ردا على الأستاذ ديلواني: حوار بين أمريكا والإسلاميين وتقارب!!

2005-4-28 | ياسر سعد ردا على الأستاذ ديلواني: حوار بين أمريكا والإسلاميين وتقارب!!

قرأت باستغراب كبير ما كتبه الأخ طارق ديلواني "هل ثمة تقارب وحوار بين أمريكا والإسلاميين..فليكن ذلك؟!"، وشعرت بألم شديد. فالحملات الإعلامية والنفسية الغربية الشرسة علينا قد أصابت منا مقتلا، والتراجع عن الثوابت يكاد يحيق بالنخبة فما بالك بالعوام والبسطاء. ففي فترة متقاربة خرج علينا مفكر من طراز رفيع يطالب بتجميد الحدود ورأينا عالما كبيرا يترحم على بابا الفاتيكان ويدعو له بالمثوبة ويثمن نشاطه في بلاد المسلمين أمام ملايين من المشاهدين، ومن بعد تخرج علينا مقالات يكتبها من نحسبهم من خيرة الأقلام تدعو إلى أمور عجيبة وإجتهادات غريبة. وقبل أن أناقش الأستاذ طارق في ما كتبه وذهب إليه، فإنني أود أن أوجه التحية للأستاذ علي حسين باكير على رده الموفق والمسدد، والذي أتفق معه في كل ما جاء فيه.

برأيي الشخصي أن ما يدفع أمريكا إلى الجهر بالدعوة إلى حوار الإسلاميين إضافة إلى ما كتبه الأخ باكير، قد يكون من أسبابه ما يلي:

- أمريكا تريد شق الصف الإسلامي واستخدام تيار إسلامي ضد آخر مستفيدة من تجربة بعض الأنظمة العربية، والتي لم تنجح في تدجين حركات إسلامية كبيرة فحسب، بل إنها وظفت تلك الحركات لتهدئة الشارع العربي وربما تدجينه في مفاصل مهمة في تاريخ المنطقة مثل بدايات الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق.

- المقاومة العراقية والأعداد الغفيرة من الاستشهاد يين – الانتحاريين حسب التوصيف الإعلامي الغربي والعربي التابع له- والتي نجحت في إثارة الرعب والهلع في قلوب الأمريكيين، وربما دفعتهم للتفكير جديا بالهروب من المستنقع العراقي مما سيؤدي إلى انهيار مخططاتهم في السيطرة على المنطقة. فالسبيل الأجدى في مواجهة التيارات الجهادية يكون في فتح حوار مع الإسلاميين، فهم الأقدر على تهدئة الشباب المسلم من خلال دعوتهم وربما فتاويهم الداعية للحوار حسب المأمول أمريكيا.

- النجاح الذي حققته بعض الأنظمة العربية في تحييد بعض الرموز الإسلامية –على محدوديتها عدديا- والانتقال بها من صفوف المعارضة الداعية إلى الإصلاح الجذري إلى معسكر الموالاة والمواقف البغباوية الداعية إلى سلوك سبيل الحكمة، والذي هو في حقيقة الأمر تثبيت الأمر الواقع وخدمة للأنظمة المتسلطة.

- النجاح الأمريكي الكبير في تجنيد تيارات إسلامية -إسلامية حسب زعمها– في العراق لتصبح أدوات في يد إدارة الاحتلال الأمريكي وأحجار شطرنج على رقعتها تصرفها كما تشاء،كما حدث في مهزلة مجلس الحكم ويحدث الآن في الساحة السياسية العراقية المثيرة للخيبة والاشمئزاز.

نعود لمقال الأخ طارق والذي حوى من العجائب والغرائب الشيء الكثير، فهو يقول "وأتصور أن أولى خطوات محاولة الإجابة على السؤال تبدأ بضرورة مراجعة الرؤية التقليدية التي تستبد بنا حين نتحدث عن أمريكا والإسلاميين باعتبار أن العداء والكراهية هو سيد الموقف، في حين أن أمورا تغيرت ومياها جرت في نهر العلاقات بين "الشيطان الأكبر" و"الخطر الأخضر" تقول إن الحال لم يعد كما كان". فما الذي تغير في الموقف الأمريكي حتى تتغير مشاعر العداء والكراهية؟، هل توقف القتل والاغتصاب والتدمير في العراق؟ أم توقف الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني؟ أم إن الهجمة الأمريكية على بلادنا تزداد ضراوة وشراسة من أفغانستان شرقا حتى المغرب غربا والذي يشيد فيه الأمريكيون قواعد عسكرية. ويضيف الكاتب فيقول: "على أن النظرة الأمريكية للحوار مع الإسلاميين معنية فقط بالإسلاميين "المعتدلين" المتبعين لأسلوب العمل السلمي دون غيرهم. وهنا ينبغي الحديث عن عدة نماذج إسلامية مقبولة أمريكا لا تتعدى حدود النموذج الإخواني وإسلاميي تركيا تحديدا، إلا أنه لا يمكننا أن نحصر النماذج التي ستعتمد أمريكا الحوار معها، ويمكن القول إن أي تيار إسلامي يتمتع بالعقلانية والانفتاح على الحكومات والشعوب سيكون مرشحا للحوار مع الأمريكيين". فهل يريد الأخ الفاضل أن ينزع حقوق الشعوب في مقاومة الاحتلال؟، وما هي العقلانية والانفتاح على الحكومات والشعوب والتي تؤهل تيارا إسلاميا لهذا الشرف الكبير "الحوار مع أمريكا"؟ ثم ألا يناقض الكاتب نفسه بالحديث عن حكومات دكتاتورية تريد أمريكا التخلص منها ثم يعتبر مقياس العقلانية في التيارات الإسلامية بمقدار انفتاحها على تلك الأنظمة العفنة والدكتاتورية؟!.

وفي فقرة أخرى كتب "في المقابل هناك مصلحة للقوى الإسلامية في الحوار مع واشنطن، إذ يعتبرها البعض فرصة تاريخية قد لا تتكرر وعلى الإسلاميين استغلالها بل والتمهيد لها وتوفير البيئة المناسبة لإنجاحها، وذلك بإرسال إشارات ايجابية إلى واشنطن، ومن ثم تأهيل جماهيرييها لهذا التحول الجذري في سياستها تجاه "الشيطان الأكبر"، مثلما عليها مراجعة أدبياتها وأيدلوجياتها بخصوص الصراع مع الولايات المتحدة. ولعل أبرز السمات السلبية التي اتسمت بها الحركات الإسلامية فيما مضى كان قصر نظرها في التعامل مع القوى الدولية وإغفالها بنا في ذلك الرأي العام العالمي.. مثلما أغفلت أهمية التواصل مع الولايات المتحدة". من هؤلاء البعض الذي يعتبرون الحوار مع أمريكا، والتي دمرت العراق وأفغانستان فرصة تاريخية تتطلب تأهيل جماهير الحركة الإسلامية، وكيف سيكون إعادة التأهيل أن تقول لجماهيرها لا تقاطعوا البضائع الأمريكية، لا تبكوا على قتلاكم في العراق وأفغانستان ولا تنددوا بما حدث في ابو غريب وبوكا وغيرهما؟ وأين كان قصر النظر عند الحركات الإسلامية، هل كان المطلوب منها أن تتطلب من عناصرها عدم قراءة آيات القرآن والتي تقول ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم.

وفي تناوله للتجربة التركية أهمل الكاتب عوامل محلية وإقليمية تختلف عن البلاد العربية. ففي تركيا والتي شهدت عقودا من التغريب ومحاولات مستميتة لطمس الهوية والشعائر الإسلامية جرت انتخابات ديمقراطية حقيقية، أوصلت للحكم تيارا إسلاميا يحكم وسط حقول من الألغام والتربص به من قبل علمانيي الجيش ومع ذلك فقد نجح في منع أمريكا من استخدام التراضي التركية في غزوها للعراق، أضاف الكاتب في الحديث عن التجربة التركية: "حتى إنهم نفذوا الشروط والمطالب الأوربية حتى لو تعارضت مع الشريعة الإسلامية: كإلغاء عقوبة الإعدام!، فهل الحركات الإسلامية في الدول العربية مرشحة لتقبل كل ذلك؟"، فهل يعتبر الأخ الفاضل المواقف المتعارضة مع الشريعة الإسلامية من قبيل الانفتاح والعقلانية؟!.

العقبة الوحيدة في طريق الحوار الأمريكي مع الإسلاميين في رأي الكاتب تكمن في "إسرائيل"، والتي كتب محللا عنها فقال: "وفي الحديث عن العقبة "الإسرائيلية" أمام نجاح أي حوار أو تقارب إسلامي أمريكي يجدر القول إن موقف الحركات والتيارات الإسلامية من "إسرائيل" بدا بالتغير والتحول، وثمة مواقف متعددة هنا فموقف الحركات الإسلامية في تركيا مثلا يختلف تماما عن موقف الإخوان في الأردن ومصر وربما للبعد الجغرافي دور لافت في ذلك. ومع ذلك فإن موقف حماس والإخوان في الأردن ومصر وبلاد الشام عموما من إسرائيل موقف هلامي قابل للتغير والتشكل والتفكك في أي لحظة وفقا للمتغيرات ورياح التغيير التي تحدثنا عنها". يبشرنا الأخ طارق بالتحول والهلامية في مواقف الحركات الإسلامية حسب توصيفه من الدولة العبرية خصوصا بعد أن حكمها في السنوات الأخيرة شارون وأذاق الفلسطينيين ألوان الدمار والقتل والاغتيالات.

مقال الأخ طارق حفل بالألغام والإشارات غير الموفقة والتي تنزع عن أي تيار يرى ما يراه ليس الصفة الإسلامية فحسب بل حتى الوطنية والإنسانية، فالجرائم الأمريكية في مناطقنا والعالم أكبر من أن تعد أو تحصى في مجلدات، وإذا كانت أمريكا قد أرغمت العراق على دفع التعويضات لاحتلال نظامه الكويت وأجبرت القذافي على دفع مبالغ ضخمة لضحايا لوكربي، فإن المطلوب منا أن نطالب أمريكا بدفع التعويضات عما ألحقته ببلادنا وشعوبنا من الدمار والقتل والإرهاب ونورث هذا المطالب لأجيالنا.

لست ضد الحوار من حيث المبدأ، غير أن المطلوب من أمريكا أولا أن تتوقف عن ارتكاب جرائمها ضد شعوبنا وبلادنا وأن تعتذر عنها، والمطلوب منا أن نتمسك بثوابتنا وعقيدتنا الإسلامية، إن لم يكن من أجل تحرير بلادنا فعلى الأقل لنحسب حساب يوم نلقى الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون. إن العمل السياسي واجب ومطلوب ولكن خطوطه الحمراء هي عقيدتنا وثوابتنا ومن بعد حقوقنا والتي يجب علينا عدم التفريط بها، إن الحقوق لا تسقط بفعل الاختلال الكبير في موازيين القوى ولا تموت بالتقادم، إنما تسقط بتنازل أصحابها عنها.

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) .


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

ياسر سعد

اشكر الاخ الفاضل طارق على مداخلته
غير انني اود ان اسأل عن النقاط التي حواها ردي والتي جعلته يحكم عليه بانه عاطفي واين هي الافكار والشعارات المطروحة والتي يمكن تصنيفها ولو بمقياس متطرف بأنها مزايدة.
اتمنى على الاخ الفاضل ان يرد علميا على اقتباساتي من مقاله والا فإنني أعتبر رده عاطفيا ومزايدا.
مع كل التقدير


طارق ديلواني

تحياتي للاخوين الزميلين ياسر سعد وعلي باكير على رديهما على مقالي الاخير ..
وان كان ثمة ملاحظات ارى من الضرورة ان اصرح بها فيما يتعلق برد الاخ سعد اهمها ان تغليب العاطفة على الموضوعية هو سمة رد الزميل الكريم لا بل تعدى الامر لدى الاخ ياسر الى المزايدة احيانا ..فمن قال انني تناسيت جرائم الامبريالية الامريكية بحق العرب والمسلمين ومن قال انني انني ابشر بضرورة التطبيع مع الاسرائيليين ..ما حاولت سرده في المقال ليس اكثر من توصيف لحقائق على الارض تجمع كلها على ان الاسلاميين والاسلامويين ايضا في بداية الطريق نحو تقارب مع الولايات المتحدة ..وللزميل العزيز ياسر ان يطلع على مجمل تصريحات ومواقف حماس والاخوان بل وتحركاتهما في الفترة الاخيرة التي اعقبت حديث بوش عن الاصلاح في المنطقة ..
تمنيت من زميلي ياسر رداموضوعيا لا عاطفيا يعيدنا الى زمن الشعارات البراقة للحركات الاسلامية .

رغم اتفاقي معك في سردك لبعض الاسباب التي دفت الولايات المتحدة للشروع في حوار مع الاسلاميين الا انني اكرر موقفي بضرورة عدم التعامل مع الولايات المتحدة كشر مطلق ..ففي امريكا من يناصرون قضايانا اكثر منا وربما لنا في "راشيل كوري" مثال ..
وقد ترد باننا نتحدث هنا عن الادارة الامريكية لا الشعب الامريكي بمؤسساته وقواه ..فاقول ثمة راي عام عالمي" استطاع مؤخرا اطلاق زميلنا تيسير علوني" ينبغي علينا نحن الاسلاميين ان نلتفت اليه من اليوم فصاعدا لا ان نلقيه بحجارتنا ..
ثم ان للحركة الاسلامية اخطاءها بالفعل لا يعني انضوائنا تحت لوائها او مناصرتها التغطية عليها .. تت حجة عدم نشر " غسيلنا القذر" .. الاسلاميون بالفعل اصبحوا مؤخرا ذو مواقف هلامية غير واضحة او مبررة لقواعدها الجماهيرية على الاقل ..وقبل ان تلومني اخي العزيز على موقفي من الحوار مع امريكا ..ثمة قادة اسلاميون ورموز ومفكرين وكتاب وصحفيين في هذه اللحظات على طاولة واحدة مع الامريكيين ..يحاورونهم !


عبدالله

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

"ولن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم . قل ان هدى الله هو الهدى و لئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي و لا نصير"

صدق الله العظيم.

و قد جاءك العلم الان من القران ... و ليس الامر يقاس بشخصيات معروفة اسلامية و انما يرجع الى القران والسنة.

ان اردت اتباع أهواءهم فافعل و لكننا لن نفعل! حتى ينصرنا الله عليهم.