آخر الأخبار

أمريكا والانهيار الحضاري...حقيقة أم وهم؟! 2-2

2005-4-27 | أمريكا والانهيار الحضاري...حقيقة أم وهم؟! 2-2

هذا هو السؤال الوجيه الذي يجب أن يطرحه الساسة الأمريكان لو كانوا يعقلون: لماذا حصل لنا ما حصل؟!

نعم...إنَّ من المهم أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال، ثمَّ يبحثوا في الأسباب التي أَلَّبت هؤلاء الشباب المسلمين ليضربوا برجيها ضربة تاريخية، لا أن يتساءلوا تساؤل المظلومين وكأنهم لم يقترفوا شيئاً من الجرائم في تأريخ الإنسانية، كتساؤل بوش حين ضربت أمريكا قائلاً: لماذا يكرهوننا؟!، فيقال له: سل نفسك وابحث عن مكمن السبب، فهو أمر أوضح من الشمس في رابعة النهار، وجوابه بكل تأكيد: ظلمتم المسلمين والإنسانية جمعاء فسلَّط الله عليكم ما لم تحسبوا له حسابا، ومع ذلك فقد بقيتم في إضرام نار المعركة، لأنَّكم تريدون أن تستردوا هيبتكم بعد أن صفعتم على مرأى من الناس، واقترفتم في حق المسلمين ما لم تقترفه أي أمة في حقهم، ولهذا فالتهديدات التي تأتيكم من هنا وهناك ومن عدة جماعات مسلحة تنتسب إلى الإسلام لتضربكم في قعر داركم مرَّة أخرى ما هي إلا بسبب ما اقترفتم به في حق المسلمين، بغض النظر عن شرعية الفعل أم عدمه، وقد صدَّق هذا القول أناس كفار حين رأوا الإجرام الأمريكي في تعامله مع دول الشرق الأوسط التعامل الممقوت ومنهم الأستاذ الأمريكي (وارد تشرشل) في جامعة كولورادو الأمريكية حيث قال: (إنَّ 11سبتمبر نتيجة طبيعية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وحملة الإبادة الجماعية ضد العراق) ولذلك شنَّ اللوبي الصهيوني، واليمين المتشدد، حملة دعائية ضده مطالبة بعزله من السلك التعليمي، وحين واجه ذاك تشرشل ردَّ عليهم، قائلاً (لن أتراجع قيد أنملة.....أنا لست مديناً لأحد بالاعتذار)، وهذا السفير البريطاني السابق في روما يقول منتقداً النتائج السلبية لسياسة بوش في حرب ما يسمى بالإرهاب حيث يقول: (بوش خير من يجند للقاعدة)، ولنذكر مثلاً أخيراً من كلام أحد المقايضين للعنترية الأمريكية، فالمحلل السياسي (ديفيد ديوك) وهو مرشح سابق للرئاسة وعضو سابق في مجلس النواب عن ولاية(لويزيانا) يقول في مقال له بعنوان: "لماذا هوجمت أمريكا": (يجب علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية كي نضع في الاعتبار الأسباب الحقيقية وراء كره العالم لنا، إذا اكتملت كل الحقائق لدينا- بدلاً من العبارات الممجوجة والمستهلكة مثل(الهجوم على الحرية)، عندها فقط نستطيع أن نقرر ما هي أفضل السبل لحماية شعبنا في المستقبل).

5 - المكر والمراوغة والدجل السياسي، والنفاق المبطَّن، والخداع الكاذب، والتهرب من الحقيقة، وهو منطق فرعون حين قال: (ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطَّلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين)، ويذكر أنَّ لينين حين أسَّس الاتحاد السوفيتي أعلن مبدأه المعروف (اكذب واكذب حتى يصدقك الناس)، وهذا الأسلوب تمارسه الإدارة الأمريكية وبدهاء، لإخفاء الحقائق عن الناس، فالمرشح الأمريكي جون كيري كان يقول للشعب الأمريكي، كما في إحدى المقالات التي نشرت في نيويورك في الأشهر الأخيرة: (إنَّ أمريكا ستواصل الضغط على الدول العربية لوقف الإساءة إلى اليهود وإثارة الكراهية ضدهم)، وهذا كولن باول يقول في مؤتمر صحفي في العراق(نحن لسنا محتلين...لقد جئناكم كمحررين...لقد حررنا عدداً من البلدان ولا نملك شبراً واحداً في أي من تلك البلاد اللهم إلا حيث ندفن موتانا)، وممَّن بيَّن نفاق كولن باول ودجله السياسي؛ المفكر الأمريكي الراحل (إدوارد سعيد)، حيث كتب: (إنَّ كولن باول وصل في خطابه للأمم المتحدة، والهادف إلى سوقها إلى الحرب، إلى حضيض من الرياء الأخلاقي والغش السياسي)، ولو أتى رجل لم يعرف بأمور السياسة شيئاً لقال بعد سماعه خطاب باول السابق ذكره إنَّ هذا الرجل بريء جداً وللغاية، وهو لا يريد إلا الخير للناس والإنسانية جمعاء!!

لقد ذكرني هذا الرجل الطعن بمثل أحفظه من قديم عن مثل هؤلاء الساسة وهو: (تكلم بلطف واحمل عصاً غليظة) وصدق من قال: ما جئت تنشر سلماً في مواطننا لكن أتيت بتضليل وتمويه ، فهؤلاء القادة شابهوا فرعون في خطاباته حين كان يقلب الحقائق، ويكذب على الناس، ويتلاعب بعقول البسطاء بقوله عن موسى -عليه السلام-: (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) وكم سمعنا من دهاقنة الإجرام الأمريكي، أنهم ما أتوا للشرق الأوسط إلا لنشر قيم الحرية والتسامح، والديمقراطية والعدالة، ومن ذلك قول الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض سكون ماكميلان: (إنَّ الطريقة الأفضل لتكريم كلِّ الذين فقدوا حياتهم في الحرب ضد الإرهاب هي مواصلة شنِّ حرب مكثفة ونشر السلام في المناطق الخطرة في العالم)، ونقول:

لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت عظيم

والعجيب أنَّ هؤلاء الجلاوزة يتحدثون بهذا الحديث أمام شعوبهم وشعوبهم المخدرة الغافلة تصفق لهم وتهتف؛ ظانين أنهم هم رعايا السلام وحمائم العدالة،وقد شابه رؤساء أمريكا في استخفافهم بشعوبهم؛ فرعون حيث قال تعالى عنه: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين)، ومع ذلك فهؤلاء القادة ومع جرائمهم التي لا تحصر يرفعون شعارات العدالة والحرية، وكلهم حقد دفين على الإسلام، ويتعاملون مع أبناءه بسياسة الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير، ويزداد العجب حين نجد أنَّ أمريكا تدعم انفصال تيمور الشرقية النصرانية عن أندونسيا، وتحمي وتساند حركة الانفصال في جنوب السودان، وبالمقابل فإنَّها تبقي كشمير المسلمة أسيرة في أيدي الهندوس، وفلسطين أسيرة في أيدي يهود، ومع ذلك ينادون بأهمية مكافحة الإرهاب، وإيقاف إفساد الجماعات المسلحة في شعوب الأرض، وما علموا بل يعلمون ويتجاهلون أنهم على رأس الإرهاب، والإفساد بكل معانيه.

ومن أجمل ما قرأت في هذا الصدد ما قاله الملياردير الأمريكي جورج سوروس متحدثاً عن ازدواجية الإدارة الأمريكية:(الرئيس بوش عندما يتحدث عن ضرورة بقاء الحرية، فإنَّه يقصد بذلك ضرورة بقاء الولايات المتحدة!!). ويأخذنا الدهشة حينما نقرأ ما نقل عن بوش وكأنه الرجل المكافح لإبقاء روح السلام بين شعوب العالم قائلاً: (من أجل مستقبل الحضارة يجب ألا نسمح لأسوأ قادة العالم بتطوير ونشر أسلحة الدمار الشامل لابتزاز بلدان العالم).

والحقيقة أنَّ من يستمع لكلام هذا الرجل وهو جاهل بما تفعله أمريكا يظنُّ أنَّ هذه الدولة ليس عندها مصنعاً واحداً لأسلحة الدمار الشامل الذرية أو النووية أو الكيماوية أو غيرها،، وكأنَّ الذي دمَّر وهشم هيروشيما مجموعة قراصنة أو عصابات ألمافيا، ولم تكن ترتضيه أمريكا...مع أنَّه وفي وقت متأخر، كشفت صحيفة (هيوستن كرونيكل) النقاب عن مصنعٍ في ولاية لويزيانا الأمريكية تنتج غاز الخردل السام، والذي يعتبر أحد أكثر الأسلحة الكيماوية خطورة في العالم، إذ يكفي سقوط قطرة واحدة منه على بشرة أي إنسان تسبب وفاته خلال دقيقة على أبعد تقدير، ويذكر أن معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية التي صدَّقت عليها الولايات المتحدة في العام الماضي، تمنع الإنتاج المقصود لكل مشتقات الخردل، وكشفت الصحيفة عن أن المصنع يستخدم أيضاً مركباً كيماوياً آخر يعرف باسم (كلوريد الإثيلين) وهو سائل يهاجم الكبد والرئتين والكلى، ويمكن أن يسبب السرطان أيضاً!! ، ومن تلاعب بوش بشعبه الساذج ما قاله أيام الانتخابات الرئاسية لهم: (أعطوني أربع سنوات إضافية وستنعم الولايات المتحدة بمزيد من الأمان وتصبح أفضل وأقوى)، ورحم الله سيد قطب حيث كتب:(فهل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال الوثني ،عن موسى عليه السلام: "إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد"، أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح ؟! أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟! أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ؟ إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق بالباطل، والإيمان بالكفر، والصلاح بالطغيان على توالي الزمان واختلاف المكان، والقصة قديمة مكررة تعرض بين الحين والحين)، وبعد ذلك فإني أدع المجال للقارئ الكريم ليقارن خطابات الطغاة السابقين مع أحد خطابات بوش حيث وقف متحدثاً أمام الكونغرس حول قضية أفغانستان قائلاً:(الرجال والنساء الأفغان الآن أمَّة حرة تحارب الإرهاب وفخورة بأبناءها!! ).

6- سياسة الطرد والإبعاد والسجن لكل رجل خالفهم، وغياب روح التسامح، وحرية الرأي المزعومة! تحت الحجج الواهية وهو منطق من قال (أخرجوهم من قريتكم) ومنطق قوم شعيب حين قال أخبرنا تعالى بأنَّهم قالوا (وقال الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب من قريتنا أو لتعودن في ملتنا)الأعراف(88)، ولا شك أنَّ هذا أمر واضح بياناً عياناً، فكم من شيخ كبير أسرته هذه الدولة بتهم باطلة أو ملفقة عليه وسجنته عدة سنوات لأنه يقول ربي الله، وكم من داعية ضيق الخناق عليه فخرج من ديارهم إمَّا مكرهاً وإمَّا لسوء التعامل معه والاضطهاد والأذى، وبهذه الفظاظة .

فلا يعجب المرء حين يجد أن هناك جماعات في بلاد الإسلام تقتل الأمريكي ولو كان مستأمناً أو حتى معارضاً لسياسة بوش وزبانيته بسبب كفره بالله ، ولشدة ما يلاقيه المسلمون في أمريكا من المضايقات القولية أو الفعلية، وفي هذا المقام أتذكر قول الكاتب الأمريكي(نورمان ميلر) حين قال:(أمريكا أصبحت أكثر فظاظة، وربما أصبح العالم كلَّه يسير في هذا الطريق؛لأننا نقوم بتصدير هذه الفظاظة، إنَّها واحدة من أكبر سلعنا الثقافية: اللغو)، وحين نسترجع ذاكرتنا

ونرى ما فعلته أمريكا من الطرد والإبعاد والإهانة والسجن والتقتيل سواء قبل ضربة أمريكا أو بعدها لوجدناه أمر يصعب حصره، ويملُّ الإنسان من ذكره، للكثرة الكاثرة من عمليات السحق والسجن والإبادة. لقد قال (جيف سيمونر) في كتابه (حرب الخليج وحرب العراق) عن هذه المأساة :(أعرف مراقبين غربيين أصيبوا بالكآبة والانهيار العصبي بسبب ما شاهدوه من التعذيب الأمريكي لأطفال العراق).

ولو تذكرنا ما لاقاه المسلمون في سجون غوانتنامو تحت إشراف الطغمة الأمريكية من الأذى والتنكيل ومحاولة إطفاء السجاير في أدبار المعتقلين والبول على القرآن أمامهم واستفزازهم جنسياً وحبسهم عراة ينظر المعتقل لعورة الآخر، وتربيطهم عدَّة أسابيع بحبال موثقة مع إحناء ظهورهم، وتكميم وجوههم ليصابوا بالأمراض العضوية والنفسية، وكل ذلك سمع به العالم!! وكم سمعنا من أناس كانوا معتقلين في هذه المعتقلات أجريت معهم لقاءات وحوارات سواء في المجلات أو مواقع الأنترنت أو الفضائيات ليذكروا الوحشية الأمريكية في التعامل مع أسرى الحرب و لا ننسى كذلك ما تعرَّض له إخواننا في سجن أبي غريب في العراق، فقد التقط الجندي الأمريكي "جوزيف داربي" ألفي صورة عبر كاميرا إليكترونية حديثة من سوق المعتقلين العراقيين عرايا، وتوصيلهم بالأسلاك الكهربائية، وإجبارهم على ممارسة الشذوذ بعضهم مع بعض واغتصاب للفتيات. بل اعترف قادة أمريكيون في محضر سري بأنَّ كلاباً مدربة التهمت الأعضاء الذكرية لـ(3) معتقلا ماتوا جميعاً، ومصرع (6)طفلاً عراقياً بعد تقطيع أطرافهم أمام أمَّهاتهم في سجن أبي غريب، وكذلك وفاة العديد من النساء العراقيات بالصدمة بعد إطلاق الكلاب للتحرش الجنسي بهن، واستخدام (12) أسلوباً للتعذيب النفسي، وكانت هذه الأساليب مقترحة من البنتاغون، مع الاغتصاب العلني الجماعي للمعتقلات العراقيات)، وما قصة المجاهدة الشهيدة -بإذن الله- فاطمة العراقية عنَّا ببعيد، حيث ذكرت برسالة أرسلتها قبل أن تستشهد أنه في يوم واحد اغتصبت تسع مرَّات، مع الإجرام في التعامل معها في اغتصابها وإجبارها على ذلك، وهي تتأبى وترفض، رحمها الله رحمة واسعة، ورفع درجتها في عليين، وأسكنها مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا شك أنَّ هذا هو المنطق الذي تحدث عنه الله -جلَّ جلاله- حين أخبر محمدا صلى الله عليه وسلم عن نوايا الكفار تجاهه:(وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) أفبعد ذلك يدعى أنَّ أمريكا راعية السلام، كلا بل هي راعية الحِمَام ، فهو الوصف اللائق بها، وكذب من ادَّعى بأنَّ لديها الحرية، أو من قال بذلك من أحد كبرائها فإنما هي حرية الاستغلال والنفعية لأجل المصلحة الخاصة بها ليس إلا!!.

ولن يصف بنو الإسلام هذه الدولة بأنها حاملة الحرية والعدالة، فإنَّ لأهل الحرية علامات، ولمنتسبي العدالة منهج يقوم على القسط والتحري، وصدق من قال: وكيف يصحُّ أن تدعى حكيماً وأنت لكل ما تهوى ركوب.

وإن كانت أمريكا بلاد حرية حقاً فلماذا يضيق الخناق على بعض أبنائها المفكرين المعارضين لحروبهم الإرهابية، بل ومنعهم من الحديث في الفضائيات الرسمية، لماذا يفعل ذلك؟ أليست أمريكا بلاد الحرية وشعارها تمثال الحرية؟ فلماذا يمنع الكتاب المناوئين لها من الكتابة في بعض صحفهم، أو الحديث أمام الشعب الأمريكي لتوعيته بإجرامية الحرب الأمريكية؟ فأين الحرية؟ يا أدعياء السلام والحرية؟ ولقد بان كذب الشمطاء كوندوليزارايس، حين قالت: (القيم الأمريكية قيم عالمية يستطيع الشعب أن يقول ما يفكر به، وأن يعتقد بما يشاء)، فنقول ليفسح التلفاز الأمريكي للمناهضين لحروبكم الإرهابية، أليسوا هم مفكرين وقيمكم تسمح لمن يفكر بأن يقول ما يفكر به ويعتقده، فلتفسحوا المجال للكثير من الكتَّاب الذين منعوا من الكتابة في صحف أمريكا أو الحديث في الفضائيات الأمريكية بسبب معارضتهم لحروبكم الجائرة، ولا يزال يساورنا العجب من فعلة (رتشارد بوتشي) الناطق باسم الخارجية الأمريكية، إزاء مقال الكاتبة السعودية أميمة الجلاهمة عن فطير صهيون، وهي حادثة تأريخية وثَّقها جمع من المعنيين، فقد رأى فيها رتشارد تحريضاً ضد السامية، وعلى إثره تمَّ فصل الكاتبة من الجريدة التي نشرت المقال، ومنعت من الكتابة فيها!! فأين الحرية يا أدعياءها؟!

وهذا نعوم تشومسكي، والذي ضيق عليه في الإعلام الأمريكي، وهو وإن كان يهوديا كافراًً فإنَّ له مواقف مُشَرِّفة في الدفاع عن بعض القضايا الإسلامية وفضح النظام الأمريكي، حتى إنَه وصف هذه الدولة في آخر كتبه التي أصدرها بأنَّها (الدولة المارقة) ووضع عنوان الكتاب بهذا الوصف، ومن جميل ما وصف به هذا الكتاب ما قالته (الاندبندنت أون لاين سانداي) بأنَّ (الدولة المارقة عبارة عن مضبطة اتهامات يجب أن ترمى بحجر في وجوه مسئولي الإدارة الأمريكية في واشنطن)، بل ألَّف رجل آخر وهو (وليم بلوما) كتاباً سماه (الدولة المارقة)، وذلك لما رآه من سياسات الإجرام التي تمارسها الإدارة الأمريكية.

وحينئذٍ فهل بعد هذه الجرائم المرتكبة من رؤساء هذه الدولة الطاغية، تجعلهم في الصدارة والريادة؟! أم أنَّهم يظنون أنَّ أفعالهم تلك سترفع منزلتهم عند الله أو عند خلقه الضعفاء؟!كلا ، فإنَّه سبحانه وتعالى يقول: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله وليَّاً ولا نصيراً) النساء (123).

إنَّ سنن الله جارية ماضية وهي لا تحابي أحداً ولا تجاري دولاً، ولن يبقى على ظهر هذه الأرض إلا الحق السامق، وستزول بعدها رايات الكفر والإفك والظلم، ولقد تفرَّس الكثير من أبناء هذه الدولة بزوالها حين رأوا ما اقترفت، وأدرك البعض الآخر مكمن الخطر فبدأ يصيح في آذان الأمريكان بعنوان: أدركوا أنفسكم قبل فوات الأوان!! . ولقد قالها توماس جيفرسون في كتابه (ملاحظات عن ولاية فرجينيا عام 1784ـ1785م)، بعد أن رأى ملامح الفساد ينخر في القيم الأمريكية فقال: (أرتجف خوفاً على بلادي عندما أفكِّر بأنَّ الله عادل!! ).

وحين فاز كلينتون وأيده الرأي العام الشعبي الأمريكي وانتخبه على الرغم من معرفته بتورطه مع مونيكا ليونيسكي في فضيحة خُلُقِيَّة، علَّق المؤرخ الأمريكي (تيد هاير) على ذلك فقال:(إنَّ أمَّة تقبل أن يقودها شخص على هذا القدر من الانحطاط الأخلاقي لا يمكن أن تستمر في تبوء قيادة هذا العالم)، ويقول السناتور(توم هاركن) ممثل ولاية(ايوا) الأمريكية في مجلس الشيوخ: (إنَّ بوش وجماعته اليمينية يجب أن يطردوا من البيت الأبيض لأنهم يقودون أمريكا إلى الخراب في كلِّ مجال).

وهذه العجوز وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (مادلين أولبرايت) تقول عن بوش:(الرئيس دمَّر سمعتنا ودمَّر مصداقيتنا وهيبتنا الأخلاقية، إنَّ العالم اليوم في فوضى)، وبناءً على ذلك فهل يظنَّ ظان بأنَّ هذه الدولة ستبقى باقية أبد الدهر كما هو الرأي الذي مشى عليه فوكوياما وغيره.

إنَّ غمامة الإجرام الأمريكية التي ظلَّلت العالم منذ قرن من الزمان وآذتهم بشتى أساليب الإيذاء، وتعدت على دمائهم بل تغذَّت عليها، إنَّ هذه الهمجية التي تتعامل معها أمريكا مع شعوب الأرض لن تبقى، كيف والله قد توعد الظلمة بالإهلاك، وعدم المكوث الرئاسي على هذه الأرض.

لقد بشَّر الكثير من مفكري أمريكا بسقوط هذه الدولة، وعدم بقائها على ظهر البسيطة، لأنها تعدت في حقوق الحق، وفي حقوق الخلق، ومن ذلك ما قاله توماس شيتوم وهو من قدماء المحاربين في فيتنام وصاحب كتاب الحرب الأهلية الثانية: (أمريكا ولدت في الدماء، ورضعت الدماء، وأتخمت دماء، وتعملقت على الدماء، ولسوف تغرق في الدماء!! ).

وصدق، فإنَّ أمريكا حين أهينت كرامتها في ضربة سبتمبر، أرادت أن تستعيد كرامتها بالنيل من دماء المسلمين وتكوين الأحلاف ترغيباً وترهيباً ليواكبوها في حملتها ضد ما يسمى بالإرهاب، ولا أشبهها إلا بكفار قريش وطغاتهم، حين استنقذوا القافلة التي كانت متوجهة من الشام إلى مكة وفيها من الأحمال والقوت الشيء الكثير، ولمَّا انتدبت سرية من سرايا الإسلام لتستولي على هذه القافلة، ولم يتمكنوا من ذلك، لحماية كفار قريش لها، أرادوا بعدئذٍ أن يرجعوا إلى مكة بعد حمايتهم للقافلة، ولكن رؤساء الكفر، ورموز الغرور في الأرض، أرادوا أن يتغطرسوا وينتفشوا أمام كفار العرب ومن حالفهم، فقال أبو جهل لا والله لن نذهب إلى مكة، بل سنبقى في مكاننا هذا مدَّة ثلاثة أيام تغني لنا فيها القيان، وتُذبحُ لنا الجزور، حتى يتسامع العرب بأنَّ قريش قوة لن تغلب، ودولة لن تقهر أو تكسر، فماذا فعل لهم غرورهم ذاك؟!. ولقد حذَّر الله تعالى عباده من مشابهة الكافرين بطراً وكبراً فقال: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله) الأنفال(47)، وحين قامت معركة بدر حطَّم ثلَّة من سرايا الجهاد جبروت كفار قريش، وقتلوا قادتهم، وكان منهم أبو جهل، بل أجهز عليه حدثان صغيران من شباب الإسلام، لينطفئ الكبر الجاهلي المزروع في قلب أبي جهل ، وليعلو عليه ، أصغر القوم سنَّا ، معاذ ومعوذ ، وأقلُّهم مالاً وجسماً ، عبد الله بن مسعود ، وليرتقي المرتقى السهل على جثَّة أبي جهل الهامدة ، وهو يغرغر ، ليعلم الطغاة أنَّ مصيرهم في الدنيا إلى سفال ، ومصيرهم في الآخرة إلى جحيم ووبال ، وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة مثل الذر يطئهم الناس بأقدامهم).

وختاماً/ فإنَّ قيادة الأمم، وريادة الشعوب راجعة إلى هذه الأمة الإسلامية بلا محالة بعز عزيز أو بذل ذليل عزَّا ًيعزُّ الله به الإسلام وأهله، وذلَّا يذلُّ الله به الكفر وأهله، فأمريكا الطاغية لن تبقى باقية، ورسول الهدى عليه السلام علَّمنا بأنَّه (حقٌ على الله ألَّا يرتفع شيء من الدنيا إلَّا وضعه).

ولتسقط أمريكا، فورق التوت قد ذبل وتساقط ولم يطق العيش مع مزوِّري الحقائق، حينها ترامى على الأرض لتنكشف عورات الرئاسة الأمريكية (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة)

يا دامي العينين والكفين إنَّ الليل زائل

لا غرفة التعذيب باقية ولا زَرْدُ السلاسل

وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل

فأمَّة كافرة ظالمة متكبرة كاذبة مزورة للحقائق مدعية الربوبية ومفسدة في الأرض ومجرمة في حقوق الحق والخلق هل ستبقى في علو وارتفاع، وينيلها الله —جلَّ وتعالى- الدرجات العلى يوم القيامة؟! كلَّا فقد قال تعالى:(تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)القصص(83).

فأبشري أمَّة الإسلام وأمِّلي الخير من ربك، وتفاءلوا يا جند الرحمن، واصبروا وصابروا ورابطوا ، فإنَّ سقوط دولة طاغية لا يتمُّ بين عشية وضحاها ، فالاحتضار قد يطول ، والله عزَّ وجلَّ حين بشَّر المسلمين بسقوط الفرس وهزيمتهم أمام الروم قال:(ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون)(الروم1ـ6).

لكن لنعلم أننا إذا أردنا خلافة الأرض والتصدر لقيادة الأمم وحكمها بالإسلام، فإنَّه تعالى قد طلب منَّا طلبين: الإيمان به حقَّ الإيمان والعمل الصالح فإن حقَّقناهما فسيعطينا مقابلها أربعة ، وتأمل قوله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ولَيُمَكِّنَنَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)، سورة النور(55) فلنتفاءل ولنمضِ على طريق الإباء ، فإنَّ مما يبشرنا أنَّ الأمة الإسلامية ولله الحمد أمَّة شابة نامية ولود، وراجعة لكتاب لربها وسنة رسولها، ولا أدلَّ على ذلك من هذه الصحوة الإسلامية، واليقظة العلمية الفكرية الجهادية الدعوية في أوساط شباب الأمة..وهاهو المارد الإسلامي ينتفض ويخلع عنه ثوب الانكسار، وأوهاق الكسل، بهبة إيمانية، وشبَّة عمرية، وعزمة علية...

ستشبُّ كالبركان يقظة أمة والفجر من خلف الدياجي مقبل

ولست والله مغرقاً في التفاؤل، ولا متحمساً بالتعبير عن عودة الكثير من أبناء هذه الأمة لدينها القويم، والاستمساك بحبله المتين، فمن يقارن واقع المسلمين الآن وواقعهم، قبل قرن أو أقل قليلاً سيجد بوناً شاسعاً، وفرقاً هائلاً، ولن

أفرط في ذلك، فإنَّ غداً لناظره قريب، والأيام حبالى والدات كل أمر جديد.

لا لن نذل فهذه راياتنا رغم العواصف والدجى لم تحجم

لا عزَّ إلا بالكتاب يقودنا أكرم بأحسن قائد ومعلم

فيا رجل الإسلام امض واقتحم...أنت لها، فالنصر عن قريب، بسواعد الإيمان المتوضئة، وبالقلوب النقية الطاهرة، وبالسير على منهج سلف الأمة عقيدة وعبادة وعلماً ودعوة وعملاً وجهاداً...تنصر الأمة، وتزقزق عصافير الترحاب، وتهدل حمائم السلام لأمة السلام، ويعلو الخير في سماءنا الزرقاء، وتبقى البشرية في سعادة وهناء تحت ظلِّ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ولن يخيب الله الظن، ولن يرد الأمل، فهو معنا وناصرنا، وهل يخذل الإله الحق معبوده المتمرغ له بعبادته على ظهر البسيطة؟!!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر