أما آن لصوت العقل والحوار أن يسود في تونس؟

2005-4-28 | أما آن لصوت العقل والحوار أن يسود في تونس؟

نظم الدكتور محمد الهاشمي الحامدي مدير القناة الفضائية المستقلّة مساء الأربعاء أبريل، حوارًا بمناسبة الندوة الصحفية التي نظّمتها هيومن رايتس ووتش بتونس في نفس اليوم حول الأوضاع في السجون التونسية وأوضاع المساجين السياسيين، الذين غالبيتهم من الإسلاميين والذين مضى على حبسهم أكثر من عقد ونصف..

وقد شارك بالهاتف من تونس كلّ من الأخ علي العريّض الناطق الرسمي الأسبق لحركة النهضة وكذلك الصحفيين: بوبكر الصغيّر وبرهان بسيّس. فكان الحوار مشدا للانتباه، تولّى فيه الأخ علي العريّض الرّد على جملة من الأسئلة، "بل وحتى اتّهامات" طالما تابعت الإسلاميين منذ ظهورهم السياسي على الساحة سنة 1981 إلى اليوم.

كانت ردود الأخ علي العريّض رصينة وهادئة تتماشى مع طبعه الهادئ وتفكيره الوسطي الموضوعي، كانت الأجوبة تلقائية بنبرة صادقة، ملمّة بكلّ حيثيات الأمور والمستجدّات على الساحة الوطنية والدولية رغم قضاء 14 سنة في زنزانة انفرادية، وانقطاعه عن العالم الخارجي طوال هذا المدّة: "دخلت السجن والإتّحاد السوفيتي مازال قائما وخرجت ووجدته قد انهار..". هذه الزنزانات الانفرادية التي وصفها الأخ علي في معرض حديثه عنها بأنها "قطعة من جهنّم الإنسان"، وهي "واقع يُعاش وليست شيئًا يحكى عنه" في ردّ على السيد أبو بكر الصغيّر الذي لا يرى فيها هذا الوصف (الجارح)....بل يذهب في التأكيد على الهواء بأنها رغبة من السجين نفسه في الخلوة وليست عقوبة...هكذا يراها أو يتصوّرها السيد الصغيّر على أنّها (اختيار).. ربما يكون حكمها عنده كذلك، حكم "المقصورة" في الحمام، مع الفارق أن هذه الأخيرة تكون عادة بقيمة إضافية في الثمن، والأولى هي "تكرّم" من السّجان..

لقد تحدث الأخ علي العريض بكل تلقائية بنبرة صادقة إلى ملايين المشاهدين لأوّل مرّة على الهواء مباشرة وبعيدًا عن أي نوع من أنواع مقص الرقابة إلا رقابة الضمير والوجدان.

نبرة صادقة ملئها المسؤولية الأخلاقية قبل المسؤولية التنظيمية تجاه كل من سجن سواء مازال رهن الحبس أو خرج، يستوي في ذلك الأعضاء و أصحاب المسؤوليات في الحركة، والأنصار والمتعاطفون، الذين سوّت بينهم جميعا المحنة والمعاناة طوال هذه السني: "أنا قيادي سابق في حركة النهضة وحوكمت فيها وأنا الآن كمواطن تونسي وكقيادي سابق في حركة النهضة، وإن كنت لا أتحمّل مسؤولياتي داخلها، لكن من منطلق إنساني.. من منطلق حقي كمواطن.. من منطلق أني قيادي سابق من منطلق أني أشعر بمسؤوليتي أمام الله سبحانه وتعالى عن دخول ناس للسجن أو خروجهم أو محنهم فإني سأبقى مهتمًا..مهمومًا بكلّ من هو موجود في السجن أو من هو محروم من الكلمة ومن هو ممنوع من أن يتمتع بحقّ المشاركة في تنمية بلده".

نبرة صادقة ملئها الموضوعية والنظر للجزء الملآن من الكوب: وذلك للتغييرات التي حصلت في البلاد على مستوى البُنى التحتيّة والاجتماعية والتنموية بصفة عامة...بل يتعدى اعترافه إلى الاعتزاز رغم عدم إخفاء أسفه لتعطل التنمية في ميدان الحريات والديمقراطية: "وأنا اعتز كتونسي بأي منجزات اقتصادية أو في مجال البنية الأساسية أو في مجال التعليم أو في المجال الصحفي أو في أي مجال من المجالات، أعتزّ بأي منجز يتحقق وآمل المزيد وأقدّر بأنه ومازال وبإمكاننا أن نفعل أكثر. في نفس الوقت أتوقف دائمًا عند السبب الذي يجعل أن التنمية السياسية تبقى دائما مؤجلة...".

نبرة صادقة ملئها الشجاعة.. في سعادته لتحمّل مسؤولية الحوار مع السلطة لإيجاد حلّ نهائي لجملة القضايا التي كانت سببا في ألازمة واستمرار مأساتها: "أنا مستعدّ وأكون سعيدا أن أجد طرفا رسميًا أناقش معه كل هذه الأفكار التي طرحتها، ومستعد للأخذ والعطاء، ويمكن أن نصل تدريجيا".

فرغم تأكيده في كثير من المرات بأنّه لا يتحمّل أي مسؤولية حاليًا داخل الحركة، فانه لا يُمانع من الاستعداد لدفع الأذى ومحاولة رفع المعاناة لمن هم في أمسّ الحاجة. فهكذا مبادرات لا تحتاج إلى تكليف أو مسؤولية إلا مسؤولية الأخلاق و الضمير.

نبرة صادقة ملئها الحزم والجزم بعدم تجاوز العمل السياسي المتعارف عليه ديمقراطيًا والالتزام مع الجميع على عدم استغلال مؤسسات الدولة الحسّاسة بكل أنواعها كجسر للوصول إلى سدة الحكم أو التمسك: "هذا أمر ليس فيه لبس أصلاً، أن العمل ضمن الأطر القانوني هو العمل الطبيعي، والبعد عن كل ما يتعارض مع طبيعة العمل السياسي العادي المتعارف عليه دوليًّا..".

"لن أكون طرفًا في أي جهة تعمل في هذه الأجهزة، والتيار الإسلامي في تونس والتونسيون بكل أطيافهم وبكل توجّهاتهم قادرون على أن يجدوا المرحلية التي تناسبهم والمناهج التي تناسبهم والتغيير الذي يتماشى مع خصائصهم بدون تأجيل غير مبرّر وبدون تسرّع غير مبرّر وبدون تدخّل خارجي أو استنساخ خارجي أو خدمة لمصالح أجنبية".

لقد أكّد كل هذه المعاني والقناعات التي أصبحت ثابتة عند جلّ أبناء النهضة مستوعب كل التغييرات في الداخل والخارج بكل موضوعية وتوازن رغم سنوات السجن والعزلة ورغم أنه لم يمض على تسريحه إلا حوالي 17 يومًا.. فقد برهن مرة أخرى للجميع أن السجين ليس سجين الزنزانة رغم وحشيتها أو التقليل من معاناة ساكنيها.. وإنما السجين الذي ظل سجينا للماضي.. سجينا للأوهام.. سجينا لعقليّة المراهقة السياسية -الأكثر ثوريّة، هو الأكثر تصعيد-.

لقد تكلّم المهندس علي العريّض بوضوح وصراحة شهد له بها محاوروه في آخر الحصة. فهل تقابلها خطوات من جانب السلطة لحلحلة هذا الملف الذي أمسى سلعة رائجة لتجّار السياسة والمزايدين في الداخل والخارج؟ إلى متى ستبقى السلطة مستنكفة عن إيجاد حل وطني لقضيّة الحرّيات بصفة عامة وحقوق الإنسان، وقطع الطريق عن كل تدخل خارجي في شؤون داخلية تكون ربما ذريعة -يوما ما- للمساس بسيادة البلاد مثلما هو حال كثير من البلدان؟

آن الأوان أن يسود العقل ولغة الحوار بين الجميع؟ أما آن الأوان أن نُرسي أعرافا ترفع الهمة تحفظ الكرامة وتعتز بها الأجيال التي ستأتي من بعدنا؟

وأخيرًا فالشكر موصول إلى كل من ساهم في هذا الملف وفي مقدّمتهم الدكتور محمد الهاشمي الحامدي مقدرين له جهوده الكثيرة من أجل المساجين، كل المساجين حتى آخر فرد منهم، وحتى تكون الديموقراطية واقعا فعليا في بلدنا العزيز. وقد حصل أن استرجع حوالي 6 سجين حرّيتهم سنة 1999 باتصال مباشر نتيحة جهوده. وكلنا أمل أن يخرج كل المساجين السياسيين في أقرب الأوقات بعون الله.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر