معاناة سجناء الرأي في تونس أشد من معاناة الأسرى الفلسطينيين!

2005-4-24 | معاناة سجناء الرأي في تونس أشد من معاناة الأسرى الفلسطينيين!

المعاناة التي تعيشها العائلات التونسية التي كرمها ربنا، فكان الاعتقال أو السجن مآل أحد أفرادها لدفاعه عن الحرية وعن الهوية ولمقاومته الظلم والطغيان واستعباد الناس، معاناة لا تقل في شيء عن التي تلاقيها عائلات الأسرى الفلسطينيين في دفاعهم عن الأقصى و عن الأرض و عن الوجود... ولن نبالغ البتة إن قلنا إن معاناة العائلات التونسية وإن اشتركت مع العائلات الفلسطينية في كثير من الأوجه، فإنها قد فاقتها في أوجه أخرى لعل من أبرزها الغياب المذهل لوسائل الإعلام ذات المصداقية عن تغطيتها.

ولعل معاناة زوجة الأستاذ عبو، محامي وناضل حقوقي، قبل الزيارة وأثناءها وبعدها تمثل نموذجا للمعاناة التي تعيشها كل زوجات السجناء وأمهاتهم وأخواتهم. وإن وجدت عائلته من يؤازرها في محنتها ويؤازر زوجها، فإن الكثيرات من أزواج سجناء الرأي في بلادنا قد تنكر لهن الأقارب قبل الأباعد خوفا من التعسف أو طلبا للسلامة أو ركونا للظلمة المستبدين أو إخلادا للأرض لهوان نفس وضيق أفق..

تبدأ الرحلة قبل يوم الزيارة، إذ تذهب الزوجة إلى السوق البلدي بحثا عما يمكن أن يكون غذاء يظفر بمباركة إدارة السجن فتسمح بإدخاله للسجين القابع في قعر زنزانة رفقة أربعة من سجناء الحق العام اختارتهم الإدارة بعد التدقيق و التحري و الإجماع على تزكية ميولاتهم الاستفزازية والعدوانية وعلى تقدير إمكانياتهم الهائلة في المضايقة والتحرش بمن توعز إليهم الإدارة به...

قائمة الممنوعات طويلة طول ليالي الشتاء بعيدا عن الحبيب، وهذه القائمة تزداد طولا مع مرور الأيام: الزيت ممنوع، الزيتون ممنوع، المصبرات على اختلاف أنواعها ممنوعة، العسل ممنوع، الخضر على اختلاف أنواعها ممنوعة، البسيسة (أكلة شعبية تونسية لا تقل شهرة عن الكسكسي الأكلة الشعبية الأولى بامتياز)، الغلال يجب تقشيرها وقصها بحيث تصبح عرضة للتعفن في ظرف زمني وجيز..

اختارت الزوجة لزيارة يوم الخميس 13 أبريل أرزا فاصوليا ودجاجة وشيئا من اللحم وخصا وبسباسا...

وحرصت والدة الأستاذ هذا الأسبوع على أن تحضر الطعام بنفسها لفلذة كبدها، وكأنها بصنيعها ذلك تريد الانخراط الفعلي في مساندة ابنها في مقاومته للاستبداد، فهاهي رغم تقدمها في السن تدخل المطبخ من جديد لتعد الطعام وتقدمه لابنها، ولسان حالها يقول:

"كل يا بني هنيئا مريئا، واذهب وصحبك بعيدا في مقاومة الطغيان وربكم يرعاكم بعنايته، وها أنا لا أمدك بالدعاء فحسب، بل بما أقدر عليه كذلك.. اطبخ لك هذه الأكلة عساها تزودك بقوة أكبر وإصرارا أعظم وعزيمة أنفذ على مواصلة ما آليته على نفسك من الانتصار للحق والعدل وللضعفاء...كله هنيئا مريئا، وليأكلوا سحتا و ريعا و زقوما...".

عند ارتفاع صوت المؤذن لصلاة الفجر كانت والدة الأستاذ قد فرغت من إعداد العدة لطبخ الطعام، صلت فرضها، شرعت في تسابيحها وهي تشعل المواقد: هذا للأرز، وهذا للفاصوليا، أما الفرن فلإعداد الدجاجة التي يحبها محمد مطبوخة منزليا..

دقت الساعة سبعا، وكان كل شيء جاهز..استقلت الوالدة والزوجة والأخت السيارة، سيارة الصهر، وانطلقت في اتجاه مدينة الكاف، في الشمال الغربي من البلاد التونسية على بعد 2 كيلومتر عن العاصمة...طريق طويلة، كثيرة الالتواءات والمنحنيات، تتطلب يقظة مستمرة وانتباه لا تعتوره أي غفلة إن عمل السائق للوصول بسلامة... ومع كثرة الالتواءات والمنعرجات، فإن مناظر خلابة تشد الأبصار وتسحر الألباب...

تمضي السيارة في طريقها، وشيئا فشيئا تنزل الأطيار على رؤوس الركب، ويسود صمت عميق... أطلقت النساء الثلاثة العنان للخيال يجتاز المسافات والأزمنة والقضبان:

"يدخل محمد قاعة الزيارة، يبتسم لهم ابتسامة عريضة، يضع يديه على الحاجز الحديدي القريب منه، يواصل ابتسامته في تحد ساخر للحراس الأربعة الذين أصدر المدير تعليماته لهم بمراقبة الزيارة والانتباه الدقيق لما يدور بين السجين وزواره...".

كانت السيدات سارحات في بحر من الخيال، أما السائق فكان ينقر نقرات خفيفة على عجلة القيادة متأففا: "أي قانون هذا الذي لا يسمح لي بزيارة أخي وصديق عمري قبل أن يصبح صهري، أي قانون يمنع الصديق من زيارة صديقه ومحادثته و الاطلاع على أحواله...أيوضع هذا القانون ضمن الانجازات "العظيمة" التي تحققت في هذا العهد؟ أم توضع في خانة القوانين التي تجرد الإنسان من إنسانيته وتنزع عنه فضائل صلة الرحم والتزاور والتحابب والتعاون وتفريج كرب ابن آدم... ومع ذلك فلا أقل من أن أصحب أفراد العائلة مساهمة مني في التخفيف عن الصديق الوفي الذي عرفت و المناضل الجريء الذي صاهرت"..

قبل العاشرة بقليل تتوقف السيارة في الساحة القريبة من السجن المدني بالكاف...

قدمت الزوجة بطاقة الزيارة مع بطاقات هويتها وهوية كل من أخت الأستاذ ووالدته..وانتظرت...وبعد قرابة نصف ساعة من الانتظار، يفتح أحد الأعوان بابا جانبا، يرمقنا من بعيد ثم يشير لنا بالتقدم.. اقتربنا... التفت إلي وقال: "مدام خلينا أحباب، لا تتكلمي إلا في الشؤون الخاصة يعني الشؤون العائلية، كل حديث آخر ينتج عنه قطع الزيارة..."،

دخلنا قاعة الزيارة، اقتربنا من الحاجز الحديدي، وراء الحاجز الحديدي ستار من القماش الداكن والكثيف...أشار الأعوان إلى بعضهم البعض بكلمات وإشارات تعارفوا عليها، فانزاح الستار الذي من جانبنا ثم انزاح الستار الثاني...

"محمد واقف، سلما علينا مبتسما...لم يستطع تقبيل جبين أمه العجوز كما تعود أن يفعل، فهذا أمر ممنوع لا تسمح به قوانين السجن في بلادنا... سأل عن الجميع أصولا وفروعا أقاربا وأحبابا... كلهم بخير، يقرؤونك السلام ويسألون عن أحوالك، لم يكن من المناسب إخباره بتفاقم الوضعية لوالدته الشيخ المسن، حيث خرج من البيت ليلة القبض عليه ليجلب له أدوية كان ليلتها في أمس الحاجة إليها، لكنه خرج ولم يعد... فهناك من هو أولى به من والده ليقيم عنده على ضيق وعسر وحرج...لا أقول إن محمد ليس في حاجة لمن يشد أزره، فمعنوياته مرتفعة ارتفاع الشمس عند الزوال، ولكنه ليس في حاجة إلى مشغلة تؤرق باله ولا يستطيع أن يساهم في حلها...ذكر الأطفال وفي صوته ألمس شوقا لا يضاهى... طلب إحضارهم الأسبوع القادم...لكني أعلمته أن ذلك غير ممكن، أيريد أن يتغيبوا عن دراستهم يوما كل أسبوع من أجل دقائق معدودة، كان أطفال تيسير علوني محظوظين مقارنة بأطفال الأستاذ إذ كانوا يجتمعون بأبيهم لمدة ساعة ونصف (مرة في الشهر) دون حواجز ودون الأعوان العديدين الذين يعدون الأنفاس ويسترقون الهواجس ويلتقطون الحروف... طلب منا الكتابة للإدارة لنقلته إلى سجن العاصمة وسيفعل هو مثلنا ورغم إدراكنا جميعا استحالة الاستجابة لهذا المطلب فإنه كان يريد إضافة خرقا آخر للخروقات والانتهاكات التي لحقته كإنسان وكمحام... وشعرنا أن ظروفه ازدادت سوءا عندما عبر لنا عن تفضيله الإقامة في الجناح المضيق في عزلة تامة عن الآخرين على الإقامة مع هؤلاء الأربعة. جذب الأعوان الستارين الذين يفصلان بين السجين وأهله مؤذنين بانتهاء الزيارة...ونغادر المكان...

كان محمد الآخر في انتظارنا على أحر من الجمر، وفي لهفة سأل عن صديقه، يريد أن يعرف كل شيء، أعدنا عليه ما دار بيننا من حديث، وقد تغفل إحدانا عن شيء فتذكرها الأخرى...".

وعند إلقاء أحد أسئلته علينا أشار عليه حرس مرور بالتوقف، طلب وثائق السيارة ثم بطاقات الهوية...ابتعد قليلا بدأ سلسلة من الاتصالات والمشاورات لم تنته إلا بعد مرور حوالي عشرين دقيقة وأسفرت في النهاية بالسماح لنا بمواصلة الطريق نحو العاصمة...

جرجيس في 14 آذار مارس 25 عبد الله الزواري الهاتف القار: 2756853 الهاتف الجوال: 29729491 العنوان البريدي: الخريبة 4134 شماخ البريد الإلكتروني:abzouari@yahoo.fr الجمهورية التونسية


تم غلق التعليقات على هذا الخبر