إضاءات على 'المسكوت عنه' في الانتخابات السعودية

2005-4-25 | محمود سلطان إضاءات على 'المسكوت عنه' في الانتخابات السعودية

أن تنظم "انتخابات" في المملكة العربية السعودية، فهذا بلا شك حدث مهم، لا يمكن تجاهله بحال، ولذا لست مع من انتقد "مجلة العصر" لتغطيتها هذا التحول السياسي الهام، في بلد كان حتى وقت قريب، الحديث عن انتخابات فيه، كمن شاء إضافة "عجيبة ثامنة" إلى "عجائب الدنيا السبع"!.

السعودية بلد كبير، وذات وزن إقليمي مؤثر في منطقة الخليج، وقوة نفطية ومالية تفرض على العالم احترامه من جهة، ومتابعة علاقات وتبدلات القوى بين مكونات نظامه الاجتماعي والسياسي الداخلي من جهة أخرى.

وفي تقديري أن مستقبل "الديمقراطية الخليجية"، سيظل مربوطا بقاطرة التطورات السياسية بالسعودية، فالأخيرة ليست البحرين أو الكويت أو قطر، إنها "القائد الخليجي" الذي ستمتد نجاحاته أو انتكاساته لتصيب "دول الهامش" بالخليج بنجاحات أو انتكاسات مماثلة.

هذا الاستهلال مهم لتقدير "الحدث" ووزنه بما هو أهله، بيد أن النتيجة النهائية لهذه التجربة البكر، كان بلا شك مهما ومفاجئا، قد يرى البعض أنه ليس ثمة مفاجأة في الأمر ولا داعي للمبالغة في قراءة النتائج، على أساس أن نجاح الإسلاميين في الانتخابات، كان متوقعا في مجتمع ظل تحت هيمنة الثقافة إسلامية ما يقرب من 15 قرنا. والحال أن هذا التفسير متعجل ويميل إلى الاستسهال والاستسلام للأحكام المسبقة.

لقد قرأت في العصر لأخي سعود مختار الهاشمي في مقاله "قائمة جدة .. وثقافة التحطيم الذاتي"، انتقادات قاسية لـ"قائمة جدة"، ورغم علمي به كمثقف نابه يجيد قراءة المشهد السياسي العربي جيدا، إلا أنه وقع في شرك إعادة إنتاج معايير المفاضلة القائمة على فكر ما "قبل الحداثة السياسية". فالهاشمي لم يسره القفز على "المناطقية" من جهة وإقصاء "المرجعية العائلية والقبلية" في اختيار المرشحين من جهة أخرى، رغم أن هذا القفز والإقصاء، يفسر لصالح الإسلاميين باعتبارهم "جماعة سياسية" تسمو فوق القبلية والعشائرية، وهي إحدى تجليات "الحداثة السياسية" التي طالما شكك العلمانيون والليبراليون في قدرة الإسلاميين على تأهيل وعيهم السياسي على مقتضاها.

وسواء أكان هذا "السمو" يرجع إلى الاحتكام إلى شرط "الانتماء الإيديولوجي" أم كما قال عبد العزيز القاسم في الحياة اللندنية 24 /4/25 إلى خبرة الإسلاميين في الإطلاع على التجارب الانتخابية بالخارج، فإن غياب "الشرط العشائري"، مثُل مفاجأة وصدمة لكثير ممن راهنوا على انتصار القبلية للإساءة إلى التجربة الانتخابية مثل منصور النقيدان ومشاري الذايدي.

لماذا يتجاهل "الخاسرون" ومن ساءهم نتائج الانتخابات مغزى ودلالة أن تضم القائمة المزكاة من المشايخ، أكاديمي وتكنوقراطي بارز مثل د. عبد الرحمن يماني وهو حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الهندسة من جامعتي ستانفورد و فلوريدا الأمريكيتين؟‍، إذ إن اختياره يشير إلى أن "شرط الكفاءة" كان حاضرا لتعزيز القوة التنافسية للإسلاميين.

هناك تفاصيل صغيرة تكاد تختفي وسط هذا الضجيج والشوشرة التي يثيرها البعض حول قائمة جدة من جهة أو حول استعراض نتائج الانتخابات على وجه الإجمال من جهة أخرى: إذ كان السائد في أدبيات القوى المعارضة للتيار الإسلامي، أن الأخير يرى في الانتخابات "رجسا من عمل الشيطان"، وأن بين الإسلاميين و الديمقراطية عداء تاريخيا وعقائديا وأيديولوجيا، وأن القيادات السياسية في التجربة السياسية الإسلامية، يفرزها "الإكراه الرسمي" للدولة، وليس "الاختيار الطوعي" للعامة، وأن هذه الخبرة باتت جزءا من التقاليد السياسية للإسلاميين، وعزوا إلى ذلك انتهاء الصلاحية السياسية لإسلامي الأمس واليوم الغد، للتعايش مع التقاليد والأعراف السياسية الحديثة، ليبدو في هذا السياق القمع البوليسي والأمني الذي يتعرض له الإسلاميون من قبل السلطة "عملا مشروعا"، لحماية "الديمقراطية" من "الرجعية" الإسلامية!!.

ومن هنا تأتي أهمية ومغزى ودلالة التجربة الانتخابية السعودية، سيما وأن سمعة إسلاميي المملكة، في محيطها العربي والإسلامي وكذلك الدولي، كانت "سمعة ملتبسة"، و ينظر إليهم باعتبارهم قوى اجتماعية و دينية غير قابلة للالتحاق بقاطرة التطور التاريخي.

ولذا تقتضي الإشارة هنا وفي هذا السياق إلى براعة الإسلاميين في توظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة حملاتهم الانتخابية مثل الانترنت ورسائل الموبايل، ولقد عزا بعض المحللين تفوقهم في الانتخابات إلى استخدام "العلم" في دعم مرشحيهم جماهيريا. ما يعني أن الإسلاميين ليسوا محض "كائنات" تعيش في ظلمات العصور الوسطى أو أنهم أعداء للعلوم الحديثة، يميلون للعلوم الأخروية فيما يعرضون عن العلوم الدنيوية، كما يحلو للبعض ترديد ذلك بلا حياء من قبيل الشوشرة والإساءة .

وما يحسب للانتخابات السعودية، أنها بدأت مبرئة من أخطر الأمراض التي أصابت تجارب بلدان عربية أخرى، أكثر خبرة وأطول عمرا في إتباع سنن الانتخابات لاختيار ممثلي الشعب، وهو التدخل الإداري للدولة، بالتزوير أو بالتأثير على الناخبين انتصارا لمرشح على آخر.

فنتائج الانتخابات السعودية، تعكس حيدة الدولة في هذا الإطار، فإذا كان الإسلاميون قد فازوا بأغلبية المقاعد في مناطق متفرقة بالمملكة، فإنهم لم يحصلوا على أكثر من 5% في تبوك فيما حصل على النصف الآخر رجال أعمال وتجار عقارات وقبليّون. ولم يحصل الإسلاميون كذلك في القصيم (بريدة وعنيزة المجاورة) على أكثر من3% .

وإذا كانت هذه النتائج تنفي أية شبهة تواطؤ للدولة لصالح الإسلاميين أو لأي من المرشحين المقربين لها، فإنها في ذات الوقت تدحض ما تردد في خطاب من أضيروا من خسارة التيار الليبرالي التغريبي، بأن الانتخابات كانت محاولة لاحتكار الساحة السعودية للخطاب الإقصائي، فالفرصة كانت متاحة للجميع، وكان الفارق في التنظيم وحسن الإدارة وعدم التعالي على المزاج السعودي العام، بيد أن المهم في ذلك كله أن الإسلاميين السعوديين قد نجحوا بتفوق في أول اختبار لهم في "سنة أولى انتخابات"، وهي في تقديري رسالة تستهدف "الخارج" بقدر اهتمامها بإصلاح الداخل.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

السيد سيد السيد

لكن لماذا أجلت الإنتخابات سنتيين .
لماذا لم تنفذ قي موعدها . أخشى بأن السبب أنه لا يوجد ضغط أمريكي .