آخر الأخبار

إشكالية الإصلاح وعوائق المصالحة في تونس

2005-4-21 | إشكالية الإصلاح وعوائق المصالحة في تونس

تشهد الساحة الفكرية والسياسية التونسية منذ إغلاق ملف الانتخابات الأخيرة، جدلا واسعا ومتناميا على أكثر من صعيد حول آفاق الإصلاح وضرورة المصالحة في إطار البحث والتفكير عن أفضل سيناريوهات المستقبل ومدى قابلية الوضع التونسي واستجابته للتكيف مع التحولات المتسارعة التي يعيشها العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها المتزايدة على المنطقة.

والمتأمل في منظومة الأفكار والآراء السائدة داخل النخبة التونسية بشتى ميولاتها واتجاهاتها، وما تطرحه من أفكار وتصورات وما ترفعه من مطالب وشعارات، ينتهي به التفكير إلى أن المشكلة الرئيسة التي يعاني منها الوضع التونسي برمته، هي الخلل الحاصل في ترتيب الأولويات وفرز التحديات وتحديد نقطة واضحة للمسير ضمن أفق استراتيجي يقدم مصلحة الوطن الكبرى على مصالح الأفراد والجماعات في كل الظروف ومهما كانت الأحوال.

وهذا الترتيب المنهجي للأولويات المطلوب من الجميع، لا يمكن التوصل إليه دون إجراء مراجعات حقيقية وخطوات جريئة لسلوكيات كل الأطراف —دون استثناء- خلال المرحلة السابقة التي بلغ فيها الاحتدام الفكري والسياسي درجة غير مقبولة من الحدة والعنف والتنافر.

* المراجعات المطلوبة:

تواجه البلاد في المرحلة القادمة جملة من التحديات الكبرى التي يصعب مواجهتها دون تظافر طاقات وجهود كل المخلصين من أبنائها سواء كانوا في السلطة أو خارجها.

وتأتي في مقدمة هذه التحديات تعطـّل الإرادة الوطنية على اتخاذ القرارات ورسم السياسات الإصلاحية الذاتية بما يتماشى وحاجات البلاد وهيكل الطلب فيها. كما تزداد المصاعب الاقتصادية باطراد، رغم الجهود والإنجازات المبذولة، لتجعل من العشرية القادمة، عشرية التحديات الاقتصادية بامتياز، نظرا لتعاظم الفجوة المالية نتيجة للتفويت في المؤسسات الوطنية الكبرى ورفع الحماية على الإنتاج المحلي وتقلص الموارد الجبائية وعدم قدرة الاقتصاد الوطني على منافسة القوى الصاعدة عالميا. وتنعكس هذه الصعوبات على الصعيد الاجتماعي لتساهم في تفاقم أخطار البطالة والهجرة غير المنظمة مع تنامي الفساد والفوارق، مما يهدد الاستقرار والسلم في المجتمع.

ويقتضي الاستعداد لهذه المواجهة، قيام الأطراف الفاعلة والمسئولة بمراجعات ذاتية جوهرية، من أبرزها:

1- اعتراف الجميع بالفشل في إدارة حوار بناء وغياب أولوية الإقرار بحق الاختلاف والتعدد وشيوع الذهنية التي تنزع إلى السلطوية الشاملة ورفض النقد سواء بين السلطة والمعارضة أو داخل المعارضة نفسها، مما أدّى بالبلاد إلى حالة من الاشتباك الداخلي والتنافر السياسي الذي أضر بالمصلحة الوطنية وصورة تونس بالداخل والخارج.

2- القطع مع العقلية الذرائعية التي تعفي النفس من المسؤولية والمحاسبة وتحمل النتائج والاعتراف بالخطأ والاكتفاء بإلقاء التبعة على الآخر، حتى أضحت هذه العقلية بمثابة القوت الذي تقتات منه جلّ الأطراف وتبرر به استمرارها وإصرارها على الخطأ، رغم أن المجتمع التونسي يعد من المجتمعات التي تتسم بالاعتدال والتسامح وتهتم بمقولات النقد الذاتي والعقلية الحوارية، ولكن الجميع فشل في إيجاد الآليات والوسائل والمؤسسات التي تجعل الحوار مثمرا والمراجعة مجدية وحقيقية. لم يعد مقبولا أن ينطلق قطار المصالحة والوئام في كل الأقطار المجاورة وقد حدث فيها من الاقتتال وإسالة الدماء ما يشبه حربا داحس والغبراء، وتتخلف بلادنا عن الركب ولم يحدث فيها شيء من ذلك.

3- اعتبار العشرية الكالحة —عشرية التسعينات- مسؤولية كل الأطراف دون استثناء بدءا بالسلطة وبالحركة الإسلامية ثم التيارات العلمانية وأطراف المجتمع المدني وأن ما حدث خلالها يعد كارثة حقيقية أتت على جميع المكتسبات وأضرت أيما إضرار بالمنجزات التي تحققت خلال المراحل السابقة، وأن شظايا هذه الكارثة طالت الأطراف السياسية المسئولة مباشرة عنها، وكل فضاءات المجتمع دون استثناء.

4- تحديد الثوابت الوطنية التي لا يمكن الحياد عنها، بكل وضوح وشفافية، ومطالبة كل الأطراف بالعمل على احترامها وعدم المساس بأي منها وفي مقدمتها حماية الهوية والدفاع عنها، سيادة البلاد واستقلالها، نبذ العنف والتطرف مهما كان شكله ومأتاه، ترسيخ ثقافة التسامح والاعتدال والانفتاح على الآخر ... الخ.

5- السلطة مطلوب منها رفع الضغوطات على المجتمع وإجراء إصلاحات تلقائية في اتجاه التدرج نحو الديمقراطية الجادة وإشراك كافة الأطراف الوطنية في صناعة مستقبل البلاد. مطلوب منها الكف عن تقديم الذرائع للتدخل في السيادة الوطنية وتقديم تنازلات حقيقية في اتجاه رص الصف الداخلي وتقوية الجبهة الوطنية ضد كل المخاطر المحدقة بمصلحة البلاد ومصيرها.

6- بعض الأطراف العلمانية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بمراجعة سياساتها الاقصائية وتكييف برامجها وفق الثوابت الوطنية والتصالح مع هوية المجتمع وثقافته العربية الإسلامية مع التجنب الاستعانة بحلفائها الخارجيين في التصدي للقضايا الداخلية.

7- الحركة الإسلامية عليها استخلاص الدروس والعبر مما حدث في المرحلة الأخيرة والقيام بمراجعات حقيقية على صعيد الفكر والممارسة من أجل التواصل مع الواقع الجديد الذي ظهر في غيابها. عليها إعادة النظر في خياراتها وخطابها وتحديد أولوياتها والقطع بوضوح أكبر مع الازدواجية والسرية والمساهمة في معالجة قضايا وهموم الوطن من فقر وبطالة وتنمية وتدخل خارجي...

عليها تحديد أهدافها وضبطها، وتدقيق علاقتها بموضوع السلطة وموقفها من الدولة. هل هي فعلا لا تريد السلطة بمعنى التداول أو المشاركة على الأقل في المرحلة القادمة باعتبارها مرحلة تأهيل البلاد إلى الانتقال التدريجي نحو الديمقراطية والتعددية، وباعتبار أن موضوع التداول لا يزال بعيدا عن واقع الساحة السياسية ليس فقط على صعيد السلطة والنظام الحاكم ولكن حتى على مستوى حركات المعارضة برمتها. وهل يساعد خطابها دائما على هذا التمشي؟ أم أنه لا يزال يتراوح بين منهجي المغالبة والإصلاح ؟ هل تستطيع الحركة أن تراجع خطابها وتنظر إلى الواقع كما هو فتتعامل معه بحكمة وموضوعية، لا كما يجب أن يكون، فتقفز عليه وتجد نفسها خارج اللعبة. إنه التحدّي الرئيس أمام الحركة، ولا مناص من مواجهة هذا السؤال.

مطلوب من الحركة الإسلامية التجدد والقطع مع فكر الأزمة والمواجهة من أجل إنقاذ المشروع الإسلامي من التخبط والعشوائية والمحافظة على الإرث الهائل الذي أنجز والرصيد البشري الذي تم الحصول عليه. إننا بحاجة إلى ما يشبه "الثورة الفكرية" التي تعالج الإخلال وتصحّح الانحراف وتعيد لفقه الموازنات ومشروع الأولويات المرتبة التي يستحقانها في التفكير لدراسة الواقع والتصدي لتحدياته.

* إشكالية الإصلاح:

رغم أن الإصلاح كشعار ومفهوم، هو مطلب وطني نبيل وهدف كل التيارات الوطنية الصادقة، إلا أنه أضحى في الفترة الأخيرة من المفاهيم المبتذلة التي تحيط بها كثير من الملابسات والمغالطات حتى تحول إلى كلمة حق أريد بها باطل تساوي في أحسن الحالات إحداث التكيف السياسي وفق ما يخدم المزيد من مصالح الأطراف الخارجية التي تضغط في هذا الاتجاه.

* فما هو الإصلاح المطلوب ؟

المطلوب خارجيا، إصلاح على الطريقة الأمريكية يراد فرضه في المنطقة العربية والإسلامية في إطار مشروعها الشرق الأوسطي الذي من أولوياته الكبرى:

محاربة ما يسمى بـ "الإرهاب" أو الحركات "الأصولية" العنيفة التي أعلنت الحرب على المصالح الأمريكية ومشروعها الاستيطاني الجديد في المنطقة.

التطبيع مع الكيان الإسرائيلي وتطويع الأنظمة التي تحاول الاستعصاء بكل الوسائل والأشكال.

والملاحظ في هذا الإطار أن مشروع "الإصلاح الأمريكي" نجح في تطبيع العلاقة بين النظام العربي والكيان الصهيوني ولم يفلح في المقابل في زحزحة موقف الشعوب وأغلب النخب الوطنية. وما عبّر عنه المجتمع التونسي بمختلف شرائحه الاجتماعية والسياسية مؤخرا إزاء إقدام السلطة على دعوة شارون لزيارة البلاد، إلاّ دليلا على أصالة هذا الشعب وتعلـّـقه الراسخ بالهوية والثوابت الوطنية.

إجراء إصلاحات سياسية على غرار "الإصلاحات الاقتصادية" التي تمت في أغلب بلدان المنطقة في إطار برامج التكيف الاقتصادي والإصلاح الهيكلي وتأهيل المؤسسات للانخراط في برنامج العولمة الاقتصادية،

وهذه الإصلاحات هي إصلاحات موجهة في إطار الضوابط السالفة وعلى كل الراغبين في الحكم الإذعان لهذه الشروط والإعلان عن اعتناق هذه المبادىء. لذلك لن يسمح لأي حركة إسلامية أو غيرها الاقتراب من الحكم إلا على أساس هذه الاعتبارات. كما لن يسمح لأي نظام حاكم عربي الاستمرار في الحكم والحصول على الدعم المطلوب إذا أخل بهذه الشروط.

لذلك فإن المقولة الأمريكية للإصلاح المطلوب تتلخص في معادلة بسيطة عنوانها إصلاح دون ديمقراطية (حقيقية) وديمقراطية دون تداول (إذا اضطرت الأوضاع إلى ذلك) وتداول دون إسلاميين (إذا رفضوا الإذعان للشروط الأمريكية. أما إذا قبلوا بقوانين اللعبة اختيارا أو اضطرارا، قناعة أو مناورة، فالباب مفتوح لهم إلى حد).

الخطوة الأخيرة من برنامج الإصلاح الأمريكي هو الإصلاح الثقافي والمقصود به إجراء تعديلات جوهرية على برامج الثقافة والتعليم في المنطقة في اتجاه تطويعها للتكيف مع المطالب الأمريكية المذكورة والقبول بالمضامين الثقافية والفكرية للعولمة المفروضة على الجميع.

في هذا السياق، فإن الإصلاح المطلوب أمريكيا على الراجح ليس هدفه الأساس تغيير الأنظمة القائمة واستبدالها وإنما ابتزازها سياسيا لمزيد من التنازلات من بعضها وإزالة الأقنعة عن بعضها الآخر الذي يمارس هذه الشروط في الخفاء منذ مدة ليست بالقصيرة.

هذا "الإصلاح" سينجم عنه للأسف، تثبيت الأوضاع الحالية وإحداث المزيد من التوترات الداخلية باعتبار اختلاف المواقف والسياسات للأطراف السياسية في كل بلد وارباك جهود الإصلاح الحقيقي والتنمية المتعثرة. فهو ليس سوى تغيير بقواعد اللعبة السياسية. ولا يمكن أن يقود في أحسن الحالات إلاّ إلى نوع من" الحكم الذاتي" في ظل الهيمنة الأمريكية والاستعمار الجديد. وهذا لا يمنع من ضرورة السعي الخارجي ومنه الأمريكي لمزيد من الحريات.

أما الإصلاح المطلوب داخليا والذي تتطلع إليه مجتمعاتنا وتسعى لتحقيقه كل الأطراف الاجتماعية والسياسية، يهدف إلى ما يلي :

إيلاء مطلب الحرية الأهمية الأولى في الأهداف المرحلية باعتبار أنها المفتاح الحقيقي للإصلاح والامتحان العسير للتخلص من الاستبداد والتوجه نحو الديمقراطية الجادة. فدون حرية لا يمكن أن يكون هناك إصلاح ولا ديمقراطية ولا تعددية ولا انتخابات ولا تنمية ولا أي شيء يخدم أهداف البلاد ومصالحها الحيوية. والحرية المطلوبة هي حرية منضبطة بالمصلحة الوطنية وسيادة القانون، وفي إطار احترام الثوابت الوطنية المتفق حولها، وهي بالتالي للجميع دون إقصاء أو استثناء. وهي ليست فقط بيد السلطة التي تمسك بزمام الأمور وإنما، كما هي مطلوبة للجميع فعلى الجميع الاعتراف بها والانصياع لمتطلباتها والحسم مع النظريات الكليانية التي تستند إلى مقولات بائدة، بادت مع اندثار الأنظمة الشمولية في المعسكر الاشتراكي السابق من قبيل "لا حرية لأعداء الحرية" التي لا يزال للأسف الشديد يرفعها بعض من أطراف اليسار العلماني في البلاد. وهي تندرج في إطار سياسة الكيل بمكيالين في مجال الحريات وحقوق الإنسان. والمتأمل بعمق في موقف هذه الأطراف من قضية المساجين الإسلاميين الذين يعانون حالة من الموت المنهجي البطيء، يدرك مدى هشاشة الشعارات التي ترفع من قبل هذه الجهات

الانطلاق من الواقع الراهن والشرعية القائمة بغض النظر عن مصداقيتها أو الملابسات التي تحيط بها، من أجل إصلاح جوهري من داخل المؤسسات والآليات التي أفرزتها وإعادة تأسيس الأوضاع على ثوابت جديدة في اتجاه الدفع نحو تخليصها من الاستبداد والسلطوية شيئا فشيئا وإحلال التعددية والديمقراطية تدريجيا. إنه دون "براغماتية" سياسية وتدرج في الإصلاح لا يمكن في ظل المعادلة المحلية والدولية الراهنة، إحداث أي انفراج نحو الحرية والتعددية الحقيقية. والتدرج لا يعني التمويه أو الالتفاف على القضايا الحقيقية بإصلاحات قشرية زائفة، وإنما هو تدرج صادق ومسئول يرعى الخصوصية الاجتماعية والثقافية السائدة ويعمل على توسيع رقعة الثقافة الديمقراطية والتداول على المسؤولية في كل المجالات والقطاعات والأوساط. وهي بالتالي عملية ثقافية تندرج في سياق مشروع تنمية سياسية مطلوبة وبإلحاح لتأهيل المجتمع للتحول نحو التعددية الحقيقية والقبول بالرأي الآخر دون إقصاء أو تنافر.

إن قطار الإصلاح محطته الأولى الحرية ثم إصلاح المؤسسات والتشريعات في إطار حوار وطني شامل حتى تكون المسيرة جادة ولا رجعة فيها.

* عوائق المصالحة:

الإصلاح والمصالحة وجهان لعملة وطنية واحدة هي المصلحة العليا للبلاد والدفاع عن كرامتها وسيادتها وثوابتها. لذلك لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية إلا من خلال التوافق على ضرورة الإصلاح و الانخراط فيه. كما أن برنامج الإصلاح لن يكون جادا إلا بالمرور عبر محطة المصالحة و فك الاشتباك وطي صفحة الماضي وتجاوز سنوات القحط والركود السياسي والإعلان عن مرحلة جديدة من التعايش السلمي والتقارب السياسي وتحمل الخلافات والاعتراف بالتعدد والاحترام المتبادل بين كل الأطراف.

فالإصلاح والمصالحة بهذا المفهوم هما عنصران متكاملان في مشروع واحد هو مشروع النهضة الشاملة والتنمية المتكاملة. وهذا المشروع الوطني يستوجب منهجية التراكم، أي الانطلاق من المنجزات القائمة وتثبيت المكتسبات وتعزيزها بالمزيد من الإصلاحات من أجل بناء مستقبل أفضل للأجيال الصاعدة في البلاد.

وهذه المنهجية تتضارب مع منطق الإقصاء والتطرف والمغالاة والمزايدات والانطلاق من الصفر والنظر إلى الواقع المركب بنظارات سوداء لا ترى إلا الظلام، بينما الحقيقة الموضوعية ليست بلون واحد وفيها من الإنجازات التي يجب دعمها وتعزيزها كما أن فيها من الإخفاقات والإخلال والمفاسد ما يستدعي جهدا وطنيا من طراز خاص لتذليلها وإزاحتها وتحصين البلاد من الإرتكاس والتراجع.

وفي هذا السياق، يبدو أن مشروع المصالحة الوطنية في تونس تعترضه جملة من العوائق الأساسية التي لا يمكن التقدم خطوة في الاتجاه الصحيح دون التصدي الحقيقي لها من قبل الجميع:

*غياب الجرأة في تحمل المسؤولية:

إنّ النظرة الموضوعية للواقع التونسي الراهن تفيد بأن كل الأطراف وعلى رأسهم السلطة القائمة تتحمل مسؤولية كبيرة في اتجاه الإقدام على مراجعات ذاتية وتقويم لممارساتها وخياراتها وتغليب المصلحة العليا للبلاد والانتباه لأخطار المستقبل والتحديات الكبرى التي قد تعصف بالاستقرار ومنجزات التنمية.

وللأسف فإن جميع الأطراف لم تستطع التقدم بجرأة في هذا الاتجاه. فالتعبير عن الاستعداد ورفع الشعارات غير كافيين لإنجاز هذه المهمة. المطلوب قراءة علنية ومسئولة لأخطاء الماضي ودور كل الأطراف في ذلك وليس مجرد التأسف أو توزيع المسؤوليات جزافا على الآخرين.

دور السلطة ليس في التشبث بالحكم والعض على نواجذه للأبد، وليس في الحرص على التحكم في رقاب الناس وتكميم الأفواه وكبت الحريات، وإنما في السعي الجاد إلى استثمار كل الطاقات وتوظيف كل الكفاءات في تنمية قدرات البلاد وتقوية مناعتها وسيادتها وتحصينها من الأخطار والمفاسد التي تضعف مكانتها بين الدول.

كما أن دور المعارضة ليس فقط في مناكفة السلطة ومواجهتها في كل ما تقوم به والتركيز على النواقص والأخطاء والتجاوزات وإنكار الايجابيات والإنجازات، وإنما دورها يكمن في التصدي لكل ما من شأنه المساس بالثوابت ومقدسات البلاد ومصالح الوطن والمواطن ولو كان مصدره المعارضة ذاتها أو البعض من أطرافها. ولذلك فإن مقولة معارضة المعارضة ليست مخطئة في المطلق وفي كل الأحوال لأن مسلكيات البعض منها لا يقل خطورة وجرما عما يصدر عن السلطة من ممارسات وانتهاكات وإقصاءات وانفراد بالرأي واستبداد والبحث عن المصالح الشخصية والحزبية والفئوية على حساب مصلحة البلاد ومستقبلها.

إن غياب المعارضة الوطنية الصادقة والمسئولة هو تحدّ آخر يضاف إلى جملة التحديات الكبرى التي تواجه البلاد في المرحلة القادمة. والمطلوب ليس توحيد المعارضة بكل أطيافها في مواجهة السلطة وإنما بناء جبهة وطنية متكاملة لكل الوطنيين والصادقين لمواجهة التحديات والتغلب على المصاعب المنتظرة والمحدقة بنا.

البعض يظن أن خوض معركة الحرية ومقاومة الاستبداد هو أولوية الأولويات وما عدى ذلك هو تحريف لدور المعارضة الأساسي، ولكن من الوهم الظن بأن معركة الحرية هي عبارة عن جولة واحدة يكفي خوضها بجدارة للتخلص من الاستبداد والتسلط والتحول إلى مصاف الأحرار والديمقراطيين. إنّ الاستبداد ظاهرة نفسية وثقافية وتربوية تنخر المجتمع ونخبه الفكرية والسياسية بدءا بالسلطان ومرورا بالمعارضات دون استثناء وانتهاء بأدنى المؤسسات الاجتماعية والأهلية. وبالتالي فهي تحتاج إلى جولات وجولات. وهو لا يتم بالضرورة بـ "الضربة القاضية" وإنما من خلال تراكم الإصلاحات وتنقية المناخات. الوهم هو الاعتقاد أن أصل الداء يكمن في الآخر وأن منهج التغيير يجب أن ينطلق من أعلى إلى تحت والحقيقة أن داء الاستبداد والانفراد بالرأي والتشبث بالسلطة والقرار معضلة مشتركة بين كل الأطراف.

والواجب هو مواجهة الحقيقة بأكملها دون مواربة أو تهرب والانطلاق من الذات وفق منهج إصلاحي يتجه إلى كل المستويات من أدناها إلى أعلاها تساوقا مع الرؤية القرآنية العظيمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

* غياب المصارحة:

والمصارحة خطوة ضرورية بعد المراجعة الذاتية لكل طرف، ينبني على الحوار الفكري والسياسي والتعاون على تحمل الخلافات والنقائص والاعتراف بالتنوع والتأسيس للتعدد وتعديل الخطاب في هذا الاتجاه والتوازن في التقييم واجتناب كل أبواب التخوين والتكفير والترذيل السياسي والفكري والديني.

المصارحة تهدف إلى تنقية المناخات وإذابة الجليد الذي أفرز التنافر والتباعد بين الأطراف الوطنية وهي شرط من شروط تحقيق المصالحة وطي صفحة الماضي والتفكير في المستقبل.

* هيمنة البعد الإيديولوجي في طرح المشكلة السياسية:

وهي معضلة أدّت إلى شيوع فكرة الاستقطاب الثقافي والسياسي بين السلطة من جهة والتيار الإسلامي والتيار العلماني أو "الديمقراطي" كما يحلو لأصحابه تسميته ا

فالسلطة وإن كان البعد الإيديولوجي ليس حاضرا لديها بشكل كبير في طرحها للمشكلة السياسية إلا أنها تنطلق من ثوابت وأفكار هي بمثابة المنطلقات "الإيديولوجية" التي لا تستطيع التنكب أو التنازل عنها من قبيل "هيبة الدولة" التي لا تتحمل المراجعة أو المساءلة أو المطالبة أو المحاسبة أو المراقبة، أو "الحفاظ على الاستقرار والأمن" وهو اتهام ضمني لكل ممارسة خارجة عن إطار الضبط والتحكم من قبل المعارضة وبأنها تهدد الاستقرار والأمن ومصلحة الوطن. وهو ما يتخذ في الغالب ذريعة للإفراط في القهر والعنف والتسلط.

أما جزء من المعارضة العلمانية وبالتحديد ذلك الذي لا تستنكف عن المجاهرة بفكر استئصالي إقصائي فإنه تتناول المشكلة السياسية وموضوع المصالحة في إطار دعوة متحمسة للعلمانية وإقصاء الدين عن مجالات الحياة تصل إلى حد التطرف وغياب أولوية الإقرار بالخلاف والاعتراف بالتعدد تحت ذلك الشعار العتيق "لا حرية لأعداء الحرية"، وهو شعار ذرائعي يقصي الآخر تحت مظلة الدفاع عن العلمانية وتحصينها من "الظلامية" و"الرجعية الدينية".

وبالنسبة للحركة الإسلامية، ولئن تقلص البعد الإيديولوجي والعقائدي في طرحها المسألة السياسية على مستوى جزء كبير من نخبتها وقياداتها إلا أنه لا يزال يشقها تيار يستخدم خطابا تحريضيا يعتمد على ما لديه من أدوات سياسية وعقدية وفكرية لتكريس الاستقطاب وتصعيد المفاصلة بين الدولة والمجتمع في إطار منهج الاستعصاء ومغالبة الدولة بكل الوسائل والأشكال.

* غياب فقه الواقع والموازنات:

غياب فقه الواقع والموازنات بين دفع الضرر وجلب المنفعة وتحديد نقطة الانطلاق في مسيرة الإصلاح. فهناك من يختزل المسألة السياسية في خوض معركة الحرية ومواجهة الاستبداد وينتهي به التفكير إلى اختزال هذه المعركة في جولة واحدة هي مغالبة السلطة وإزاحتها عن الحكم كشرط ضروري للمصالحة والإصلاح. وهناك من يعتبر أن أولوية الأولويات مواجهة المشروع "الأصولي" الذي يهدد المكاسب الوطنية ويعيد البلاد إلى مرحلة "العصور الوسطى". وهذان الاتجاهان موجودان في السلطة والمعارضة على حد سواء، وهما يحصران المشكل في الفكر الآخر والموقف الآخر وغير قادرين على إجراء فحوصات ذاتية لهذه الذهنية المعيقة للإصلاح والمصالحة.

إن خريطة المطالب المنوطة بها عملية الإصلاح المنشود، طويلة وعريضة بدءا بالحرية والتعددية والتنمية والتكامل الإقليمي والوحدة ... الخ وهي لا تزال كلها على قائمة الانتظار. فالتعددية مفقودة والوحدة قضت عليها القطرية والتجزئة، والحرية موءودة والتنمية متعثرة إن لم تكن في طريق مسدود لأنها قامت على مبدأ الاستنساخ وليس على مبدأ الاستنباط والإنتاج المحلي.

ولذلك لابد من فرز هذه المطالب وترتيب الأولويات بينها وتقديم بعضها على البعض الآخر ووضع خطة للحوار حولها.

* ما العمل؟

إن مشروع المصالحة يمكن أن ينطلق إذا أدرك الجميع أنه لا مفر من معالجة هذه النقائص لدى الكل وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح والاعتبارات الجزئية الأخرى.

يجب أن يدرك الكل أننا أمام مرحلة جديدة في تونس تختلف تماما عن المراحل السابقة، هذه المرحلة تضعنا على محكّ حقيقي، لا ينحصر في كسر قيود الاستبداد والقهر السياسي فحسب، وإنما في القدرة على بناء نظام سياسي جديد يؤسس لمفهوم المواطنة الذي يقوم على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والعيش المشترك والتعايش السلمي والاندماج الوطني والقدرة على تقبّل التعددية الثقافية والسياسية وإعلاء شأن المصلحة الوطنية على المصالح الأخرى.

إحياء مشروع الميثاق الوطني كأرضية أساسية للوفاق الشامل على أساس الوفاء للوطن أولا وأخيرا، والتهيؤ لمواجهة التحديات التي تواجه البلاد بروح وطنية عالية بعيدة كل البعد عن الاعتبارات الحزبية والإيديولوجية والسياسوية الضيقة.

الشروع في إعداد مؤتمر وطني للإصلاح تشارك فيه كل الفعاليات والأطراف دون استثناء، هدفه التفكير والبحث الجاد عن سبل الإصلاح الحقيقي ومناهجه ومراحله ومضامينه والتصدي للضغوطات الخارجية والإملاءات الأجنبية التي يراد من ورائها إصلاحات سطحية مخادعة وتكريس الاستبداد ضمن لعبة سياسية جديدة !.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر