واشنطن والإسلاميون الجدد: خياران أحلاهما مر!!

2005-4-28 | محمود سلطان واشنطن والإسلاميون الجدد: خياران أحلاهما مر!!

حتى قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، لم تلتفت القوى الغربية الكبرى إلى حقيقة أن "الظاهرة الإسلامية"، ليست صنيعة بيئتها السياسية المحلية وحسب، وإنما هي محصلة تقاطع سياسات "الداخل" مع إملاءات "الخارج" وشروطه.

لم يتوقع الغربيون وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية، أن تتحول الحركة الإسلامية، إلى حركات "عابرة للحدود"، إذ كان مستقرا في توقعات المراقبين الغربيين، أن مشكلة هذه الجماعات، هي مع أنظمتها الاجتماعية بسبب قابليتها لـ"التغريب" ومع أنظمتها السياسية بسبب ميلها إلى "الاستبداد".

كانت الدول الغربية تراقب هذا المشهد، وكأنها ليست طرفا في صناعته، فالمشكلة والحال كذلك، مشكلة عربية داخلية، وليس ثمة ما يبرر أن تحترق عواصمها بنار الفتنة التي يكتوي بها العالم العربي. فضلا عن ارتياحها إلى طريقة تعاطي الأنظمة العربية مع تلك الحركات، وترك الأخيرة بدون أي غطاء "حقوقي دولي"، يخفف عنها قسوة القمع الرسمي، الذي تعرضت له على مدى الخمسين عاما الماضية. باعتبار أنها قوى "دينية متطرفة" بطبيعتها، وتشكل حال وجود تمثيل سياسي لها بالسلطة، تهديدا خطيرا على مصالح الغرب في المنطقة.

وبقدر ما كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر "مفاجأة"، فيما يتعلق بالتخطيط والدعم اللوجستي والتنفيذ، فإن استعادة دلالتها السريع من قبل الإدارة الأمريكية أحدث انقلابا كبيرا في طريقة قراءة وفهم تفاصيل الحياة السياسية في العالم الإسلامي، ومسئولية القوى الغربية الأخلاقية والتاريخية في ما وصلت إليه هذه الحياة من أزمات، يدفع الغرب ذاته ثمنها من "أمنه الداخلي" وتآكل قدرته على حماية مصالحه في العالم الإسلامي.

صحيح أن طريقة الفهم اختلفت وتباينت، وبعضها استغل في تزييف الحقائق وفي التحريض على الدول الإسلامية، باعتبار أن الكراهية والتطرف يتحمل مسؤوليتها المسلمون فقط، على أساس أن "كراهية" المسلمين للغرب ترجع -كما يقول برنارد لويس- إلى هزائمهم المتلاحقة أمام المسيحية الغربية، على مدى القرون الثلاثة الأخيرة، أو بحسب زعم ريتشارد بيرل، إلى عام 1683 عندما فشل المسلمون في ضم "فيينا" المسيحية إلى العالم الإسلامي!!. وهي الرؤية التي يتبناها على وجه الإجمال المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية، وهو تيار سياسي ديني متطرف، معروف بميله الشديد إلى تبني الرؤية المسيحية الصهيونية في تفسير حركة التاريخ و استشراف محطاته المستقبلية.

وهي الرؤية التي خدمت روح الجمود السياسي، وتعطيل مشاريع الإصلاح أو المماطلة والتسويف في المبادرة إليها من قبل الكثير من الأنظمة العربية، إذ دأبت الأخيرة على تخويف الغرب من "البعبع" الإسلامي، الذي يستطيع الوصول إلى الحكم حال إجراء إصلاحات سياسية تتيح له المشاركة في الحياة السياسية العامة، محذرة واشنطن من أن اعتلائهم سدة الحكم، متزامنا مع وجود النزعة المحافظة المتشددة في الإدارة الأمريكية، ينذر باندلاع "حرب دينية" بين الشرق والغرب، يعيد العالم إلى ويلات حروب التي كانت سائدة في العصور الوسطى.

نجحت بعض الأنظمة العربية في إقناع العالم الغربي بهذه المخاوف بعض الوقت، وهو ما حمل الاتحاد الأوربي على الضغط على واشنطن لتخفيف ضغوطها على تلك الأنظمة وتبني فكرة "الإصلاح بالقطعة" كيلا يهدد الإصلاح السريع أمن واستقرار العالم!!.

غير أن تطورات الأحداث في العراق ولبنان ومصر وسوريا من جهة، ومشاركة التيارات الإسلامية ذات النزعة الوسطية والمعتدلة والتي تشكل القوى السياسية الرئيسية في العالم العربي، التيارات السياسية الأخرى في النزول إلى الشارع لمطالبة الأنظمة العربية بالإصلاح من جهة أخرى، قطع الطريق على سيناريوهات التسويف والمماطلة، وحمل واشنطن من جديد على التدخل متوازية مع ما يجري في شوارع العواصم العربية، والتصريح علانية على لسان وزيرة خارجيتها "كوندليزا رايس"، بأن الإدارة الأمريكية لم تعد تقتنع بالمخاوف من "البديل الإسلامي"، وأن القمع وإغلاق قنوات التعبير أمام الشعوب هي التي تفرز قوى التطرف، وتلقى البيت الأبيض مؤخرا توصية من الخارجية الأمريكية، بضرورة فتح حوار جاد مع التيارات الإسلامية في العالم العربي، مشيرة إلى أن الحكومات العربية كانت تبالغ في التخويف منها، دفاعا عن مصالح و امتيازات "النخب السياسية"، وهو بلا شك اتجاه جديد، ربما يعترف بشرعية "الشريك الإسلامي" في سيناريوهات الإصلاح القادمة، ولكنه بقدر ما يبعث على التفاؤل، فإن ثمة محاذير ينبغي عدم تجاهلها أو غض الطرف عنها، ومع ذلك فلا يجوز الإسراف في هذه أو في تلك:

والواقع أن الحالة التي نحن بصددها حالة شديدة التعقيد واللبس، تضع النشطاء الإسلاميين في محك هو في واقع الحال يثير الارتباك والحيرة، ولا يجوز التعامل معها بنمطق "إما مع وإما ضد"، والتي تحمل ضمنيا التهديد بالإدانة والتشكيك في نبل القصد وصفاء النية. فالوضع السياسي في العالم العربي والإسلامي يضع الإسلاميين في خيارات هي بالتأكيد "أحلاهما مر": الرهان على الداخل لحل مشاكلهم، ولا أقول طموحاتهم وأحلامهم السياسية، ولكني سأكون أقل تواضعا وأقول مشاكلهم الأمنية وما ترتب عليها من مشاكل عائلية واجتماعية بالغة القسوة، أم الرهان على الخارج لحل تلك المشاكل مع سداد فاتورة هذا التوجه وتكلفته العالية أمام الرأي العام؟.

ففي العالم العربي عشرات الآلاف من المعتقلين الإسلاميين، أودعوا المعتقلات و السجون مددا بلغت أكثر من عشر سنوات وبلا محاكمة، وبعضهم اختفى للأبد وبعضهم الآخر يعاني من أمراض قاتلة، ولم يشفع له مرضه في الإفراج عنه، رغم مذكرات الإغاثة التي تقدم بها ذويهم للسلطات المختصة في بلادهم. وفي المقابل تم الإفراج عن سجناء أدينوا في جرائم إما جنائية وإما ماسة بالأمن القومي ( أيمن نور ود. سعد الدين إبراهيم في مصر)، نتيجة ضغوط وتهديدات أوربية وأمريكية واضحة ومحددة. بل إن الحكومة المصرية أفرجت عن الجاسوس عزام عزام و قبل أن يستوفي مدة العقوبة، فيما تعاند في الإفراج عن المعتقلين الإسلاميين، أو من أنهوا مدة العقوبة في عملية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات عام 1981، ومن بينهم من شاركوا في اتفاقية وقف أعمال العنف بين السلطة والجماعات الإسلامية!!

إنني أذكر هنا أمثلة على عجالة لضيق المقام، فيما يقبع خلف زنازين الأنظمة العربية الآلاف من النماذج المماثلة، وأشير فقط إلى "الملف الأمني" للإسلاميين ولا أتحدث عن العشرات من الحقوق الأخرى التي يحرمون منها فيما يرتع فيها الشيوعيون والناصريون واليساريون وعبدة الشيطان وكل من لا دين له ولا ملة. لقد وضعت الأنظمة العربية التيار الإسلامي أمام خيارات صعبة في ظروف دولية ضاغطة على تلك الأنظمة، ويدرك الإسلاميون إنها ظروف لحظية وطارئة وفرصة قد لا تتكرر مستقبلا، فكيف تراهن على هذا الداخل الديكتاتوري وصاحب التاريخ الدموي في التعامل مع الإسلاميين، أو يراهن على خارج لا نأمن شره وألاعيبه الشيطانية ؟!.

هذا هو السؤال الكبير والصعب الذي ينبغي أن يجيب عليه الإسلاميون وبسرعة وقبل فوات الأوان، وكيف يوظفون هذا الظرف التاريخي للتخلص من هذه الأنظمة التي أذاقتها كل صنوف التعذيب والقتل خارج القانون، وفي ذات الوقت لا يكونون "مطية" للمارينز أو موظفين يعملون بـ"الباطن" لحساب وزارة الخارجية الأمريكية. في تقديري أن الإجابة ستكون مرهونة بقدرة الإسلاميين على التخلي عن الخلط بين "الدروشة والسياسة"، ذلك الخلط الذي أضاع من بعضهم فرصا تاريخية كبيرة، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، حتى بات البعض يطلق عليها "جماعة الفرص الضائعة".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عصام عبد العزيز

الحركة الإسلامية والفرص الضائعة
كثيراً ما يردد البعض هذا القول وأقوال أخرى مشابهة مثل (الحركة الإسلامية تضحيات بلا مكاسب) ولا أدري بأي مقياس يمكن لنا أن نعتبر هذه الأقوال صحيحة
إن أغلب من يردد هذا القول سواء كانوا من أبناء الحركة الإسلامية أو من محبيها أو من غيرهم يغلب على بعضهم استعجال النتائج والبعض الآخر يغيب عنه الهدف والغاية من عمله ودعوته وهو أن الحركة الإسلامية حركة تغيير اجتماعي وليس حركة تغيير سياسي وأنه بمجرد الإقرار له بشرعية تكوين حزب سياسي وحرية تداول السلطه يمكنه تحقيق أهدافه وغاب عنه أن الأحزاب السياسة في أمريكا - كما في غيرها من البلدان الأوربية تتقارب في الرؤية والأهداف والقيم الليبرالية الأساسية التي تؤمن بحرية السوق وتعتنق مبادئ الدستور العلمانية ، وبالتالي فالشعارات والتمايز يدور حول السياسات العامة والإجراءات لوجود هذا المشترك الجامع من "الأيدولوجية الغربية العلمانية" فهل الأحزاب في منطقتنا العربية متفقة على أن الإسلام هو المرجعية الوحيدة لحياتنا ... منه تنطلق وإليه تحتكم حتى يكون التمايز يدور حول السياسات العامة والإجراءات لوجود هذا المشترك الجامع ....!؟
الواقع والشواهد التاريخية يقول أن الأحزاب السياسية العربية أحزاب مصنوعة لجأت إليها النظم الحاكمة في بعض المناطق كواجهة تخفي ورائها أبشع أنواع الاستبداد !! بل إن بعضها ينطلق من أيدولوجيات مختلفة تتناقض وثوابت الدين الإسلامي ؟ نعم إن العمل الحزبي في البلاد التي يوجد بها تنازع على أصل المرجعية يمكن اعتباره أحد وسائل التبشير والدعوة إلى الإسلام ليس أكثر واللجوء إليها يخضع لاعتبارات شرعية وزمانية ومكانية أما اعتماده كهدف استراتيجي وخيار وحيد للعمل الإسلامي محكوم عليه بالفشل وقد رفض صلى الله عليه وسلم الملك والسلطان حينما عرض عليه زعماء قريش ذلك لأنهم رفضوا الإسلام .. رفضوا أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... يقول الأستاذ علاء النادي إن "السلطة والدولة في الفكر الإسلامي ليست سوى نتاج للمجتمع، فالناظر في مرآة المجتمع يمكنه وبجلاء رؤية السلطة بمنظور: "كما تكونوا يُوَلَّ عليكم"، وحينما يعتقد البعض أن الدولة قادرة على صنع المجتمع الرشيد، فإنه يتناقض وثوابت فكرة الإسلام التغييرية..... لقد تركزت سياسة الرسول التغييرية على "الإصلاح المجتمعي"، باعتبار أن الفكرة عندما تترسخ وتنتشر ستكون كفيلة بإحداث التغيير في الأبنية الاجتماعية، وسيتشكل النظام السياسي بدوره على ضوء هذه الحقائق من دون حدوث هزات حادة"... إن أي مشروع إصلاحي نهضوي للأمة لن يكتب له النجاح والاستمرار إلا إذا تبنته الأمة وكانت حاضنة له.. قال تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)..".
وقد يقول قائل كم من حركات التغيير الاجتماعي نجحت في تحقيق أهدافها مثل البلشفية والصينية والفرنسية.... إلخ أقول نعم نجحت ولكن باستخدام وسائل قذرة لا تغيب عنا نجحت في فرض مشروعها وفلسفتها بالحديد والنار والقتل ... إلخ والأمر يختلف في حركات التغيير الإسلامي فإن كانت الغاية شريفة فلابد من أن تكون الوسائل شريفة فالغاية لا تبرر الوسيلة.... ومن هذا المنطلق أسأل من يردد هذا القول هل حال الأمة اليوم يقبل بالحل الإسلامي؟ وهل لدى الأمة الاستعداد لدفع ضريبة الحل الإسلامي الذي يتطلب أول ما يتطلب أن تؤثر الأمة أفراداً وجماعات المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وأن يكبح الفرد شهواته وغرائزه ؟ وهل الحركة الإسلامية بكل أطيافها على مستوى تحديات الخارج واستحقاقات الداخل ثباتاً على الأصول ومرونة في الوسائل.... الواقع المعاش يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمة وإن كان قلبها مع الإسلام ودعاته إلا أنها ليست على استعداد لدفع الضريبة (قلبها معك وسيفها عليك) أما موضوع أمريكا والغرب وغزلها الظاهر لأبناء الحركة الإسلامية أذكر إخواني من أبناء الحركة الإسلامية بهذه القصة برز الثعلب يوماً في ثياب الواعظينا ، فمشى في الأرض يسب الماكرينا ، ويقول الحمد الله رب العالمينا، ياعباد الله توبوا وازهدوا في العيش فإن العيش عيش الزاهدينا ، واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا، فأتى الديك رسولُ من إمام الناسيكنا ، عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا ، فأجاب الديك عذراً يا أضل المهتدينا ، بلّغ الثعلب عني عن جدود صالحينا من ذوي التيجان (عرف الديك) ممن دخلوا البطن اللعينا (بطن الثعلب) أنهم قالوا وخير القول قول العارفينا مخطئء من ظن يوماً أن للثعلب دينا.ً مخطئء من ظن يوماً أن للثعلب ديناً. وما تريده أمريكا هو ما بشر به الأستاذ سيد قطب رحمه الله منذ زمن بقولـه: " الإسلام الذي تريده أمريكا وحلفاؤها في الشرق ليس هو الإسلام الذي يقاوم الاستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان ، ولكنه فقط الإسلام الذي يقاوم الشيوعية . إنهم لا يريدون للإسلام أن يحكم، ولا يطيقون من الإسلام أن يحكم ، لأن الإسلام حين يحكم سينشئ الشعوب نشأة أخرى ، وسيعلّم لشعوب أن إعداد القوة فريضة ، وأن طرد المستعمر فريضة ، وأن الشيوعية كالاستعمار وباء فكلاهما عدو ، وكلاهما اعتداء ... الأمريكان وحلفاؤهم إذن يريدون للشرق "إسلاماً أمريكانياً" يجوز أن يستفتى في نواقض الوضوء ولكنه لا يستفتى أبداً في أوضاعنا الاجتماعية أو الاقتصادية أو نظامنا المالي ،ولا يستفتى أبداً في أوضاعنا السياسية والقومية، وفيما يربطنا بالاستعمار من صلات . فالحكم بالإسلام ، والتشريع بالإسلام ، والانتصار للإسلام لا يجوز أن يمسها قلم ، ولا حديث ، ولا استفتاء ... ". وما أشبه الليلة بالبارحة وما أشد تعسي لو كنت أخاطب نائماً يسمع أحلامه ولا يسمعني.