة اقتصادية تعصف بتركيا منذ عقود، وتمكن برؤية سياسية واقتصادية مبدعة من إعادة تأهيل وتطوير الاقتصاد التركي.

أما نحن فما زلنا خارج العالم والتاريخ نتناقش في أسئلة المربع الأول؛ ونشغل أنفسنا بأسئلة تمثل مداخل خاطئة لرؤية العالم؛ جدير بنا اليوم أن نطرح على أنفسنا الأسئلة الحضارية التي تدفعنا نحو النمو الاقتصادي والإصلاح وتجاوز المستنقع الذي وصلنا إليه. وأن نشغل بالنا بالمناظرات التي تأخذ بأيدينا إلى المستقبل لا أن تدفعنا إلى الماضي أو إلى طرق عدمية. في المحصلة نحن بحاجة إلى رؤية جديدة للعالم وللآخر..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر