نحو إستراتيجية أمريكية فعّالة في العراق 1-2

2005-4-29 | نحو إستراتيجية أمريكية فعّالة في العراق 1-2

** قدّم هذا التقرير كشهادة لـ "أنتوني كوردسمان" –الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن- أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي بتاريخ 1 شباط 2005 .

* الخروج ليس إستراتيجية:

لقد أشرت إلى أنه يتوجب على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة للفشل في العراق، إلا أن الخروج ليس تكتيكا وليس إستراتيجية. فمن شأن الخروج من العراق أن يمحو الخسائر البشرية الأمريكية ونفقات خوض الحرب فقط، ولكنه أيضا يثير من المشكلات بقدر ما يحل، بل وأكثر. وإن ترك ميراث من الفشل السياسي والفوضى والصراع الأهلي في العراق ليس إستراتيجية.

وضع إستراتيجية يعني أنه يتوجب علينا أن نعيد تقدير وبناء موقفنا برمته في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا، وأن نعيد هيكلة سياستنا الأمنية ومركزنا الإقليمي في منطقة تضمن نحو 6% من احتياطيات النفط الأكيدة، وأن نواجه ما سيعتبره التطرف الإسلامي أنّه نصر هائل، وأن نتصدى لإيران نووية وأن نجد طريقا لإعادة توطيد صدقيتنا في العالم.

إن "التوقف والفرار" قد يصبح ضرورة، ولكنه لا يمكن أن يكون إستراتيجية، وهو لا يمكن أن يكون سوى هزيمة كبرى.

* مواجه نتائج أخطائنا التي ارتكبناها:

يتعين علينا أن ندرك أننا وصلنا اليوم إلى ما نحن عليه بسبب سنتين تقريبا من الإخفاقات التي كان من الممكن تجنبها في السياسة الأمريكية والقيادة، وبسبب الصعوبات المتأصّلة في مساعدة العراق في أن يصبح بلدا مستقرا وناجحا. وباختصار فإننا ارتكبنا تسعة أخطاء أساسية:

- خضنا الحرب على أساس معلومات استخباراتية خاطئة ومبررات لم نستطع الدفاع عنها أمام العالم وأمام العراقيين.

- تخطينا عملية التنسيق بين الوكالات بتجاهلنا تحذيرا بعد آخر من خبراء في المخابرات الأمريكية ومسئولي وزارة الخارجية وقادة عسكريين ذوي خبرة بالمنطقة وخبراء خارجيين، من أننا لن نستقبل كمحررين نخوض حربا عادلة، وإنما سيستقبلنا شعب منقسم ولديه حس قومي كبير، لا يريد من الدخلاء والمحتلين أن يقرروا مصيره.

- خططنا لحرب من أجل إزاحة صدام من السلطة دون أن نجهز أي خطة ذات معنى تهدف إلى تحقيق الاستقرار وإلى بناء الدولة. لقد سمحنا لفوضى سياسية واقتصادية أن تحدث بينما كنّا نتقدّم في أعقاب سقوط صدّام مباشرة.

- لم نجهّز قواتنا العسكرية لمهمات عسكرية – مدنية، بحيث تكون قادرة على التعامل مع الإرهاب و التمرد، أو للعب دور المحتل في أمّة لها دين مغاير ولغة أخرى وثقافة مختلفة، أو لمزيج من الدعم البشري والأسلحة التي يحتاجونها "لحرب ما بعد الحرب". ونتيجة لذلك، أجبرنا قواتنا المسلحة على التأقلم ببطء وتحت الضغط لمواجهة عدو تتزايد قوته.

- لقد افترضنا ولمدة سنة أن الحكم العام في صورة سلطة التحالف المؤقتة، يمكن أن يحكم العراق ويخطط مستقبله بدلا من العراقيين. لقد زودنا كثيرا من سلطة التحالف المؤقتة بطواقم أفراد يفتقرون إلى الخبرة من المعنيين والموالين عقائديا، فكانوا ينفقون كل وقتهم تقريبا في أماكن آمنة مقابل تأديتهم للوظيفة لفترات قصيرة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.

- لقد طوّرنا ولمدّة عام خططا مثالية للإصلاح السياسي لم تستطع الصمود بعد اصطدامها بالواقع. لقد ركّزنا أكثر مما يجب على إجراء الانتخابات العامة وصياغة الدستور دون أن نركز بنفس الدرجة على حكم فعّال على الأصعدة الوطنية والمناطقية والمحلية.

- لقد امتلكنا ولمدة سنة قيادة عسكرية في العراق لم تكن تستطيع أن تعمل بتعاون وثيق مع قيادة سلطة التحالف المؤقتة، وعاشت في حالة إنكار فيما يتعلق بمستوى العداء الشعبي الذي نواجهه والنمو المطّرد للتمرد. -استخدم كوردسمان في هذا التقرير والأمريكيون عموما مصطلح "التمرد" للتعبير عن "المقاومة العراقية" الباسلة حسب مفهومنا -اقتضى التوضيح المترجم- - لم نبادر ولمدة عام بأي محاولة جدّية لتشكيل قوات عسكرية وأمنية وشرطة عراقية تستطيع الوقوف بذاتها في التصدي لتمرد يزداد نموا وإرهابا وخروجا على القانون. وبدلا من ذلك رأينا أن هكذا قوات قد تشكل خطرا على الديمقراطية المثالية في العراق، واعتقدنا أنّ قواتنا يمكنها أن تلحق بسهولة الهزيمة بتمرد مؤلف من حوالي ما بين 5 و 6 من أتباع النظام السابق والموالين له.

- لقد حاولنا ولمدة عام أن نتعامل مع الاقتصاد العراقي الذي كان بمثابة حكم مجموعة من اللصوص كما لو كمان بالإمكان تحويله إلى اقتصاد حديث تحركه السوق بسهولة وسرعة. لقد قمنا بإرسال خبراء لسلطة التحالف المؤقتة لا يمتلكون خبرة حقيقية ويفتقرون إلى الاستمرارية. لقد أعددنا خطّة مساعدات طويلة الأجل ومثيرة للسخرية وتفتقر إلى فهم ذي مغزى حقيقي أو مسح للمشاكل الاقتصادية التي يواجهها العراق أو تفهّم لاحتياجات العراقيين وتوقّعاتهم، وإلى الموهبة سواء في الحكومة الأمريكية أو لدى جماعات المتعاقدين لتنفيذ مثل هذه الخطّة أو لتطوير نوع الخطط والبرامج التي ترتكز على متطلّبات الأجلين القصير والمتوسط الذي يحتاج إليها العراق في الحقيقة.

* ليس على الماضي أن يكون مقدّمة للمستقبل:

ليس على هذا الماضي أن يكون مقدّمة للمستقبل،. فقد بدأنا نصحح خلال عام 24 كثيرا من أخطائنا السابقة. لقد نقلنا السياسة العراقية بعيدا عن السياسة الكارثية للبنتاغون، وأضعفنا قبضة المحافظين الجدد الفاشلين وبدأنا تنفيذ مقاربة جادة للتنسيق بين الوكالات. عينا سفيرا وقائدا يمكنهما العمل معا وعيّنا فريقا حقيقيا من العسكريين والمدنيين. وإذا كنّا لا نزال نفتقر إلى العناصر المدنية التي تستطيع أن تدعم بناء الدولة في مناطق الخطر العالي، إلا أن العسكريين الأمريكيين وجدوا سبلا للتعويض ولو جزئيا عن ذلك.

أعطينا السيادة للعراقيين وتركناهم يتولون أمر العملية السياسية.

قبلنا بضرورة التعامل بتدرج مع حقيقة تعقّد المشكلات السياسية في العراق ومستوى العداء الشعبي الذي تواجهه قواتنا و خطورة تهديد التمرد.

أعدنا تنظيم الموقف العسكري للقوات الأمريكية وقوات التحالف الائتلافية في العراق لتخوض حربا جادة لمكافحة التمرد ومحاربة الإرهاب، وبدأنا نعيد التفكير في مجمل عملية تحويل القوة العسكرية لتنتقل من التركيز الذي كان سائدا في حقبة الحرب الباردة على تقنية متقدمة لمحاربة قوات تقليدية إلى أخرى يمكنها أن تتصدى للأخطار المختلفة جدا، السياسية والعقائدية، التي نواجهها.

بدأنا ندرّب القوات العسكرية والأمنية والشرطة على الإخطار التي تواجهها بالفعل وليس على عالم آمن تماما ومستقر وديمقراطي.

فهمنا بشكل جزئي أنّ خططنا المتعلقة بالمساعدات غير واقعية في مجملها وأنّ الأولوية ينبغي أن تعطى للاستقرار في الأجلين القصير والمتوسط وأن نستخدم الدولارات كبديل عن الرصاصات وداعم لها. على الأقل بدأنا نفهم أن وكالة المعونة الدولية الأمريكية في واشنطن لا تستطيع أن تتعامل مع التحدي الذي تواجهه، وأنّ المتعاقدين الخارجيين والمقاولين لا يستطيعون أن يديروا برنامج مساعدة فعّال في العراق، وأنّ الدولارات تحتاج أن تذهب إلى العراقيين وليس إلى الدخلاء.

نحن بحاجة إلى أن نعطي للأمريكيين الموجودين في العراق الآن –خاصّة المدنيين والعسكريين- المتمركزين خارج المنطقة الخضراء الائتمان الكامل لهذه التغييرات. فهم لم يقفوا جانبا مكتوفي الأيدي أو لم يخفقوا في التكيف أو لم يفشلوا في تحدي الإخفاقات الكثيرة التي جاءتهم من واشنطن.

ربما يكون "المحافظون الجدد" في أمريكا كارثة قومية في تشكيلهم للسياسة تجاه العراق، وهذا الواقع الفعلي ينطبق على الجوانب الأخرى من السياسة الخارجية الذي كان لهم تأثير فيه. ومع ذلك فقد رأينا أن الواقعيين والخبراء الحقيقيين بشئون المنطقة والمحترفين العسكريين القادريين على التكيّف يمكن أن يقدموا إجابات أفضل، وقد بدأوا بالفعل يعوّضون عن كثير من أخطائنا الماضية.

* ما الذي يجب فعله:

السؤال الآن هو: ما الذي يجب فعله لدعم الخطوات التي كنا قد اتّخذناها بالفعل؟.

كان عليّ أن أؤكد أن إجاباتي المقترحة ينبغي أن تصاغ في مناخ موجّه، فيه قدر ملحوظ من الواقعية من جانب الحكومة الأمريكية في نشر التقارير عن القياسات الضرورية لفهم الطبيعة الحقيقية للتمرد.

فلدينا قدر قليل من المعلومات ذات المغزى عن نتائج جهودنا لتشكيل قوى عراقية فعّالة، وعن المشكلات الاقتصادية التي يواجهها العراق وعن الأثر الفعلي لمساعداتنا...

لقد أعددت ورقة قصيرة عن ما نحتاجه لعمله لتحسين نوعية التقارير التي توجه إلى الشعب الأمريكي وترفع إلى الكونغرس، ومرة أخرى فإنني أطلب أن تدرج ضمن السجل.

مع ذلك فإنني أعتقد أنّ هناك معلومات كافية متاحة للبرهنة على أنّ هناك خمس خطوات يمكن أن تزيد فرص نجاحنا إلى ما يتجاوز مستوى 5/5 ويحتاج هذا بوضوح للإنجاز في القريب العاجل إذا كان لنا أن نتحرك نحو النجاح خلال السنة القادمة.

يجب علينا أن نفعل كل ما باستطاعتنا لنبرهن استقلال الهيكل السياسي العراقي البازغ، بينما نشجع شكلا ما من أشكال الفدرالية ونعين عملية الحكم. إن افتتاننا بالانتخابات يحب أن يقترن بتركيز عملي على مساعدة الحكم، بينما نمحو تدريجيا وبصورة مطردة أي مستوى عال من التدخل أو الضغط على الحكومة العراقية.

إن العراقيين لا يقيسون الشرعية أساسا بمعايير الانتخابات، إنهم يقيسونها بمعايير القدرة الحقيقية على الحكم وعلى إعطاء جميع العراقيين نصيبا عادلا من الثروة والسلطة وعلى توفير الأمن الشخصي وعلى توفير العمل والفرص الاقتصادية وعلى توفير الخدمات التعليمية والصحية وتوفير الماء والكهرباء والصرف الصحي.

كذلك فإن العراقيين لا يقيسون الشرعية بمعايير قدرة حكومة عراقية على تنفيذ سياسيات مستقلة، والاختلاف مع الولايات المتحدة وقوى خارجية أخرى واتّخاذ قرارات مرئية دون أن يكون يراقب الحكومة العراقية في الظل.

لا يمكننا أن نتوقف عن تقديم المشورة، ولكن يجب علينا أن نتوقف عن الإملاء. فحيثما توجد حاجة إلى دعم خارجي، سيكون من المستحسن دائما أن تأتي من الأمم المتحدة أو البريطانيين أو من جهود دولية أوسع وليس نتيجة فعل انفرادي تقوم به الولايات المتحدة.

وأي شيء آخر نقوم به سيفشل إذا لم يستطع العراقيون أن يقفوا وحدهم وأن يفعلوا ذلك على مرأى من العالم..

نحن بحاجة إلى خطّة واضحة لتشكيل نوع من القوات العسكرية والأمنية والشرطة العراقية المستقلة القادرة على أن تحل محل القوات الأمريكية وقوات التحالف، إلا حينما تكون هناك حاجة إلينا في دور استشاري. إننا نحتاج لأن نتوقف عن تضليل العراقيين والشعب الأمريكي والعالم بشأن جهودنا السابقة لتشكيل قوات عراقية.

ليس لدينا 127 ألف جندي فعّالا أو ذا قيمة من النوع الذي تحتاج إليه محاربة خطر عدواني ذو خبرة ومسلّح تسليحا جيدا. لدينا نحو 7 آلاف إلى 11 ألف بدأوا يتلقون التدريب وبعض التجهيزات الضرورية للاشتباك مباشرة مع قوى المقاومة. ولدينا نحو كتيبتين أو ثلاث كتائب تستطيع أن تصمد وحدها وبشرف في مواجهة هجمة خطيرة للتمرد، وتمتلك الكتيبة الأولى منها المدرعات اللازمة للبقاء، وقد دخلت الخدمة في منتصف كانون الأوّل..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر