العراق في الحوار السياسي الأمريكي

2005-4-26 | العراق في الحوار السياسي الأمريكي

لا يعكس الخطاب الرسمي الأمريكي في الشأن العراقي رؤية أغلبية الطبقة السياسية والثقافية الأميركية. إذ يبدو واضحا من خلال لقائنا بعدد من المسئولين والمثقفين الأميركان أنّ هناك حالة من الاستقطاب الشديد في هذه الطبقة، وأنّ هناك شكوكا جوهرية حول حقيقة ما يجري في العراق ومدى نجاح الإدارة الأميركية بخلق نموذج عراقي ديمقراطي يكون محفزا لدول وشعوب المنطقة العربية لولوج عصر التغيير والإصلاح. وفي الوقت الذي تحاول إدارة بوش وتيار ثقافي وسياسي أميركي الإيحاء بإنجاز إستراتيجي كبير في العراق، يرى تيار آخر أن العراق هو مأزق سياسي واقتصادي خطير أوقعت به الإدارة الأميركية شعبها.

بلا شك هناك قضايا تمثل رؤية مشتركة يتوافق عليها تيار عريض في السياسة الأمريكية، ومنها أن التخلص من صدام كان جيدا لكل من الولايات المتحدة والشعب العراقي، وأنّ هناك مصلحة أميركية استراتيجية بنجاح العملية السياسية في العراق وتخفيض عدد القوات الأميركية الموجودة هناك، كما أنّ هناك تزايدا في إدراك السياسيين والمثقفين الأميركان لخطورة استبعاد السنة من العملية السياسية، الأمر الذي يعني أن الإدارة الأميركية ستسعى في المرحلة القريبة القادمة إلى دفع السنة للمشاركة في الحياة السياسية؛ مما يحقق جملة من المصالح الأميركية الأساسية، أهمها عزل المقاومة عن المجتمع السني وتجفيف منابع التأييد الاجتماعي لها، فتفقد رافدا حيويا مهما، وكذلك إيجاد نوع من التوازن يمنع استئثار الشيعة بإدارة الحياة السياسية. ووفقا لمسؤول في وزارة الخارجية الأميركية فإن نجاح العملية السياسية العراقية يتطلب مشاركة السنة كي يقف السنة والشيعة معا ليشكلوا قوة سياسية في مواجهة القوة الشيعية، مما يضمن حيوية وديمومة الحياة السياسية وتبادل المصالح بين الأطراف الرئيسة.

لكن حالة التوافق السابقة يوازيها مساحة واسعة من الاختلاف حول ما تم تحقيقه فعلا في العراق وما يتم التخطيط له لاحقا، إذ يقول خبير في الاقتصاد الأميركي أن حرب العراق الأخيرة كانت بمثابة الكارثة للاقتصاد القومي الأميركي، وأنها كلفت الميزانية الأميركية مبالغ طائلة، وأن من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها الإدارة الأميركية أنها تجاوزت حلفاءها وقررت تحمل مسؤولية الحرب وحدها، وهذا يمثل نقطة اختلاف جوهرية عن حرب الخليج الأولى التي ساهم في تكاليفها العديد من الدول. وفي الوقت الذي يعتبر فيه عدد كبير من المثقفين الأميركان أن نظام صدام حسين كان يمثل تهديدا للمصالح الأميركية إلا أنهم يرون أن التخطيط لمرحلة ما بعد صدام كان قاصرا وأن أخطاء كبيرة ارتكبت بها، كحل الجيش العراقي واستعداء عناصر حزب البعث خاصة من يمثلون الطبقة الوسطى والدنيا. وكذلك في تقدير عدد القوات الأميركية المطلوب لفترة ما بعد الحرب.

في هذا السياق يشير مسؤول أميركي في وزارة الخارجية قام بدور كبير في المرحلة الأخيرة - في مجال التخطيط السياسي في العراق- إلى أن المرحلة التي تلت الحرب خلال فترة الحكم الانتقالي شابها الكثير من الأخطاء وفي مقدمتها البروز المبالغ فيه للمسئولين الأميركان مما جعل المجلس الانتقالي والمؤسسات العراقية في تلك المرحلة تبدو وكأنها أدوات بيد الإدارة الأميركية، ففقدت جزءا كبيرا من مصداقيتها لدى الشعب العراقي. في حين كانت التوصية واضحة في الشهور الأخيرة للموظفين والمسئولين الأميركان في العراق بعدم الظهور الإعلامي وترك المجال للإدارة العراقية الجديدة للظهور والحديث عن الانتخابات وعن مختلف القضايا بما فيها القضايا الأمنية.

وفي نفس الاتجاه من قراءة التجربة العراقية والأخطاء التي ارتكبت بها إلى الآن أصدر الخبير الأميركي -بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية- أنتوني كوردسمان مؤخرا كتابا بعنوان "الحرب بعد الحرب: دروس إستراتيجية من العراق وأفغانستان"، ويتضمن الكتاب دراسة تحليلية للتجربة الأميركية في العراق والسيناريوهات المتوقعة للتدخل الأميركي مستقبلا في مناطق أخرى من العالم، كما يتضمن عددا كبيرا من التوصيات. ومن القضايا الرئيسة التي يطرحها كوردسمان أن الإدارة الأميركية قد أخفقت تماما في التحضير لفترة ما بعد الحرب والتي تسمى في الأدبيات الأميركية ببناء الأمم بما في ذلك مواجهة التحديات الأمنية الرئيسة.

وفي الوقت الذي يرى فيه كوردسمان أن "سياسة الاحتواء" لم تكن تجدي مع الأعداء من أمثال نظام صدام والقاعدة وطالبان، إلا أن هذا لا ينفي أهمية الاستفادة من الأخطاء والدروس التي حدثت في العراق، والذي يمثل حالة اختبار لكيفية إدماج كافة التحديات الإقليمية في دولة واحدة. ويتفحص كوردسمان في دراسته العديد من القضايا المحددة لمستقبل العراق ومن أبرزها التحدي الديمغرافي في ظل مشكلة البطالة والفقر وانعدام فرص العمل وضعف المخرجات التعليمية، الأمر الذي يعني على المدى القريب تحديا حقيقيا لبناء مستقبل العراق، وكذلك مسألة افتقار العراقيين إلى القدرة على بناء قيادات سياسية بسبب فترة عقود من الحكم الديكتاتوري الذي حال دون بروز قيادات شعبية وسياسية وبناء تقاليد لتكون هذه القيادات وغياب مؤسسات الدولة والمجتمع المدني القادرة على صناعة هذه القيادات، كما أن هناك مصداقية شعبية ضعيفة للقيادات القادمة من الخارج، وصعوبة كبيرة في بناء القيادات السياسية في ظل مجتمع يشهد حالة من الاستقطاب الطائفي والعرقي الشديدة. وهناك تحدي الاقتصاد والاستثمار والزراعة...الخ.

وما يمكن أن نلمسه من دراسة كوردسمان ومن الاختلاف الكبير داخل الطبقة السياسية والثقافية الأميركية أنها لا تعبر عن لون واحد في التعامل مع المسألة العراقية، بل هناك تنوع وتعدد في الآراء والأفكار وهناك مجال واسع لانتقاد أداء السياسة الأميركية الحالية في العراق. لكن في نفس الوقت هذا لم يمنع الجميع من المشاركة في التفكير والتحليل وتقديم التوصيات الموضوعية للتعامل مع الوضع في العراق سواء اعتبروه نجاحا باهرا أم مأزقا خطيرا!.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر