للإسلاميين فقط: احذروا من أن يستغلّكم الأمريكيون في الحوار و التقارب المزعوم

2005-4-27 | علي حسين باكير للإسلاميين فقط: احذروا من أن يستغلّكم الأمريكيون في الحوار و التقارب المزعوم

لقد افتتح الأخ الزميل "طارق ديلواني" مقاله عن العلاقة بين أمريكا والإسلاميين بالعنوان التالي: "هل ثمّة تقارب وحوار بين أمريكا والإسلاميين...فليكن ذلك؟!".

ونقول إنه إذا كان هناك حوار وتقارب بين أمريكا والإسلاميين، فما هو الهدف منه؟ ولصالح من هذا الحوار والتقارب؟ وعلى حساب ماذا؟ وماذا سيحقق في النهاية؟

نحاول في هذا المقال الإجابة على هذه الأسئلة من خلال قراءتنا الخاصّة للموضوع على أن نتناول بعض ما ورد في مقال الزميل "طارق ديلواني" على أن نترك للقارئ المقارنة بين القراءتين فيما يتعلق بالعلاقة بين الأمريكيين والإسلاميين.

* الحوار والبراغماتية الأمريكية:

لا بدّ لنا بداية وحتى يستقيم الموضوع أن نعرف طبيعة الإستراتيجية الأمريكية تجاه القوى التي تريد أن تتعامل معها سواء أكانت قوى دينية أم سياسية أم اقتصادية أم فكرية أم ثقافية، فالولايات المتّحدة دولة براغماتية بكل ما للكلمة من معنى، ولعل ذلك هو أبرز ما يميزها على اعتبار أن هذا العامل قد أوصلها إلى ما هي عليه اليوم من قوّة في الساحة الدولية، وهو نفس العامل الذي يثير الإرباك والخوف لدى أصدقائها وأعدائها على حد سواء خوفا من أن تتخلى عنهم في مرحلة من المراحل أو أن تستغلهم لتحقيق مآربها والتخلص منهم حين يتم استنفاذهم، وهذا ما حصل خلال شواهد تاريخية عديدة.

ومن إيجابيات العامل البراغماتي هذا أنّه يتيح هامشا أكبر من المناورة لصاحبه ويقدم لخيارات كثيرة ويمكنه من استخدام الآخرين كأدوات، ولكن من سلبياته أيضا أنّ يفقد صاحبه المصداقية والشفافية وينظر إليه عندها على أنه منافق واستغلالي ويصنع حاجزا من عدم الثقة بينه وبين الآخر.

بعد 11 أيلول اعتبرت الولايات المتحدة أن كرامتها تحطّمت وأنّ كبرياءها وجبروتها قد جرح وأنّ هيبتها قد انتهكت أمام العالم أجمع مباشرة على شاشات التلفاز، حيث وقفت بكل ما تملكه من قوة تشاهد ما يحصل دون أن يكون هناك أي رد فوري لإيقاف العمليات، وعلى الرغم من أنّ الزميل "طارق ديلواني" يؤكد في مقاله أن "الحدث أثار هزة عنيفة في المجتمع الأمريكي تجاوزت الغضب على الإسلام والمسلمين إلى الدعوة لإعادة النظر في السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، والتي باتت ترى أن ديكتاتورية بعض الأنظمة العربية هي التي أفرزت العداء لأمريكا باعتبارها راعية لهذه الأنظمة، إلا أن هذا الكلام غير دقيق فالولايات المتحدة لم تتجاوز الغضب على الإسلام والمسلمين، وقد طرحت المسألة بهذا الشكل وألقت اللوم على الديكتاتوريات العربية كي لا يسأل المواطن الأمريكي نفسه "لماذا تمّ استهدافنا؟ لماذا يكرهوننا؟"، والدليل على ما نقول أن معظم الديكتاتوريات العربية مازالت جالسة على عروشها المخلدة، وليس أفضل من نموذج "القذافي" لتوضيح مفهوم البراغماتية الأمريكية التي تحدثنا عنها ودحض حجّة إلقاء اللوم على الديكتاتوريات العربية.

* تقرير "راند" وحقيقة الحوار والتقارب مع الإسلاميين:

لا بدّ من تذكير الباحثين والقرّاء بالعودة إلى تقرير "راند" الذي صدر في شباط لاكتشاف الكثير من الإجابات عن خفايا التوجهات الأمريكية تجاه المسلمين، والتقرير بعنوان: "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والإستراتيجيات"، ويرى التقرير أنهه لا يمكن إحداث الإصلاح المطلوب من دون فهم طبيعة الإسلام في المنطقة الذي يقف سدا منيعا أمام محاولات التغيير، وأنّ الحل يكمن في النظر إلى المسلمين عبر أربع فئات هي: مسلمين أصوليين، مسلمين تقليديين، مسلمين حداثيين ومسلمين علمانيين.

- فيما يتعلّق بالأصوليين: تقول "راند" يجب محاربتهم واستئصالهم والقضاء عليهم، وأفضلهم هو ميّتهم لأنّهم يعادون الديمقراطية والغرب ويتمسكون بما يسمى الجهاد وبالتفسير الدقيق للقرآن وأنهم يريدون أن يعيدوا الخلافة الإسلامية، ويجب الحذر منهم لأنّهم لا يعارضون استخدام الوسائل الحديثة والعلم في تحقيق أهدافهم وهم ذوو تمكن في الحجّة والمجادلة.

ويدخل في هذا الباب السلفيون السنة وأتباع تنظيم القاعدة والموالون لهم والمتعاطفون معهم و"الوّهابيون" كما يقول التقرير، والغريب أنهم أدرجوا أيضا حزب التحرير الإسلامي فقط لأنّه كما يقولون يسعى لإقامة الخلافة السلامية من جديد!! على الرغم من أنه لم يرتكب أي أعمال عنف ويكاد يكون الفصيل الوحيد الذي يمتلك منهاجا سياسيا واضحا ودستورا قائما على الإسلام "رغم مآخذ الكثيرين عليه".

- فيما يتعلق بالتقليديين: تقول "راند" يجب عدم إتاحة أي فرصة لهم للتحالف مع الأصوليين ويجب دعمهم وتثقيفهم ليشككوا بمبادئ الأصوليين وليصلوا إلى مستواهم في الحجّة والمجادلة، وفي هذا الإطار يجب تشجيع الاتجاهات الصوفية وبالتالي الشيعية (يقول ابن خلدون لولا التشيع لما كان التصوف)، ويجب دعم ونشر الفتاوى "الحنفية" لتقف في مقابل "الحنبلية" التي ترتكز عليها "الوهابية" وأفكار القاعدة وغيرها مع التشديد على دعم الفئة المنفتحة من هؤلاء التقليديين.

ويدخل في هذا الباب بطبيعة الحال الإخوان المسلمون والصوفية والشيعة ومن يراهم الأمريكيون "المعتدلون الآخرون" الذين يقبلوا الحوار والتقارب، على اعتبار أن التقرير يعرّف التقليديين والإسلام التقليدي بأنه يتضمن عوامل ديمقراطية يمكن من خلالها مواجهة وصد "الإسلام الأصولي"، ولكنهم لا يشكلون إطارا ملائما لتحقيق "الإسلام الديمقراطي"، على اعتبار أن هذا الدور يجب أن يقع على عاتق الكاهل الإسلاميين العصرانيين (الحداثيين) الذين يعترض طريقهم عوائق وقيود كثيرة تحدّ من تأثيرهم.

لذلك يجب أن ندعم التقليديين ضدّ الأصوليين لنظهر لجموع المسلمين والمتدينين وإلى الشباب والنساء من المسلمين في الغرب ما يلي عن الأصوليين:

دحض نظرّيتهم عن الإسلام وعن تفوقه وقدرته.

إظهار علاقات واتصالات مشبوهة لهم وغير قانونية.

التوعية عن العواقب الوخيمة لأعمال العنف التي يتخذونها.

إظهار هشاشة قدرتهم في الحكم وتخلّفهم.

تغذية عوامل الفرقة بينهم

دفع الصحفيين للبحث عن جميع المعلومات والوسائل التي تشوه سمعتهم وفسادهم ونفاقهم وسوء أدبهم وقلّة إيمانهم.

تجنب إظهار أي بادرة احترام لهم ولأعمالهم أو إظهارهم كأبطال وإنما كجبناء ومخبولين وقتلة ومجرمين كي لا يجتذبوا أحدا للتعاطف معهم.

* ماذا نستفيد من التقرير وما الهدف من الحوار والتقارب الأمريكي:

نستطيع أن نتبين من خلال الإستراتيجية الأمريكية التي عرضناها أن المستهدف من الحوار هم المسلمون التقليديون الذين يوصفون بالمعتدلين داخل الإخوان والمتصوفة والشيعة، وأنّ الهدف من هذا الحوار بكل اختصار: استخدام هؤلاء المسلمين لضرب الأصوليين والاستغناء عنهم فيما بعد عند نجاح المهمة لصالح الحداثيين والعلمانيين أو ما يمكن تسميته بالإسلام الليبرالي الأمريكي، وهذا من شأنه أن يوسّع خيارات الولايات المتحدة في التعامل مع العالم الإسلامي واللعب على التناقضات، دون أن ننسى ابتزازهم لأصدقائهم من الديكتاتوريات العربية بالتلويح بورقة الإسلاميين المعتدلين كبديل لهم لتقديم المزيد من التنازلات و"الانبطاحات".

وقد نجحت تجربة الولايات المتّحدة الأمريكية حتى الآن في الحوار مع الشيعة سواء من فوق الطاولة أو من تحتها، وذلك واضح في العراق وله ذيول في إيران ولبنان أيضا تتكشّف بين الحين والآخر. أما المتصوفّة فكانت البداية مذهلة معهم في تركيا، إلا أنه يبدو أنهم أدركوا أنّهم لم يكونوا المتصوفة الذين يرجوهم.

وعلى العموم، فإنه لا يمكن فهم التصريحات الأمريكية التي نقلها الزميل "طارق في مقاله" [من أنّ "وزيرة الخارجية "كونداليزا رايس" كشفت عن اقتناع الولايات المتحدة بأهمية التحاور مع الإسلاميين في المنطقة العربية، وأنها لا تخشى من وصول تيارات إسلامية إلى السلطة، وأنّ رايس لم تكن وحدها التي صرحت بهذا، فقد قال ريتشارد هاس مدير إدارة التخطيط السياسي بالوزارة نفسها إن الولايات المتحدة لا تخشى وصول تيارات إسلامية إلى السلطة لتحل محل الأنظمة القمعية العربية التي"تتسبب بتكميمها الأفواه في اندلاع أعمال الإرهاب، شريطة أن تصل عن طريق ديمقراطي وأن تتبنى الديمقراطية كوسيلة للحكم.] إلا في إطار الإستراتيجية البراغماتية التي شرحناها، وفي السياق الذي أوضحناه، والذي يتناقض مع ما توصّل إليه الزميل في مقاله من أنّ الحوار مع الإسلاميين يعود إلى:

1- رغبة الأمريكيين في التعرف أكثر على طبيعة هذه الحركات الإسلامية التي ظلت إلى عهد قريب مجهولة بالنسبة لها (فمن يتطرّق حتى لموضوع فتاوى حنفية وحنبلية كما بيّنا لا يمكنه أن يكون جاهلا بالحركات السلامية).

2- حاجة الولايات الماسة إلى تحسين صورتها في العالم الإسلامي بعد موجة الكراهية التي سادت، خاصة بعد الحرب على العراق وأفغانستان. (الجميع يعرف أن هذا النوع من الحوار يهدف إلى شق الصف الداخلي كما بيّنا واستغلال التناقضات، وليس من شأنه أن يحسّن أي شي من صورة الولايات المتّحدة بل سيزيد من وصفها بالنفاق والاستغلال على اعتبار أنها تسعى لإبقاء صلة وصل مع الديكتاتوريات وهذه الحركات على حد سواء لاستخدام أي منها عند الحاجة).

3- محاولة الولايات المتحدة ممارسة الضغوط على النظم العربية القائمة لتقديم تنازلات جديدة. ( نتّفق مع الزميل على هذه النقطة).

وإذ يكرر الزميل في مقاله من أنّ النموذج التركي شجّع الأمريكيين كثيرا على مد يد العون نحو الإسلاميين، نخالفه في ذلك ونشير إلى أن هذه مغالطة وقع فيها كثيرون نتيجة التضليل الإعلامي، فلو رصدنا مواقف هؤلاء الحلفاء المفترضين لوجدنا أنهم كانوا الأكثر إضرارا بالمصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة منذ وصولهم إلى الحكم سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، حيث كان موقفهم متقدّما جدّا على كثير ممّن يوصفون بالإسلاميين المتشددين سواء داخل الإخوان المسلمين أو خارجهم، ولو قارنّا موقفهم بمواقف الشيعة في إيران أو العرق من الولايات المتحدة على سبيل المثال، سنرى أنّ الفرق واضح جدّا. صحيح أن الأمريكيين كانوا يراهنون كثيرا على هذه "الطينة" الإسلامية في تركيا لدرجة أنهم كانوا يريدون إعطاء تركيا دورا دينيا وسياسيا ورياديا في ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير لإتباع نموذجهم الإسلامي إلا أن أمريكا صدمت بهم على الرغم من انفتاحهم واعتدالهم وتفهّمهم للآخر، وقد وصل الأمر بمطالبة رامسفيلد بمعاقبة تركيا على تصرفاتها، في حين أن وولفوفيتز قال: "يجب على تركيا أن تعترف بأخطائها وتقول للأمريكيين، نعم، إننا أخطأنا!، وتقرر كيف تساعد أمريكا بشكل أكبر" مستغربا كيف تجرأ تركيا أردوغان أن تقول لا للمطالب الأمريكية!!

* خلاصة عن علاقة أمريكا بالإسلاميين وتحذير "للإخوان والمعتدلين" الآخرين:

لا نستطيع أن نجزم بصحّة ما ذهب إليه الزميل "طارق ديلواني" في مقاله من أنّ الإسلاميين لم يعودوا "الفزاعة" بالنسبة للأمريكيين، فمعظم التقارير الإستراتيجية والميدانية مازالت تحذّر من الإسلاميين والتعامل معهم إلا عند الضرورة ولأهداف محددة (كما وضّحنا سابقا) خوفا من انفلات زمام الأمور دفعة واحدة من يد أمريكا وعودة الإسلام إلى المنطقة، فالحقد على السلام كبير جدا في الثقافة والمفهوم الغربي وهو عامل معادِ اقتصاديا وثقافيا ودينيا وأخلاقيا لهم، خاصة في حال نجاحه في العودة من جديد، ويؤدي إلى نسف مثالية الديمقراطية التي يروجون لها.

وفي النهاية نحذّر الإخوان المسلمين ومن يوصفون أيضا بالمعتدلين من خطورة هذا المنهج في حال ثبت أن لهم حوارا وتواصلا من هذا النوع مع أمريكا (لا نشك نحن بذلك)، ونذكّرهم أنّهم سيكونون مجرد أداة في يد الأمريكيين يستعملونها كما يشاءون، في حين أنّهم لن يكسبوا شيئا في المقابل بل سيخسرون ما بقي لهم من مصداقية في الشارع الموالي لهم، سيما أنهم خذلوا الشارع والمناصرين مرّات عديدة في هلاميّتهم ومواقفهم المطّاطة جدا و في هذا شواهد تاريخية كثيرة في مصر والأردن وليس آخرها في العراق.

فإن كان "ثمة تقارب وحوار بين أمريكا والإسلاميين على نسق الخطّة الأمريكية التي ذكرناها ...فبئس ذلك التقارب والحوار".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

TEXMEX

I agree 100%. That is exactly what they are after, "dived and concor" is thier strategey, and they are using it, yet again


سامي محمد عبد العزيز

السلام عليكم
بات واضحاً إستغلال الولايات المتحدة للإسلاميين التقليديين لضرب الأصوليين ولكن أرجو توضيح هل فعلاً سيوافق التقليديين من الإخوان على سبيل المثال على الإنسياق وراء رغبات أمريكا أم إنهم أدركوا هذه المكيدة سؤال يحتاج إلى إجابة!!!!!