آخر الأخبار

حقائق الفشل الأمريكي الذريع في أفغانستان 2-2

2005-4-21 | علي حسين باكير حقائق الفشل الأمريكي الذريع في أفغانستان 2-2

* ثالثا: على الصعيد الاجتماعي (الأمن والاستقرار مفقودان):

إن للفشل الأمريكي في أفغانستان انعكاساته على الوضع الاجتماعي في ذلك البلد، وقد تمّ ملاحظة ذلك من خلال فقدان الأمن والاستقرار، وأصبح الأفغاني يشك في إمكانية العيش في هذا البلد على الرغم من الوعود الأمريكية بتطويره وإعماره وتوفير الوظائف والتعليم وتوفير الأمن والاستقرار، فهل هذا ما هو قائم اليوم؟

طبقا لدليل التطوير الإنساني في تقرير تطوير الأمم المتّحدة الإنساني لعام 24، فإن أفغانستان هي سادس أسوء دولة على وجه الأرض بعد بوروندي، مالي، بوركينافاسو، النيجر وسيراليون، وهي أسوء دولة في العالم اذا ما استثينا هذه الدول التي تقع في القارة الإفريقية. وطبقا لبعض التقارير الدولية الأخرى فإن أفغانستان ثاني أسوء بلد في العالم غير مهيأ للعيش بعد سيراليون.

يقول "وحيد مزدة" مؤلف كتاب "أفغانستان وخمس سنوات من حكم طالبان" في توصيفه لفترة دخول الأمريكيين إلى أفغانستان: "ليس الإشكال في أن الشعب لم يحصل على شيء فحسب، ولكنه أيضا فقد الأمن الذي كان يتمتع به في ظل طالبان".

فيما يقول الصحفي الأمريكي الشهير "جي أليكسندر" في مقال له في صحيفة نيويورك تايمر": "إن الواقع في أفغانستان الآن هو عكس ما وعد به الرئيس الأمريكي بوش عام 22م، فقد مضى على سقوط نظام طالبان حوالي ثلاث سنوات، ولم تفلح القوات الدولية ضمن منظمة "إيساف" في إحلال الأمن والسلام في البلد الذي أثخنته المجاعات والحروب التي دامت لمدة عقدين أو يزيد... البنية التحتية لا تزال مدمرة تماماً، والشعب الأفغاني يطحنه الفقر والعوز، ولم تتحول وعود إعادة الإعمار إلى حقيقة ملموسة وقائمة على أرض صلبة، كل هذا يوضح مدى فشل إدارة بوش في المستنقع الأفغاني". ويضيف قائلا: "إن البنى الأمنية كانت تتصدع في القرى والمدن، ولما اتجهت قواتنا إلى المدن واجهت أوضاعاً غير طبيعية، ولا أدل على ذلك من أن قواتنا ورجال الإغاثة الذين قتلوا خلال العام الجاري أكثر بكثير من حصيلة العامين الماضيين، حتى إن منظمة "أطباء بلا حدود" التي تعمل في البؤر الملتهبة اضطرت إلى الانسحاب من أفغانستان بعد أن قدمت فيها خدماتها على امتداد 24 عاماً، وبعبارة أخرى وأدق نقول إن هذه المنظمة كانت تشعر بشيء من الأمن والارتياح طوال فترة الجهاد ضد القوات السوفييتية والحروب الطائفية، وهي ترى نفسها الآن في وضع غير آمن في أفغانستان الخاضعة للولايات المتحدة وحلفائها".

إن الوضع غير الآمن وغير المستقر أثّر حتى على الطبقة الوسطى في أفغانستان، وقد أدى تفتت السلطة وهيمنة أمراء الحرب على المناطق إلى إحداث تغيرات مهمة. ها هو مثلاً عمر، التاجر الصغير الذي كان يشتري من إيران ويبيع في أفغانستان خلال حكم "طالبان" قد أفلس بعد إقصاء الحركة عن السلطة. في الماضي كان يدفع ضريبة واحدة لإدخال بضائعه إلى البلاد والآن بات مضطراً لدفع الرسوم في جميع المناطق التي يجتازها، فكيف تكون تجارته مربحة. وهكذا تحول إلى سائق سيارة أجرة وهو لا يخفي مرارته. فبعد بلاد موحدة إلى حدٍّ ما في حكم "طالبان" جاء النظام الإقطاعي الذي يخنق التجارة. هذه حالة تختصر الوضع برمّته في أفغانستان اليوم تحت الرعاية الأمريكية.

لم يكن هذا كل شيء، ففي هذا الوضع كان لا بدّ من وجود انتهاكات لحقوق الإنسان، وهو ما دأب الأمريكيون على فعله في كل الدول التي احتلّوها. لكنّ التكتم الإعلامي وسياسة القوّة والبطش بالمخالفين أو المعارضين أو المساهمين في كشف الحقيقة الأمريكية البشعة يحول دون ظهور هذه الانتهاكات بشكل كبير وواضح ومع ذلك كان لا بدّ لنا من رصد هذه الانتهاكات.

فقد ذكر أحد التقارير الصادرة عن المنظمة الدولية لحقوق الإنسان بعنوان "استعادة الحرية: الانتهاكات التي قامت بها القوات الأمريكية في أفغانستان"، أنّ الولايات المتّحدة تنتقد ما تعتبره عمليات تعذيب في دول أخرى بينما استخدمت نفس الوسائل عند استجواب الأسرى في أفغانستان" ووجه التقرير ثلاث تهم للولايات المتحدة وهي: الإفراط في استخدام القوة, الاعتقالات العشوائية، إساءة معاملة المعتقلين. فقد "اعتقلت القوات الأمريكية قرابة ألف فرد ينتمون لجنسيات مختلفة خلال عام 23م وصحب عمليات الاعتقال استخدام القوة بصورة مفرطة وعشوائية، الأمر الذي أدى إلى مقتل وإصابة مدنيين أبرياء.. ". و"كانت طائرات الهليكوبتر تقوم بقصف مناطق سكنية في وقت لم تكن فيه القوات الأمريكية تواجه أي مقاومة من المقيمين فيها". أما بالنسبة للمعتقلين في القواعد الأمريكية في أفغانستان "فمن الشائع أن يتعرضوا لسوء المعاملة مثل الحرمان من النوم أو التعريض لدرجات حرارة مرتفعة وأحياناً الضرب.. ". هذه شهادة منظمة دولية فما بالكم شهادة الأفغان الذين كانوا ضحية الهمجية الأمريكية؟!

في حين قالت منظمة العفو الدولية فيما يتعلّق بالمرأة والأخطار التي تتعرّض لها بسبب فقدان الأمن والاستقرار في أفغانستان "أنه بعد عامين من طرد طالبان من السلطة، فإن المجموعة الدولية وحكومة الرئيس كرزاي الانتقالية لم تتمكنا من تقديم الحماية اللازمة للمرأة، فلم تزل أخطار الاغتصاب والعنف الجنسي الموجه ضد النساء ماثلة للعيان!!"، وقد اعتبر البعض هذا التقرير ردّا على ما قالته السيدة الأولى في أمريكا لورا بوش عندما كانت بلادها تمطر أفغانستان بالقنابل زنة 7 طن مبررة تلك المجازر ومبشرة بعصر تحرير جديد للمرأة الأفغانية قائلة: "إن المكاسب العسكرية التي أحرزتها أمريكا في تلك الحرب قد أدت إلى تحرير نساء أفغانستان, فالحرب ضد الإرهاب هي أيضاً حرب من أجل كرامة وحقوق المرأة ".

وفي 9 آذار 24م نشر "مراقب حقوق الإنسان" في نيويورك تقريراً بعنوان: "أفغانستان: القوات الأمريكية تنتهك حقوق الإنسان"، ويوجّه التقرير اللوم إلى القوات الأمريكية بـ"التصرف كرعاة البقر" في حق المدنيين "الذين لا يخالفون القانون بشيء"، ويؤكد بعض الشهود أن الجنود "يدمرون الأبواب بواسطة القنابل بدل أن يقرعوا" ويعنفون النساء والأطفال.

ويضيف التقرير: "إن القوانين الدولية توفر الحماية لحقوق المعتقلين خلال النزاعات المسلحة. منذ قيام حكومة قرضاي تعد المعارك الدائرة في أفغانستان جزءاً من نزاع غير دولي بل محلي مسلح. لذا وجبت معاملة المعتقلين في إطار هذا النوع من النزاع وفق المادة الثالثة من اتفاقية جنيف ووفق القانون الدولي الإنساني المتعارف عليه إضافة إلى الشرعية العالمية لحقوق الإنسان. وبالرغم من إصرار الولايات المتحدة على التأكيد أن أحداث أفغانستان جزء من نزاع دولي فإن السلوك الأمريكي تجاه المعتقلين يتعارض مع القانون الدولي، فخلال النزاعات الدولية يمكن اعتقال المدنيين "لأسباب أمنية قسرية"، لكن ليس لمدة غير محددة، فاتفاقية جنيف الرابعة تسمح باعتقالهم: "فقط إذا كان أمن الطرف الذي يجري الاعتقال مهدداً بصورة مباشرة"، وحتى في هذا الحال، يحق للأسير طلب إعادة النظر في وضعه بأقصى سرعة أمام محكمة أو مرجع إداري. يبدو إذن أن قواعد النزاعات الداخلية تنطبق على النزاعات الدولية والولايات المتحدة عندما تهمل هذه القواعد تكون في حال انتهاك للقانون الدولي".

هذا وقد صدرت العديد من التقارير الأمريكية والدولية تكشف عن الانتهاكات غير الإنسانية التي ترتكبها القوات الأمريكية بحق المعتقلين الأفغان بعيدا عن وسائل الإعلام وعن الرقابة وبواسطة مرتزقة أو جنود مهووسين بالتعذيب، وقد أدّى ذلك إلى موت العديد من الأبرياء، لكنّ هذه الممارسات تمّ فضحها خاصّة بعد فضيحة "أبو غريب" في العراق و"جوانتانامو" في كوبا، وهي تعكس السلوك الأمريكي المريض والشاذ والمهووس أخلاقيا واجتماعيا وواقع الانحطاط الذي يعيشه هؤلاء الجنود والمرتزقة، و هذا غيظ من فيض له ما بعده.

* رابعا: الفشل العسكري الأمريكي في أفغانستان: (بن لادن ما زال طليقا)

إن الفشل أو النجاح في أي عمل عسكري يتحدّد بمدى تحقيق هذه الحملة لأهدافها، فإذا حقّقت الحملة أهدافها كانت ناجحة ولو خسرت ما خسرت من الجنود والعتاد، وإذا لم تحقق الحملة هدافها فهي فاشلة ولو قتلت ما قتلت من الناس.

وفي هذا الإطار، فقد تمّ تحديد أهداف الحملة الأمريكية على أفغانستان، فوعدوا بتقديم الحرية والرفاه والاستقرار والأمان والنمو وفشلوا في كل هذا كما رأينا سابقا، والأهم أن الهدف الرئيسي من هذه الحملة وهو القبض على قادة الطالبان والقاعدة وتسليمهم للعدالة الأمريكية (كما قالوا) لم يتحقق إلى الآن بعد أكثر من ثلاث سنين من غزو أفغانستان، وهذا بحد ذاته فشل ما بعده فشل، إذ على الرغم من الرشاوي والعمليات العسكرية والجيوش القوية والأصدقاء المخلصين لأمريكا، إلا أنّ زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ونائبه الدكتور أيمن الظواهري ما يزالا طليقين. وطبقا لمقال لـ"روبرت نوفك" في جريدة "شيكاغو صن تايمز الأمريكية": "فالجنود الأمريكيين في أفغانستان يعانون من النقص في العدد ويشعرون بأنهم مهمَلون، وهم قليلو الثقة بقادتهم، كما أنهم مشمئزون من القيادة السياسية الأفغانية. والأكثر أهمية من ذلك؛ أنهم ممتعضون من الجهد الهائل، ولكن غير المثمر، المبذول من أجل العثور على أسامة بن لادن لأغراض السياسة الأمريكية، وهذه الصورة الكئيبة تمر دون تدوين لأن الصحفيين ما عادوا يتواجدون هناك إلاّ نادرًا".

ويصيف الكاتب فيقول: "والقوات المسلحة تلك ليست كما قد يبدو للعيان -من أنها قوات عتيدة-، فالقوة الأساسية للولايات المتحدة في أفغانستان تتألف من 17 جنديا من المشاة "اليافعين"، وأما القوات التقليدية، فهي غير مؤهلّة للتعامل مع مقاتلين غير نظاميين (أي حرب العصابات). والوحدة الجديدة المكلّفة بالقتال في أفغانستان، هي فرقة المشاة 25، التي كانت معسكِرة في ثكنات سشوفيلد في هاواي، لم تشارك في قتال منذ حرب فيتنام. والأكثر أهمية من فرقة المشاة التقليدية هذه هو وحدتا المغاوير المعروفتان بالـ س.و.ف (قوات العمليات الخاصّة) السوداء والـ س.و.ف البيضاء. ووحدة الـ س.و.ف السوداء، الأكثر عددًا من بين الثنتين، مكلّفة بأسر أسامة بن لادن، وإلى الآن لم يستطيعوا تحديد مكانه فضلا عن الإمساك به. والمشكلة أنّه ولا أحد من الذين كلّمتهم (الجندي تكلم إلى الكاتب) يعتقد باحتمال اعتقال أسامة بن لادن أو حتّى كون ذلك ممكنًا، فالمقاتلون الأمريكيون يعتقدون بأنه من المستحيل العثور عليه".

لم يقتصر الفشل إذا على عدم الإمساك بأسامة بن لادن، بل حتى مسألة تأمين المدن، فالقوات الأمريكية لم تحصّن سوى العاصمة كابل، وباقي المناطق واقعة خارج إطار سيطرتها، حيث ينشط عناصر طالبان في حرب شوارع ويشنّون هجمات مباغتة على القوات الأمريكية ثمّ يتوارون. والقوات الأمريكية تخاف حتى من الخروج بعيدا قواعدها دون حماية كافية، ممّا يشير إلى أن المقاومة الأفغانية الطالبانية مازالت فاعلة، مع إشارة هامّة لا بدّ من ذكرها وهو ما أوردته "مجلّة العصر" –حصريا- من وجود إستراتيجية جديدة للمقاومة الأفغانية تساير النسق العراقي وبالتالي استنزاف الأمريكيين وأعوانهم إلى أقصى حد ممكن.

وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه أمام كل هذا الفشل الذي استعرضناه في تقريرنا هذا، هل ستواجه الولايات المتّحدة مصير الاتّحاد السوفيتي انطلاقا من أفغانستان؟ وما هي المعطيات التي ستمنع هذا التدهور؟ وهل سيأتي اليوم، بعدما فرح البعض بدخول الأمريكيين إلى أفغانستان، الذي يطالب فيه بعودة طالبان أمام التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري في البلاد؟ أسئلة نختم فيها هذا التقرير على أمل أن يجيب المستقبل عنها بكل دقّة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد الجمعان

السلام عليكم
كلامك يا أخ فكري صحيح 100% و أعتقد أن أستاذنا الأستاذ الفاضل علي باكير أحسن الله اليه بالغ قليلا في تحميل الفشل الأمريكي على أنّه فشل غير متوقّع و أن المسألة قد تكون غنيمة و نعمة جائت الى المسلمين على طبق من ذهب و لكن للأسف مازال المسلمين و أعني رؤوس الدول الاسلامية خائفين رغم أن الغنيمة هذه ستضيف الى أرصدتهم الكثير و الكثير و لكن الحمد لله ربّما يريدها الله لأناس و قوم آخرين هم أولى بها من هذه الحكومات الظالمة و حينئذ ربّما سيعلم اللذين ظلموا أي منقلب سينقلبون ..


fikry

ما المانع من ان تهزم في افغانستان او حتي في الصومال، الم يهرب جورج بوش الاب من اول محاولة لدخول الصومال، فقط مقتل 16 هالك من اتباعه جعله يغير استراتيجية القوة العظمي و تتخلي عن احلامها الاستعمارية و لو مؤقتا، ما الجديد اليوم في المسالة و قتلاهم يوميا بالعشرات في الدول الاسلامية التي غزوها، الفرق انهم الان امام مازق استراتيجي تاريخي، مسألة الارواح التي كانوا يخافون عليها في السابق لم تعد مؤثرة اليوم لسحي القوات من مناطق التوتر، لان السبب انهم لا بد ان يضحوا باغلي ما يملكون للبقاء لان المسالة الاقتصادية و ترميم الاقتصاد المنهار بالسطو علي ثروات الدول الاخري اصبحت مسألة حياة او موت، هذا ما يعكسه الاصرار علي البقاء رغم الخسائر البشرية الرهيبة، لان البديل هو اعلان الانهيار لبلد طالما ظن انه مدبر كل شيء و قادر علي قهر كل من تسول له نفسه التفكير في تحدي القوة الخارقة، هذه القوة للذكري قامت بدك بلجراد عاصمة يوغوسلافيا - القوة العسكرية الرابعة عالميا - لمدة 40 يوم دون خسارة جندي واحد أو حتي سقوط ريشة واحدة من أجنحة طائراتهم فضلا عن الجناح نفسه، و لكنهم فوجئوا بان هذه القوة الجرارة التي لم يري مثلها في التاريخ لا تقوي علي الاستمرار في مجابهة ثلة صابرة محتسبة، و أختم بقول المولي جل شأنه، و تلك القري أهلكناهم لما ظلموا، و كذلك " سنة الله في الذين خلوا من قبل، و لن تجد لسنةالله تبديلا، و لن تجد لسنة الله تحويلا" صدق الله العظيم